; من نتائج لقاء قمة موسكو | مجلة المجتمع

العنوان من نتائج لقاء قمة موسكو

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-1972

مشاهدات 79

نشر في العدد 113

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 15-أغسطس-1972

نشاط تجاري ضخم بين روسيا وأمريكا

لا يمر يوم إلا والأخبار تحمل لنا سرًّا من أسرار اجتماعات القمة في موسكو، بين نيكسون والزعماء السوفييت، فهذا المؤتمر لم يتمخض فقط عن توقيع المعاهدات المعـروفة والمعلنة خاصة بالنسبة للأسلحة النووية والتبادل الثقافي وما إليه، ولكن أهم نتائج المؤتمر كانت في المجال الاقتصادي والسياسي، وفي هذا الأسبوع نشرت بعض الصحف البريطانية مقالًا عن حجـم القروض والتسهيلات المصرفية التي ستقدمها البنوك الغربية لدول الكتلة الشرقية، وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي.

ثم أكدت مجلة التايم الأمريكية هذه الأخبار؛ بنشر تقرير عن النشاط التجاري الضخم بين الولايات المتحدة وروسيا، والذي تم الاتفاق عليه أثناء المؤتمر.

كل هذا يشير إلى أن مجال المساومات كان مفتوحًا على مصراعيه، وبما أن الاتحاد السوفييتي كان في حاجة ماسَّة إلى هذا التعاون الاقتصادي؛ فمن الطبيعي أن يقدم شيئًا للسياسة الأمريكية، وهنا تجيء فرصة واشنطن في إملاء شروطها التي كانت أساسًا سياسية، وبالذات في مجالين هامين؛ أولًا فيتنام وثانيًا الشرق الأوسط، وقد أشرنا في مقالات سابقة للدور الذي لعبته السياسة السوفييتية في إقناع هانوي في التخفيف من حدة الهجمات على فيتنام الجنوبية، وضرورة التوصل إلى حل سياسي مع حكومة نيكسون، ومن ناحية أخرى يؤكد تصميم ساسة الكرملين على حرمان القوات المصرية من الأسلحة الهجومية؛ وإلى رغبتهم في إبقاء الوضع الراهن بين إسرائيل ومصر، عن أنهم لا ينوون المغامرة بالصفقات المشتركة التي عقدت في قمة موسكو فما هي طبيعة هذه الصفقات؟

أكد تقرير الجارديان أن البنوك الحكومية في الدول الشيوعية قد بدأت الاقتراض من الأسواق المالية الرأسمالية على نطاق واسع، وينتظر أن يتزايد هذا النشـاط في المستقبل، وقد قدرت مصادر كثيرة بأن الاتحاد السوفييتي يحاول الحصول على ما يعادل 15000 مليون دولار، ويعكس هذا النشاط تجدد الآمال في توسيع التبادل التجاري بين أمريكا والاتحاد السوفييتي، وقد رحب رجال البنوك الغربية بإقبال موسكو؛ بعد مؤتمـر القمة، على التعامل في الأسواق المالية الرأسمالية، وقد صرح أحد الاقتصاديين الذين صاحبوا نيكسون في رحلته إلى موسكو قائلًا «إن تقديم التسهيلات الائتمانية جزء لا يتجزأ من أي اتفاقية تجارية، وسوف يقترض الروس ودول أوربا الشرقية مبالغ كبيرة من العملات الصعبة لتغطية الصفقات التي أبرمت في المؤتمر، الأمر الذي سيؤدي إلى اختلال في الميزان التجاري مع دول الكتلة الشيوعية في صالح الولايات المتحدة».

وسوف توجه هذه التسهيلات الائتمانية الضخمة لتمويل مجالين، الأول في شكل قروض قصيرة الأمد لمساعدة الدول الشيوعية لشراء البضائع والمعدات الغربية، والثاني قروض طويلة الأجل لتمويل مشروعات جديدة للتنمية الاقتصادية، قبل استغلال بترول سيبيريا وعمليات إنتاج الغاز الطبيعي، وعلى إثر المؤتمر انطلق الممثلون السوفييت إلى الأسواق المالية في نيويورك ولندن وزيوريخ للتفاوض مع البنوك الكبرى؛ وأخذ مشورتهم في أحسن الطرق في الحصول على هذا المبلغ الضخم في السوق المالية العالمية، ومهما كانت النتائج فإنه من المؤكد أن رجال المال على طرفي الستار الحديدي قد أصبحوا أكثر التصاقًا وتعاونًا.

ولكن هذه الموجة الجديدة من الانفتاح التجاري والاقتصادي بين الكتلتين لیست بدون مشاكل وصعوبات.

أولى هذه الصعوبات تتمثل فيما يسمى بقانون جونسون والصادر عام ١٩٣٤، والذي يحرم على أي ممول أمريكي إقراض أي مبلغ لدولة شيوعية وعقوبة مخالفة هذا القانون لا تقل عن خمس سنوات سجنًا، وما زال بنـك الاستيراد والتصدير الأمريكي ينتظر تحرك البيت الأبيض والكونجرس لتسهيل هذه العقبة القانونية، والعقبة الثانية تأتي من خلال التقاليد البنكية، إذ إن أي مقرض في حاجة إلى ضمان من المقترضين، أي لا بد أن تتوفر لديه صورة كاملة عن إمكانيات الدولة المقترضة ونوع الضمان الذي يمكن أن تقدمه، ولكن هذه المعلومات الحيوية لا يمكن الحصول عليها كما هو المعروف عن الدول الشرقية، فحالة ميزان المدفوعات واحتياطي الذهب والعملات الأجنبية والموقف الاقتصادي بصفة عامة تعتبر من الأسرار العليا.

ويبدو أن هذا الوضع قد سبب إحراجًا للسلطات المسئولة عن المعلومات الاقتصادية الشيوعية في وزارة الخارجية الأمريكية، فالإحصائيات التي لديهم قد جمعت بمنتهى السرية، وكشفها ليس من الأمور السهلة، لحرص المسئولين الأمريكيين على عدم إطلاع الدول الشيوعية عن مدى ما يعلمون من أسرارهم.

ولكنهم في نفس الوقت المصدر الوحيد الذي تلجأ إليه البنوك الأمريكية للوقوف على قدرة الدولة المقترضة اقتصاديًّا وقد وجدت حكومة نيكسون أن أفضل السبل هو تقدیم الإحصائيات والمعلومات الاقتصادية اللازمة لبنك الاستيراد والتصدير الأمريكي فقط، على أن تقوم سلطات البنك بضمان أي قرض للدول الشيوعية بناء على المعلومات التي زودتها بها الحكومة، وذلك بدون إعطاء أي تفاصيل للبنك الذي يقدم القرض،.. ويتوقع رجال الأعمال الأوربيون أن تصل قيمة الصادرات الأمريكية إلى الدول الشيـوعية إلى ۲۰۰۰ مليون دولار عام ١٩٧٥، بينما كانت قيمة هذه الصادرات 700 ملیون دولار فقط عام 1970.

ولم تنحصر نتائج قمة موسكو في مساعدة الاتحاد السوفييتي في الحصول على هذه التسهيلات الائتمانية الضخمة فقط، لكنها اختتمت بعقد صفقة بيع قمح أمريكي بمبلغ 750 ملیون دولار.

ويقول محرر التايم إن رحلة نیكسون سوف تبقى زمنًا طويلًا في مخيلة رجال الأعمال الأمريكيين لما ترتب عليها من فتح سوق الدول الشيوعية أمام التجارة الأمريكية والغربية.

ويقف وراء هذه الموجة الجديدة من التعاون الاقتصادي والتجاري بين الدولتين رجال أعمال ورأسمالي كبير هـو الدكتور أرماند هامر وهو طبيب من أصل روسي هاجر إلى أمريكا في أعقاب الثورة البلشفية، وقد بنى هامر ثروته التجارية من الفراء والكافيار الروسي؛ عندما كان يستبدلهما بالقمح والسلع الأوربية أثناء المجاعة التي اجتاحت روسيا في العشرينيات، وكثيرًا ما يوجه له الاتحاد السوفييتي الدعوة لزيارة موسكو للتفاوض في عقد اتفاقيات تجارية عندما تلم بهم أزمة في إنتاج إحدى السلع، ومن المعروف أن هامر على صلة وثيقة بالمسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية وبالبيت الأبيض، وفي أعقاب مؤتمر القمة سافر هامر إلى موسكو وقضى هناك أسبوعًا يتفاوض فيه مع المسئولين في عدة وزارات، وقد تمخضت هذه المفاوضات عن بناء فندق كبير في موسكو وعقد اتفاق تجاري طويل الأمد لبناء مصانع المعدات الكهربائية والإلكترونية لإنتاج الأسمدة الزراعية وبيع الأمريكية للسوق السوفييتي، وقد ساعد هامر في تسهيل حصول إحدى الشركـات الأمريكية على عقد بناء مصنع لسيارات النقل يتكلف ۱۰ ملايين دولار في ضواحي موسكو.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل