العنوان المهاجرون والأنصار.. نموذج فريد للتآخي
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر السبت 07-يوليو-2012
مشاهدات 62
نشر في العدد 2010
نشر في الصفحة 57
السبت 07-يوليو-2012
لم يعرف التاريخ البشريّ نموذجاً فريداً للتآخي الجماعي والتحابب بين مجتمعين كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين، هذا الحادث الذي فاض بقيم الحبّ الجارف، والبذل السخي، ومواساة أصحاب الشدة وإكرام الضّيف وإيثاره عن أهل الديار.
القرآن الكريم يتناول صورة صادقة للمهاجرين، الذين أُخرجوا قسراً من ديارهم وأموالهم، قال تعالى: ﴿لٌلًفٍقّرّاءٌ المٍهّاجٌرٌينّ الذٌينّ أٍخًرٌجٍوا مٌن دٌيّارٌهٌمً وّأّمًوّالٌهٌمً يّبًتّغٍونّ فّضًلاْ مٌنّ اللَّهٌ ورٌضًوّانْا ويّنصٍرٍونّ اللَّهّ ورّسٍولّهٍ أٍوًلّئٌكّ هٍمٍ الصَّادٌقٍونّ﴾ (الحشر: 8)، هؤلاء الأخيار أكرهوا بفعل الأذى والاضطهاد والتنكّر من قرابتهم وعشيرتهم على الخروج، لا لذنب ارتكبوه، ولا لإثم اقترفوه، إلاّ أنهم قالوا ربّنا الله.
وقد حددوا من أول لحظة الغاية من تركهم ديارهم وأموالهم: ﴿يّبًتّغٍونّ فّضًلاْ مٌنّ اللَّهٌ ورٌضًوّانْا﴾؛ باعتمادهم على الله تعالى في فضله ورضوانه، لا ملجأ لهم سواه، ولا جناب لهم إلاّ حماه، وهم مع أنّهم مطاردون قليلون: ﴿يّنصٍرٍونّ اللَّهّ ورّسٍولّهٍ﴾ بقلوبهم وحياتهم في أحرج الساعات وأضيق الأوقات: ﴿أٍوًلّئٌكّ هٍمٍ الصَّادٌقٍونّ﴾، الذين قالوا كلمة الإيمان بألسنتهم، وصدقوها بعملهم، وكانوا صادق ن مع الله تعالى في أنهم اختاروه، وصادقن مع رسوله ﷺ في أنهم ي اتبعوه، وصادق ن مع الحق في أنّهم كانوا صورةً ي منه تدبّ على الأرض، ويراها الناس.
وفي هذا الموقف تبدو صورة حيّة تنطبق على كل مؤمن خالص الإيمان، متجرّد لله تعالى، لا يبغي عرض الحياة، في مقابل صورة أخرى، لمن يصوّر لك نفسه خاصةً من الإخلاص، والرغبة في إفاضة الخير والسعادة، ويدهشك شأنه، ويعجبك حديثه عن الحبّ والتجرّد، والودّ والصفاء، والبذل والعطاء، والبرّ والصاح، ل والتقوى والفاح، وتأخذك ذلاقة لسانه، ل وتبهرك نبرة صوته، ويأخذك قوله، وهو كما قال الله تعالى: ﴿وّمٌنّ النَّاسٌ مّن يٍعًجٌبٍكّ قّوًلٍهٍ فٌي لّيّاةٌ الدَنًيّا وّيٍشًهٌدٍ اللَّهّ عّلّى مّا فٌي قّلًبٌهٌ وهٍوّ أّلّدَ الخٌصّامٌ وإذّا تّوّلَّى سّعّى فٌي الأّرًضٌ لٌيٍفًسٌدّ فٌيهّا ويٍهًلٌكّ حّرًثّ والنَّسًلّ واللَّهٍ لا يٍحٌبَ الفّسّادّ وإذّا قٌيلّ لّهٍ ل اتَّقٌ اللَّهّ أّخّذّتًهٍ الًعٌزَّةٍ بٌالإثًمٌ فّحّسًبٍهٍ جّهّنَّمٍ ولّبٌئًسّ المٌهّادٍ﴾ (البقرة: 204_206).
ثم يأتي دور الأنصار الكرام ليجسد ترجمة حقيقية لقيم الإيثار والأخوة والعطاء قال تعالى: ﴿وّالَّذٌينّ تّبّوَّءٍوا الدَّارّ والإيمّانّ مٌن قّبًلٌهٌمً يٍحٌبَونّ مّنً هّاجّرّ إلّيًهٌمً ولا يّجٌدٍونّ فٌي صٍدٍورٌهٌمً حّاجّةْ ممَّا أٍوتٍوا ويٍؤًثٌرٍونّ عّلّى أّنفٍسٌهٌمً وّلّوً كّانّ بٌهٌمً خّصّاصّةِ وّمّن يٍوقّ شٍحَّ نّفًسٌهٌ فّأٍوًلّئٌكّ هٍمٍ المٍفًلٌحٍونّ﴾ (الحشر:9).
وهناك نماذج عديدة لصور الإيثار وأمثلة كثيرة لأشكال السخاء التي رسمها نبلاء الأنصار، نقتطف منها هذا المثال الرائع، فقد روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلاً أتى النبيّ ﷺ، فبعث إلى نسائه، فقلن: ما معنا إلاَّ الماء، فقال رسول الله ﷺ: «مَنْ يَضُمُّ- أو يُضِيفُ - هذا؟ »، فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله، فقالت: ما عندنا إلاّ قوت صبياني، فقال: هيّئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاءً، فهيّأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونوّمت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها، فأطفأته، فجع ا يُريانه ل أنهما يأكان، فباتا طاوين، فلمّا أصبح غدا ي ل إلى رسول الله ﷺ، فقال: «ضحك الله الليلة - أو عجب - من فعالكما».
هذا الحديث الشريف يشتمل على فوائد كثيرة كما ذكرها الإمام النووي، منها: ما كان عليه النبيّ ﷺ وأهل بيته من الزهد في الدّنيا، والصبر على الجوع، وضيق حال الدّنيا، ومنها: أنه ينبغي لكبير القوم أن يبدأ في مواساة الضّيف، ومَنْ يطرقهم بنفسه، فيواسيه من ماله أوّلاً بما تيسّر، إن أمكنه، ثم يطلب له على سبيل التعاون على البرّ والتقوى من أصحابه، ومنها: الاحتيال في إكرام الضّيف، إذا كان يمتنع منه، رفقاً بأهل المنزل، لقوله في صحيح مسلم: فأطفئي السراج، وأريه أنا نأكل، فإنه لو رأى قلّة الطعام، وأنهما لا يأكلان معه، لامتنع من الأكل. وتتجلّى الآصرة القويّة الوثيقة التي تربط أوّل هذه الأمّة بآخرها، وآخرها بأوّلها، في تضامن وتكافل، وتوادّ وتعاطف، وشعور بوشيجة القربى العميقة التي تتخطّى الزمان والمكان، والجنس والنسب، وتنفرد وحدها في القلوب، تحرّك المشاعر خلال القرون الطويلة، فيذكر المؤمن أخاه المؤمن بعد القرون المتطاولة، كما يذكر أخاه الحيّ، أو أشدّ، في إعزاز وكرامة وحبّ، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر:10)
إنّها صورة باهرة، تمثّل حقيقةً قائمةً، كما تمثّل أرفع وأكرم مثال للبشريّة يتصوّره قلب كريم، صورة تبدو كرامتها ووضاءتها على أتمّها، صورة تمثّل الأجيال من وراء الزمان والمكان، والجنس والوطن، والعشيرة والنسب، متضامنةً مترابطةً، متكافلةً متوادّة، متعارفةً، صاعدةً في طريقها إلى الله تعالى، بريئة الصدور من الغلّ، طاهرة القلوب من الحقد، في مقابل صورة أخرى من الحقد الذميم، والهدم اللئيم، التي تمثّلها وتبشّر بها بعض الفلسفات الوضعية كالشيوعية مثلاً، صورة الحقد الذي ينغل في الصدور، وينخر في الضمير، على الطبقات، وعلى أجيال البشريّة السابقة، صورة تمثّل البشريّة أعداء متناحرين، يلقى بعضهم بعضاً بالحقد والدخل، والغيظ والدغل، والخس والخداع والالتواء.
والله نسأل أن يوثق عرى أمتنا وأن يزيدها ترابطاً وتماسكاً.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل