العنوان مَرحَباً بَرَمَضان
الكاتب محمود حطاب
تاريخ النشر الثلاثاء 24-سبتمبر-1974
مشاهدات 154
نشر في العدد 219
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 24-سبتمبر-1974
استقبل الناس منذ أيام شهــرًا كريمًا من شهور السنة هو شهــــر رمضان المبارك بالبشر والترحاب وأعدوا له ما استطاعوا من عدة وانقلب فيه الناس ثلاثة أصناف:
صنف جعل منه فرصة سانحة ليحشــو موائده بكل صنف من الطعام غير ناظر إلى الحكمة من التكليف بالصوم وهذا هو صوم العادة الذي قد يتضــــــرر صاحبه به من الأكل الكثير الـــــذي يواجه به المعدة على حين غرة فـــلا يستطيع بعد ذلك صلاة ولا قيامـــــاً فيفوته الشهر الكريم الذي جعله اللـه محطة وقود عظيمة للتزود للرحلــــة الطويلة خلال أيام السنة. يقــــول أحدهم: «وكيف يستفاد من الصـوم في قهر عدو اللـه وكسر شهوته إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره وربما يزيد عليه في ألوان الطعام حتى استمرت العادات بأن تدخـــــر جميع الأطعمة فيه ما لا يؤكل في عدة أشهر، ومعلوم أن مقصــود الصـوم الهواء وكسر الهوى لتقوى النفــس على التقوى وإذا دفعت المعدة مــن ضحوة نهار إلى العشاء حتى هاجـــت شهوتها وقويت رغبتها ثم أطعمت من اللــذات وأشبعت زادت لذتهــــا وتضاعفت قوتها وانبعث من الشهوات ما عساها كانت راكدة لو تركت على عادتها.
فروح الصوم وسره تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في العـود إلى الشرود ولن يحصل ذلـــك إلا بالتقليل، بل من الآداب أن لا يكثر النوم بالنهار حتى يحس بالجــــوع والعطش ويستشعر ضعف القوى فيصفو عند ذلك قلبه فهذه حالـــة الصنف الأول وعلاجها وعليها أغلبية الناس اليوم.
الصنف الثاني: هم الذين استقبلوا رمضان کأي شهر من الشهور بعدم الاعتراف بالصوم واتخذوا لهــم من مزارعهم أماكن يستترون فيها عـــن أعين الناس والله أحق أن يسـتحيا منه وهو معهم مطلع على أحوالهم بل تجدهم في هذا الشهر يشتدون فــــي المعصية وما ذلك إلا لأنهم حـــــزب الشيطان الذي استحــــوذ عليهـــم فأنساهم ذكر اللـه وما علموا أن فطر يوم واحد من رمضان بدون عـــــذر لا يكفره صوم الدهر وإن صاموه؛ للحديث الشريف الوارد في ذلك وأن اللـه خصص للصائمين بابًا في الجنة لا يدخله أحد غير الصائمين واسمـــــه باب الريان. ومن المؤسف حقـــاً أن نجد فئات من الشــــباب في المدارس يعلنون عن إفطارهم فيجتمعون في دورات المياه ليعلنوا هناك من هذه الأماكن معصيتهم لله وما وجد هؤلاء الشباب يدًا رحيمة تأخذ على أيديهم ليرجعوا إلى الله ولست أنسى مدرس الموسيقى في إحدى المتوسطات عندما كان يترك التلاميذ ينشـدون ويتفرغ هو ليدخن سيجارة في الغرفة المجاورة ولكن الرائحة كانت تفضحه مما حول نشيد الطلاب إلى ضرب على الأدراج والمنضدات وهم يهتفون ضد رائحة السيجارة التي شنفت أنوفهم وعلى هذا يفقد الطلاب القدوة الصالحة في الصوم والديانة.
الصنف الثالث من الناس وهـم الذين عرفوا حق الصوم وحق الشهر فامتنعوا عن الغيبة التي هي إفطار محرم كما امتنعوا عن الإفطار المحلل الذي هو الطعام والشراب وصانوا اللسان عن اللغو وشغلوه بذكر الله وقراءة القرآن وأحيوا ليله بالصلاة الهادئة الخاشعة التي تحمل معاني التدبر، التفكر في صفوف كلها خشوع وسكينة وطمأنينة.
يقول الغزالي في ذلك: فلا معنى للصوم وهو الكف عن الطعام الحلال ثم الإفطار على الحرام فمثال هذا الصائم مثال من يبني قصرًا ويهدم مصرًا وقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي أخرجه النسائي «كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش» فقيل هو الصائم الذي يفطر على الحرام وقيل هو الذي يمسك عن الطعام الحلال ويفطر على لحوم الناس بالغيبة وهو حرام وقيل هو الصائم الذي لا يحفظ جوارحه عن الآثام.
فلا يغض بصره ويكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم ويكره وإلى ما يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله- عز وجل- فقد أخرج الحاكم وصحح إسناده أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس- لعنه الله- فمن تركها خوفًا من الله أتاه الله- عز وجل- إيمانًا يجد حلاوته في قلبه. وكذلك حفظ اللسان عن الهذيان والغيبة والنميمة والفحش والجفاء والخصومة والمراء وإلزامه السكوت وقد قال سفيان الثوري «الغيبة تفسد الصوم» وقال- صلى الله عليه وسلم: إنما الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم» وهذا الصنف من الناس الذين عنيناهم هم الفائزون بهذا الشهر الذي تظهر نتائجه على طبيعة سلوكهم وأعمالهم فمن صام وحسن صيامه ظهر ذلك جلياً على أخلاقه وتصرفاته وكان زاداً له في سننه يعينه على طاعة الله- تبارك وتعالى.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).
الرابط المختصر :