العنوان فانوس رمضان
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 01-أكتوبر-2005
مشاهدات 79
نشر في العدد 1671
نشر في الصفحة 51
السبت 01-أكتوبر-2005
ارتبط ظهوره بمقدم شهر رمضان المبارك وإن كان لا صلة له بتلك العبادة الجليلة وهذا الركن العظيم من أركان الإسلام، إلا أنه الآن صار علامة مميزة وسمة ظاهرة تدل على قرب حلول الضيف الكريم.
ظهر في القاهرة لأول مرة في العصر الفاطمي وكان ذلك في السابع من رمضان عام ٣٥٠ هجرية عندما خرج المعز لدين الله الفاطمي من بلاد المغرب العربي قاصدًا مصر مع أفراد أسرته بعد أن بنى جوهر الصقلي القاهرة والقصر الكبير، وكان دخول المعز مصر ليلًا في موكب كبير، فخرج إليه الأهالي لاستقباله بالفوانيس لإضاءة الطريق الذي يسير فيه الخليفة إلى قصره وذلك ترحيبًا بقدومه.
ومنذ ذلك الحين والفانوس يرتبط بشهر رمضان ويردد معه الأطفال أناشيدهم المحببة وهم يحملونه ويطوفون به في الشوارع، ويدقون أبواب البيوت بعد الإفطار طلبًا لحلوى رمضان، وقد كانت هذه عادة الأطفال احتفالًا بقدوم الشهر الكريم في جوٍّ تسوده البهجة والسرور وهي الآن في طريقها للاختفاء مع بقاء الفانوس مبتهجًا مع تطوره وتعدد أشكاله واختلاف الأناشيد المسجلة عليه.
إن رؤية هذا الفانوس وجماله ليذكرنا بالطلعة البهية والإطلالة الندية للضيف المبارك، وكأني به يهتف بنا فرحًا وعلى استحياء -لأنه ليس من شعائر هذا الشهر الكريم -أن اقدروا للضيف قدره واعرفوا له حقه من الإجلال والتقدير، فليس استقباله بي أنا الفانوس المكرم ولا بشراء المزيد من الطعام والحلوى والمأكولات التي نسبت هي الأخرى إلى رمضان بلا دليل أو برهان ولا بجديد المسلسلات التي تأكل الأوقات، أو المزيد من الفوازير المنسوبة إلى رمضان زورًا وبهتانًا وما فيها من ضياع لأنفس اللحظات وليتها كانت زلفى وقربة إلى الله.
وليست الحفاوة به تتمثل في تعليق الزينات وإعلان الفرحة والسرور والابتهاج وإن كان سرورًا في محله وفرحًا في موضعه، ولم لا وهو يزورنا في العام مرة واحدة تحل معه فيها الرحمة وتحط رحالها عند المضيفين، وهو يأتي ضيفًا كريمًا سخيًّا جوادًا معه الكثير من الهدايا والهبات من ربه ورب العباد ليس للمطيعين فقط وإنما لغيرهم من الراغبين في استضافته بعد أن جفوه مرات ومرات، لكن الرحمات تبلغ حنايا النفوس وتخترق ثنايا القلوب، فتشف بعد غبش وتعود بعد تيه، وتجد نفسها من بعد ضياع وتلك وربي من أعظم البركات.
يأتي الشهر المبارك يتيه فخرًا ويسمو شرفًا بنزول كلام الله تعالى فيه، فلا يتساوى الناس في استقباله كما لا يتساوون في الحصول على بركاته والاستفادة من خيراته التي خصه الله
تعالى بها، فمنهم من يكون في لهفة وشوق شديدين المجينه، وهؤلاء هم أهل الكرم الذين يحبون الضيافة وكرم الضيافة، فتجدهم يستعدون له بالإخلاص والتوبة وإصلاح النفس والعزم على فعل الخير، والحرص على اغتنام الأنفاس والساعات، وإن لهم مع رمضان وقفات ووقفات فمن صيام بالنهار وصدقة خفية، وإعانة محتاج ومساعدة ضعيف، إلى قيام بالليل، وتلاوة وذكر، ودعاء وتضرع وبكاء، ومحاسبة واستغفار يحرصون على انتقاء أطايب الأعمال وطلب الإخلاص فيها كحرص غيرهم على أطايب الطعام!
ومن الناس صنف آخر قد يثقل عليهم استقباله ويعتبره ضيفًا ثقيلًا عليه يسبب له متاعب هي في ظنه.
وكما توسوس له نفسه جوع و حرمان، يسول له شيطانه ويزين له سوء عمله فلا يأبه برمضان ولا يعطيه ما يستحقه من اهتمام وإكرام فيمر عليه كغيره من الشهور إن لم يكن أقل فهو بالنهار لا ينتهي عن لغو الكلام أو الغيبة والنميمة مما يجرح صيامه، وهذا إن كان يحرم في أي وقت فهو في رمضان أشد حرمة، وقد يؤدي معظم وقته في النوم فيضيع عليه الخير الكثير والإحساس بلدة العيادة وربما صار شديد الغضب عصبي المزاج وحجته أنه صائم، وتجده يعوض وقت الإفطار ما صام عنه بالنهار من طعام وشهوات بالتهام أضعاف ما فاته منها، فيفقد الحكمة من الصيام ويصدق فيه قول رسول الله r: «كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش» (النسائي).
وهل جعل الصيام إلا لتربية النفس وإلجامها بلجام التقوى التصوم عما يفسدها من وساوس الشيطان ونزعاته الخبيثة وأمانيه الكاذبة، ولتتعود الخير وتتحلى بمكارم الأخلاق فتنأى عن كل ما يجعلها تنجذب وتثاقل إلى الأرض لتسمو الروح وتستعلي عن سائر المعاصي وسيئ الأخلاق؟!
رمضان كريم
عن سلمان الفارسي أنه قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر يوم من شعبان فقال: يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعًا، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، شهر المواساة، من فطَّر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء.. قالوا: يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر السالم فقال عليه الصلاة والسلام: يعطي الله هذا الثواب من فطَّر صائمًا على تمرة أو على شربة ماء أو مذقة لبن، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، ومن سقى صائمًا سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة».