العنوان ذكرى الإسلامبولي سيّد الشهداء ورصاصة الحق
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 08-أكتوبر-1985
مشاهدات 67
نشر في العدد 736
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 08-أكتوبر-1985
يرتبط يوم ٦
أكتوبر بحدثين لهما قدر كبير من الأهمية بالنسبة لتاريخ مصر على وجه الخصوص
والعالم الإسلامي على وجه العموم.. هذان الحدثان هما حرب أكتوبر عام ١٩٧٣ التي
انطلقت رصاصتها الأول يوم ٦ أكتوبر، وحادث المنصة الذي سقط خلاله أنور السادات
مضرجًا بدمه في أجرأ عملية اغتيال من نوعها..
فلماذا كان الاغتيال؟ وما هي دوافعه؟ ومن هو خالد الإسلامبولي الذي اقتحم منصة السادات وهو بين جنوده وحراسه وحاشيته ليقتله شر قتلة؟
-ولد خالد الإسلامبولي في ١٤ نوفمبر ١٩٥٧ بنجع حمادي في محافظة أسيوط، حيث كان يعمل والده الأستاذ أحمد شوقي مستشارًا قانونيًا بشركة السُكر.
نشأ في رعاية أسرة متدينة علمته هو وإخوته المبادئ الإسلامية والعبادات والأخلاق، وكان والدهم يقوم بتحفيظهم القرآن بنفسه ويبث فيهم المواظبة على الصلاة والصيام منذ أن كان خالد في سِن السابعة من عمره.
وفي المرحلة الأولى من شبابه حيث كان في المرحلة الثانوية وضع لنفسه طريقًا سلكه فور حصوله على الثانوية العامة عام ١٩٧٥، وكان هذا الطريق هو دخول الجيش، وكانت هذه الرغبة قد تأصلت في نفسه منذ هزيمة عام ١٩٦٧، وكان عمره في حينها عشر سنوات، حيث شعر بعمق الإهانة التي أصابت الأمة بسبب هزيمتها البشعة أمام العدو الإسرائيلي.
ورغم أجواء العمل العسكري وتأثيره على الاتجاهات الدينية فقد حافظ الإسلامبولي على أخلاقه الإسلامية واستمر في حفظ القرآن ومراجعة التفاسير ومطالعة الكتب الدينية.
وفي عام ١٩٧٩ التحق الإسلامبولي بتنظيم الجهاد الذي كان ينادي بضرورة عودة مصر للإسلام وتطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقًا كاملًا..
وبدأت معارضة التنظيم لنظام السادات إثر توجهه نحو الولايات المتحدة وتوثيق علاقته بها، وربط السياسة المصرية بالسياسة الأمريكية، وكانت النقطة الحاسمة في عداء التنظيم للسادات ارتماءه التام في أحضان السياسة الصهيونية، وإنشاء علاقات طبيعية مع الدولة اليهودية، واعترافه بتلك الدولة التي اغتصبت الأرض الإسلامية والمقدسات الإسلامية.. لذلك كان شعار واقدساه يرتفع فوق رؤوس أعضاء التنظيم أثناء محاكمتهم بتهمة اغتيال السادات.
وكانت قرارات 5 سبتمبر ۱۹۸۱ بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير في نظرة الإسلامبولي ورفاقه للسادات، فقد تضمنت هذه القرارات الساداتية اعتقال معظم العاملين في حقل الدعوة الإسلامية في مصر من أمثال الأستاذ عمر التلمساني، والشيخ حافظ سلامة، والشيخ عبد الحميد كشك، والشيخ أحمد المحلاوي، إضافة إلى العديد من رجالات الفكر الإسلامي والسياسي.. وكان السادات قد ألقى خطابًا هاجم فيه رجال الدعوة الإسلامية ونعتهم بأوصاف لا يمكن أن تصدر عن شخص يقف على رأس دولة مسلمة، بل تصدر عن شخص يمتلئ قلبه حقدًا للعاملين في الحقل الإسلامي وكراهية لكل ما هو إسلامي.. فقد وصف بعض هؤلاء العلماء بأنهم كلاب وقد تم رميهم بالسجن، ووصف آخرين بأنهم مجانين واستهزأ بالشباب المسلم الذين يطلقون لحاهم أسوة بالرسول عليه الصلاة والسلام.. وكانت هذه التوجهات الساداتية بداية نهايته التي خطط لها الإسلامبولي ورفاقه الذين وجدوا أنه بات من الضروري تخليص الأمة من فرعون مصر الجديد..
وكان صباح يوم ٦ أكتوبر عام ۱۹۸۱ موعدًا لتنفيذ الحكم باغتيال السادات وهو بين جنوده ووزرائه وحاشيته يستعرض القوات المسلحة في ذكرى حرب أكتوبر ٧٣، وكان السادات في حينها يشعر بأنه الزعيم الأوحد الذي يملك مقدرات مصر كلها، فكان بتلك الصورة مشابهًا لفرعون موسى الذي خرج يوم الزينة متحديًا نبي الله موسى والقرآن الكريم يقول في وصف أحد هؤلاء الطغاة.. ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ (القصص: 79)، ويوم ٦ أكتوبر ۸۱ خرج الفرعون الجديد في زينته ليتلقى رصاصات الإسلامبولي التي اخترقت جسده وحولته إلى جثة يتمرغ وجهها في أرض المنصة.. ولم يدفع الإسلامبولي ورفاقه إلى تنفيذ عملية الاغتيال سوى غيرتهم على الإسلام وحبهم لدعاته ورجاله ودفاعًا عن شريعته وانتقامًا لكرامة علمائه.
ولم يكن الإسلامبولي في عمله هذا يرغب في مركز أو جاه أو أمر من أمور الدنيا لأنه كان يعلم أن هذه العملية ستكلفه حياته.. وكان يظن أنه سيقتل أثناء العملية.. ولكن الله كتب له النجاة ليعيش عدة شهور يسمع العالم خلالها «أثناء المحاكمة» دوافع العملية وأسبابها قبل أن يعمل الحاقدون على تشويه صورته وصورة رفاقه.. لهذا كانت محاكمته مهرجانًا إسلاميًا رائعًا ارتدى خلالها الإسلامبولي ورفاقه أكفانهم لأنهم يعلمون أنهم سيعدمون حتمًا وكانت نداءاتهم داخل المحكمة واقدساه وا إسلاماه.. تنطلق من قاعة المحكمة لتصل إلى أسماع المسلمين في كل مكان.. وكان إعدام الإسلامبولي يوم الأربعاء ١٤ أبريل عام ۱۹۸۲ مودعًا الدنيا شهيدًا في قافلة شهداء الدعوة الإسلامية المعاصرة. وكانت وصية الإسلامبولي لأمه قبل تنفيذ حكم الإعدام أن يحج شقيقه عنه وأن يتصدق بنصيبه في أرض الأسرة للفقراء وألا يبقي من ملابسه ومتعلقاته شيئًا وأن يتصدق بها.. وأوصى والدته بالصيام وقيام الليل وحفظ سورة البقرة وآل عمران.. وأوصاها بالصبر وأن تقول عندما تسمع تنفيذ الحكم إنا الله وإنا إليه راجعون.
وفي شرح موجز لوالدته يبين خلاله إحساسه وشعوره، يقول الشهيد خالد الإسلامبولي: «إن ما فعلته يا أمي لم يكن إلا لوجه الله، وأنا كنت متأكدًا من أنني سأستشهد أثناء تنفيذ العملية في المنصة، ولكن الله أبقاني لألقاك وأقص عليك ما جعلني أثور لإسلامي وديني. وما جعلني أثور لربي، فإن لم أكن يا أمي مجاهدًا في سبيل الله فلمن أكون، وبتوكلي على الله وبقوة الله وبعونه نفذت ما أراده الله، أنا يا أمي لا أبغي منصبًا أو جاهًا، لا أبغي مالًا أو سُلطة أو مكانة ولا أبغي إلا رضاء الله عز وجل... فلا تنزعجي يا أمي ولا تحزني ولا تقنطي من رحمة الله. لقد كان بإمكاننا يا أمي أن نقتل أعدادًا كبيرة ممن كانوا على المنصة، ولكننا لم نفعل، فلم نكن نريد غير السادات الخائن الأكبر... فنحن يا أمي لم نكن نعمل من أجل الدنيا لكي ننسف المنصة بكاملها، فمن يعلم ربما يرزقنا الله بحاكم من هؤلاء الموجودين في المنصة يطبق الشريعة الإسلامية، ويحكم بين الناس بالعدل فتفوز به مصر.. هذا ما كنت أتمناه يا أمي..».
هذه كانت أحاسيس ومشاعر الشهيد الإسلامبولي ولو كان يتطلع إلى دنيا أو جاه أو سلطان لأفرغ رصاصه في أجساد الحاشية كلها.. ولكنه كان يتمنى أن يخرج من بين هؤلاء من يعيد لمصر وجهها الإسلامي الصحيح.. ولكن شاءت إرادة الله ألا يحقق للإسلامبولي أمنيته فكان إعدامه على يد وريث السادات حسني مبارك الذي تخطاه رصاص الإسلامبولي أملًا في أن يكون رجل مصر العادل.. ولكنه كان على النقيض من ذلك تمامًا فكانت أول منجزات حكمة تلويث يديه بدماء الإسلامبولي ورفاقه.. وكانت نظرات أبناء مصر يوم إعدامه تقول ليته ما تخطاهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل