; يلتسين العاجز عن مواصلة مهامه وبركان الفساد المتفجر في روسيا | مجلة المجتمع

العنوان يلتسين العاجز عن مواصلة مهامه وبركان الفساد المتفجر في روسيا

الكاتب د. حمدي عبد الحافظ

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1997

مشاهدات 58

نشر في العدد 1242

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 18-مارس-1997

 

واصل الرئيس الروسي يلتسين سباقه مع «الزمن» طوال الأشهر الأربعة التي أعقبت إجراء العملية الجراحية له في الخامس من نوفمبر الماضي للبرهنة على دقة مقولة جراح القلب الأمريكي مايكل ديبيكي بشأن معافاته، وإمكانية عودته للعبة التنس المفضلة لديه. 

ويعزي المقربون من الكرملين تأخر تحقق نبوءة «ديبيكي»، إلى مداهمة الالتهاب الرئوي الذي أصابه في السابع من يناير الماضي وأعاق شروعه في ممارسة صلاحياته الرئاسية، لفترة ثانية بعد انتخابه في الثالث من يوليو الماضي.

كما جاءت التصريحات التي نقلتها صحيفة «كمسمولسكايا برافدا» الواسعة الانتشار، في عددها الصادر في السابع من فبراير الماضي على لسان زوجة الرئيس نائينا يلتسين بمطالبته بالتقاعد والتخلي عن الحكم بسبب حالته الصحية المتدهورة، لتنسف المحاولات الخارقة التي تبذلها دوائر الكرملين للتأكيد على معافاة الرئيس الروسي وقدرته على ممارسة صلاحياته الرئاسية لفترة ثانية.

ويعكس حرص الرئيس الروسي على توجيه الخطابات القصيرة المقتضبة من خلال الراديو حيث من السهل عمل المونتاج لها، الرغبة في التأكيد على عودته القوية للكرملين وعلى إلمامه بالقضايا الملحة التي تقلق الشعب وتوتر الوضع داخل المجتمع

 وفي كلمته الأخيرة من خلال الراديو أيضا تناول الرئيس الروسي قضايا الجيش والميزانية وجدد انتقاداته للحكومة بسبب عجزها عن دفع الرواتب المتأخرة وتعثر الإصلاح العسكري، وأشار الرئيس الروسي إلى توقيعه على ميزانية العام الجاري على مضض، بعد مصادقة مجلسي الدوما والفيدرالية عليها وبرر عدم رفضه لها بحرصه على عدم توتير الوضع الاجتماعي الذي ينذر بالانفجار وأكد يلتسين صعوبة تنفيذ الميزانية الجديدة واتهم الحكومة بالمبالغة في تقديم الوعود الزائفة للحصول على موافقة البرلمان عليها وشدد على ضرورة دفع الرواتب للعمال والموظفين وتسديد الديون الحكومية المستحقة للهيئات والمؤسسات الإنتاجية، ولدى تطرقه لقضايا الإصلاح العسكري اعترف الرئيس الروسي بصعوبة الأوضاع داخل القوات المسلحة ودعا إلى تقليص تعدادها والانتقال إلى جيش المحترفين، كما أشار الرئيس الروسي إلى تحسن عملية تمويل الجيش والانتظام في صرف الاعتمادات المخصصة للعسكريين دون بلوغها الأبعاد المرجوة، مما يعني بقاء أسباب التوتر داخل القوات المسلحة، وكان الرئيس الروسي قد شدد في الآونة الأخيرة من انتقاداته للحكومة ودعا إلى إدخال تعديلات جوهرية على هيكلها وسياساتها الاجتماعية والاقتصادية، كما انتقد الرئيس الروسي بشدة التصريحات التي أدلى بها وزير الدفاع بمناسبة يوم الجيش في الثالث والعشرين من فبراير الماضي، والتي اتهم فيها المقربين من رئيس الدولة بتضليله وتقديم المعلومات الخاطئة بشأن الوضع داخل الجيش والقدرة القتالية له.

البحث عن خليفة لوزير الدفاع:

عشية توجيه كلمته الأخيرة إلى الشعب، بادر الرئيس الروسي باستقبال قائد منطقة «دالني فاستوك» «الشرق الأدنى» الجنرال فيكتور تشيتشفاتوف واستمع إلى تصوراته حول قضايا الإصلاح العسكري بعد أن غدت هذه القضية المصدر الرئيسي لتصاعد الخلافات داخل الفريق الحاكم، ولتنامي القلق داخل المجتمع خشية وقوع انقلاب عسكري، وجاء استقبال الرئيس الروسي للجنرال تشيتشفاتوف، البالغ من العمر ٥٢ عامًا والمعروف بأقدميته بين قادة المناطق العسكرية، في إطار البحث عن خليفة لوزير الدفاع الحالي بين المرشحين المحتملين الذين يتقدمهم نائب وزير الدفاع الأسبق وعضو البرلمان الحالي بوريس جروموف وسكرتير مجلس الدفاع يوري باتورين.

وكان يلتسين قد تعرف عن قرب على الجنرال تشيتشفاتوف أثناء زيارته لمنطقة الشرق الأدنى في أبريل الماضي وهو في طريقه إلى الصين وأبدى إعجابه بانضباطه وبآرائه وتقييمه للوضع داخل منطقته العسكرية، وقد سبق للرئيس الروسي استدعاء الجنرال تشيشفاتوف للتحادث معه في الكرملين في أغسطس الماضي، عندما جرى البحث عن خليفة لوزير الدفاع الأسبق بافيل جراتشوف، إلا أن جهود الجنرال ليبيد، الذي شغل حينذاك منصب سكرتير مجلس الأمن القومي نجحت في إقناعه بتعيين يجور رديونوف وزيرًا للدفاع.

ولم تصمد محاولة الاطمئنان التي قام بها الجنرال المتطلع تشيتشفاتوف لتهدئة مخاوف الكرملين تجاه الوضع المتوتر داخل القوات المسلحة طويلًا، حتى جاءت تصريحات النائب الأول لوزير الدفاع أندريه كاكوشين لتضاعف منها وتدق ناقوس الخطر وتطالب باتخاذ إجراءات عاجلة للحيلولة دون الانفجار، وأشار كاكوشيه، في تصريحاته هذه إلى توقف عملية تجديد وتطوير أسلحة الجيش الروسي نهائيا بسبب نقص الاعتمادات المالية، وأكد ضرورة تحديث أكثر من %۷۰ من العتاد العسكري الروسي قبل حلول عام ۲۰۰۰م، وتزويده بالمعدات المتطورة في مجال الاستطلاع والمعلومات.

وإلى جانب هذا، تفيد الإحصاءات الرسمية بأن الاحتياجات المادية للعسكريين، مثل التغذية والجوانب الاجتماعية الأخرى، لا تلبي إلا نسبة ١٥% من المقرر وأن بعض الوحدات تعاني الجوع الحقيقي، مما ساعد على انتشار ظاهرة الهروب من قبل المجندين والفساد داخل القيادات العسكرية التي انشغلت ببيع وسرقة الأسلحة والذخيرة أو ممارسة «البزنس» وتورطت في ممارسات مشبوهة.

 ويربط المراقبون بين انتقادات الكرملين لوزير الدفاع إيجور رديونوف والضغوط التي تمارسها المجموعة المتنفذة داخل فريق الحكم بزعامة تشوبايتس للإطاحة به، ومن غير المستبعد أيضا وجود علاقة بين السعي لإقالة وزير الدفاع الحالي والمحادثات الجارية بين روسيا وحلف الناتو فقد تسهل الإطاحة به، وإسكات المعارضين داخل المؤسسة العسكرية الروسية لتوسيع عضوية الحلف واقترابه من الأراضي الروسية.

خلافات مجلس الدفاع:

المعروف أن خلافات شديدة تفجرت داخل مجلس الدفاع الأعلى بين العسكريين بزعامة رديونوف والمدنيين بزعامة باتورين حول الإصلاح العسكري وكيفية البدء فيه، في ظل النقص الشديد في الاعتمادات المالية والتأخير المتواصل في دفع راتب العسكريين ووقف البرامج التدريبية، وتسود، داخل مجلس الدفاع وجهتا نظر متعارضتان بشأن الإصلاح العسكري وتقليص الجيش إلى ١.٥ مليون فرد مع حلول عام ٢٠٠٥م ودمج عدد من الجيوش والأسلحة وتقليص هيئة أركانها، وهو ما: يعني تسريح أكثر من ١٥٠٠جنرال وجهة النظر الأولى يتبناها وزير الدفاع إيجور رديونوف، ويدعو من خلالها إلى الإسراع بتلبية الاحتياجات الملحة العسكريين قبل الشروع في التقليص بحجة أن الوضع المتفجر لا يحتمل التأخير أو الإبطاء، أما وجهة النظر الثانية التي يتبناها سكرتير مجلس. الدفاع يوري باتورين فتنطلق من «الأمر الواقع»، وانعدام الإمكانية لتوفير الاعتمادات اللازمة لسد الاحتياجات الضرورية للعسكريين، ومن ثم تطالب بالشروع في التقليص الفوري واستخدام الأموال المتوفرة بفتح الفاء في الصرف على المتبقين.

لقد دفعت الأوضاع المتردية داخل الجيش إلى إقدام مجلس السياسة الخارجية والدفاع وهي مؤسسة رسمية تضم في صفوفها عددًا كبيرًا من الساسة والعسكريين على إصدار بيان حذرت فيه من عواقب الانفجار داخل القوات المسلحة وتعريض الأمن القومي والمجتمع المدني للخطر. 

ووصف بيان مجلس الدفاع والسياسة الخارجية الوضع في القوات المسلحة بأنه كارثة لا بد وأن تطول عواقبها الوخيمة المجتمع بأكمله، وأن ازمة الجيش بمثابة المؤشر الأزمة أكثر شمولا عمت الدولة والسلطة، وحذر البيان من محاولات استخدام القوات المسلحة في غير أهدافها الدستورية-حماية الوطن، وأن السير على هذا الطريق الخاطئ لن يأتي سوى بتكرار المغامرات العسكرية التي تدمر معنويات الجيش نهائيًا وتحوله إلى قوة ناقمة على الدولة والمجتمع.

وجاء في البيان ما يلي «في مواجهة الأوضاع المتردية التي يعيشها الجيش الروسي الآن والتي يعد قادرًا في ظلها على درء الأخطار الخارجية عن البلاد، يغدو من الخطل الشديد الجدل الدائر حول الإصلاح العسكري وشكله ومواعيده، ذلك أن روسيا لا تملك من الموارد ما يكفل لها تحقيق أي إصلاح عسكري جدي.

 

 

شبح ليبید و کار جاكوف في الكرملين:

بعيدًا عن أوضاع الجيش والخلافات المتصاعدة بين وزير الدفاع إيجور ديونوف من جانب وسكرتير مجلس الدفاع الأعلى يوري باتورين من جانب أخر، حول مغزى وتوقيت الإصلاح العسكري، تتناقل الألسنة أسبابا أخرى وراء محاولة عزل الأول «وزير الدفاع»، من منصبه منها علاقته القوية بسكرتير مجلس الأمن القومي الأسبق الجنرال ليبيد وتعاطفه مع مواقف المعارضة اليسارية والقومية تجاه العديد من قضايا الساعة خاصة في ظل غياب الرئيس الروسي عن المسرح السياسي، وكان وزير الدفاع إيجور رديونوف قد انضم في -الآونة الأخيرة- إلى المعارضة في انتقادها «للروس الجدد» الذين نهبوا الثروات الوطنية وهربوا مليارات الدولارات إلى الخارج ويخططون لتفتيت روسيا بعد أن تآمروا على الدولة السوفييتية، وفي كلمته أمام حشد من الجنرالات بمناسبة يوم الجيش، اتهم رديونوف «الروس الجدد»، الذين ينتمي إليهم رئيس ديوان الكرملين أناتولي تشويايتس وجيل الديمقراطيين الروس، بالعمالة للغرب وأشار إلى أن همهم الأكبر يكمن في تهريب الأموال للخارج.

كما جاءت التبريرات الرسمية التي ساقها المراقبون حول تبرير الرئيس الروسي لقراره بعزل مصوره الخاص فيكتور سوكولوف ورئيس العلاقات العامة لقصر الكرملين ميخائيل ليسين كتبريرات واهية، وكانت مصادر الكرملين قد أرجعت فصل المصور الخاص للرئيس الروسي سوكولوف لتعاطيه الخمور أثناء وقت العمل واستبعاد رئيس العلاقات العامة ميخائيل ليسين لفشله في تهيئة «الرأي العام»، ونزع القناعة التي سادت داخل المجتمع حول عجز رئيس الدولة عن القيام بمهام منصبه.

  • روائح الفساد تنتشر بين أركان الحكم وسباق محموم بين المتصارعين على خلافة يلتسين

ومرة ثانية تتناقل الألسنة الأسباب الحقيقية للتغيير الأخير الذي لحق بإدارة الكرملين والمتمثلة في علاقة كل من سوكولوف وليسين التي لم تنقطع بقائد حرس الكرملين الأسبق الجنرال كارجاكوف وتهنئتهما له بفوزه بمقعد في البرلمان عن دائرة «تولا»، أثناء الانتخابات الفرعية التي جرت في السابع من فبراير الماضي.

وكان نجاح الجنرال كارجاكوف في دخول البرلمان قد أصاب العاملين في الكرملين بحالة من الذعر الشديد، حيث وعد في حملته الانتخابية بالكشف عن وقائع الفساد واستغلال النفوذ من قبل كبار المسؤولين وعلى رأسهم رئيس ديوان الكرملين انا تولي تشوبايتس وابنة الرئيس تتيانا يلتسين.

احتمالات متعددة لتجسيد العودة القوية:

يعكف الرئيس يلتسين في الوقت الحاضر على دراسة كافة السيناريوهات المطروحة لوضع اقتراحاته حول التعديل الوزاري المرتقب موضع التنفيذ العملي، وذلك للتأكيد مرة ثانية على قدرته على الإمساك بزمام المبادرة وتسيير أمور الحكم. 

وتمثل المهلة الزمنية التي حددتها النقابات العمالية المستقلة، بتضامن البرلمان معها لشن الإضراب الشامل في السابع والعشرين من مارس الجاري ما لم تبادر الحكومة بتسديد الديون المستحقة للهيئات والمؤسسات الإنتاجية، ودفع الرواتب المتأخرة تمثل أحد عوامل الضغوط الرئيسية على الرئيس الروسي للإسراع بإعلان التعديل الوزاري.

ومن بين الخيارات المطروحة أمام الرئيس، فيما يخص التعديل الوزاري المرتقب ما يلي:

 - الإبقاء على فيكتور تشیرنومیردن رئيسًا للحكومة وإقالة الوزراء المسؤولين عن السياسات الاجتماعية والاقتصادية، وهم وزير المالية ألكسندر ليفيشيتس ووزير الاقتصاد يفجيني ياسين ووزير الشؤون الاجتماعية ميليكيان، إلى جانب اثنين من نواب رئيس الحكومة هما فلاديمير باتانين وإلكسي برشاكوف، وفي هذه الحالة قد يلجأ الرئيس الروسي إلى تطعيم الحكومة ببعض رموز المعارضة لتخفيف الضغوط السياسية وامتصاص السخط الشعبي المتفجر، وفي المحصلة تتشكل حكومة «لبن-سمك-تمر هندي» ينقصها الانسجام مما يضاعف من تعقيد الوضع الناجم على المدى القريب، وسيعمد الرئيس الروسي في حالة الأخذ بهذا السيناريو إلى مطالب «الشعب» بقليل من الانتظار وبأنه سوف يتولى بنفسه الإشراف اليومي على عمل الحكومة ليضمن إخراج البلاد من عنق الزجاجة ومعافاة الاقتصاد بعد أن تعافى هو شخصياً أو على الأقل يحاولون إقناعنا بذلك.

- الإبقاء على فيكتور تشيرنومیردن رئيسًا للحكومة الجديدة بعد تغييرها كليا مع احتمال تشكيل حكومة ائتلافية لا تضم ممثلين عن المعارضة بأشخاص «كما في السيناريو الأول»، فحسب بل ويتم الاقتباس من البرامج المختلفة للقوى السياسية المشاركة فيها وصياغة برنامج للإنقاذ الوطني».

ويعارض المقربون من الرئيس الروسي من أمثال تشوبايتس مثل هذا السيناريو بشدة حرصًا على امتيازاتهم، الأمر الذي أعاق محاولات ودعوات الوفاق الوطني والسلام الاجتماعي، التي صدرت عن الكرملين عند أو في أعقاب كل هزة اجتماعية أو أزمة سياسية كبيرة مرت بها روسيا خلال السنوات الست المنصرمة.

ومن بين الأسماء البارزة من المعارضة المرشحة للمشاركة في الحكومة الائتلافية، في حالة الأخذ بهذا السيناريو الاقتصادي الشيوعي البارز ماسليكوف ورئيس الحكومة السوفييتية الأسبق نيكولاي ريجكوف وزعيم تكتل يابلكو الإصلاحي يجور يفليسنكي.

- إقالة فيكتور تشیر نومبردن وحكومته.

ويتماشى مع هذا السيناريو تكليف إحدى الشخصيات المحايدة تشكيل الحكومة الجديدة سواء جاءت ائتلافية أو موالية تماما للسلطة.

ويتردد اسم رئيس مجلس الفيدرالية يجور ستروييف وعمدة موسكو الحالي يوري لوجكوف بين المرشحين لخلافة فيكتور تشيرنوميردن.

وأسوأ ما في هذا السيناريو ما يتردد حول احتمالات عودة «تشوبايتش» أو «جايداره» لصفوف الحكومة الجديدة، مما يعنى عودة التوتر بين السلطتين التنفيذية والتشريعية وينسف الأساس الضروري لأي محاولة للإنقاذ.

 

الرابط المختصر :