العنوان إكرام أهل السابقة والفضل
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1993
مشاهدات 62
نشر في العدد 1039
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 23-فبراير-1993
رسائل الإخاء
إن الخالق الحكيم أنشأ الخلق مختلفي الصور
والجواهر، متفاوتي الأمزجة والبصائر ﴿وَرَفَعَ
بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ (الأنعام: 165)، وفضلهم على كثير ممن
خلق تفضيلًا بالنبوة والعلم، أو المعجزة والكرامة، أو في الأجر والثواب، أو في
البر والصدقة والإحسان، أو المزية بالعلم، أو الاصطفاء بالفقه، أو الإكرام بالدعوة
والجهاد، أو القدرة على التصنيف والتأليف للكتب، أو الرجال، أو في المال والنعمة،
أو الكسب والتجارة، أو في الملك، ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي
مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ﴾ (البقرة: 247)، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي
الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ
وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
(آل عمران: 26).
والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء من عباده، والله
واسع عليم.. ولذا حرص الصالحون على سؤال الله من فضله لبلوغ أعلى الدرجات ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا
يَعْمَلُونَ﴾ (آل عمران: 163)، وأعلى الدرجات هي النبوة، ثم الصديقية، ثم
الشهادة، ثم الصلاح والتقوى.
وقد رتب الله- عز وجل- منازل المؤمنين في كتابه
بآيات كثيرة منها ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ
أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ
الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ
الْحُسْنَىٰ﴾ (الحديد: 10)، وقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ
وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9)، وهذا الترتيب والتفضيل من شعائر الإسلام
﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج:
32)، فالواجب على المسلم إكرام أهل بيت النبي- صلى الله عليه وسلم- وأمهات
المؤمنين، وصحابته الأبرار، وتوقير العلماء والأكابر وأهل الفضل من المؤمنين،
وتقديمهم على غيرهم، ورفع مجالسهم، وإظهار مرتبتهم كما كان النبي- صلى الله عليه
وسلم- يأمر بذلك في كل شأن من الشؤون، سواء في الصلاة والمساجد، أو مجالس العلم أو
في الحياة العامة، حيث رتب الناس على منازلهم في الإمامة بأن يؤم القوم أقرؤهم
لكتاب الله، أو أعلمهم بالسنة، أو أقدمهم هجرة وسابقة، أو أكبرهم سنًا، وقال:
«ليليني منكم أولو الأحلام والنُهي ثم الذين يلونهم»، وأمر بأن يبدأ في الكلام
الأكبر، وحتى في المقابر كان يقدم في اللحد أكثرهم أخذًا للقرآن، وبين أن من إجلال
الله- تعالى- إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه،
وإكرام ذي السلطان المقسط.
وهكذا أمر بإنزال الناس منازلهم، فكان القراء
أصحاب مجلس عمر ومشاورته كهولًا كانوا أو شبابًا.
وكان- صلوات الله وسلامه عليه- يحرص على إكرام
ذوي الهيئات وإقالتهم في العثرات، وتألف قلوبهم للإسلام، ومعرفة الفضل لأهله؛ لأنه
لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل، كان لأبي بكر- رضي الله عنه- مجلس من
النبي- صلى الله عليه وسلم- لا يقوم عنه إلا للعباس، فكان ذلك يسر رسول الله- صلى
الله عليه وسلم- وأغلظ العباس لعمر القول إذ كان ساعيًا على الصدقة، فأكرمه بالقول
ولم يرد عليه بمثل ما قال، فأثنى عليه النبي- صلى الله عليه وسلم- وكان الصديق
يتنحى لعلي عن مجلسه إكرامًا لأبي الحسن، وأنكر عمر على رجل نال من علي. وقول سعد
لو وضع المنشار في مفرقي ما سببته أبدًا، وكان الصحابة يكرمون الحسن والحسين
كتقبيل أبي هريرة لبطن الحسن، وقوله له: يا سيدي، وإكرام ابن عباس لزيد بن ثابت،
وقوله وهو يأخذ بركابه: «هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا»، ولم يحل اختلاف
الرأي والعمل بينهم عن هذه الخصلة الكريمة، فعلي- رضي الله عنه- في الجمل يقول:
إخواننا بغوا علينا؛ فقاتلناهم، وقد فاؤوا، وقد قبلنا منهم، ولما سئل عنهم أمشركون
هم؟ قال: من الشرك فروا، قيل أمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا
قليلًا، قيل: فما هم؟ قال: إخواننا بغوا علينا!!
وكان عمار ينكر على من نال من عائشة، ويقول له:
اسكت مقبوحًا منبوحًا، فأشهد أنها زوجة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الجنة.
وغضب عمر على رجل نال من أبي الدرداء، وعلى من
فضله على أبي بكر، وقال: والله لقد كان أبو بكر أطيب من ريح المسك، وأنا أضل من
بعير أهلي!! وأنكر عليٌّ على من فضله على أبي بكر، وغضب أبو بكر لغضب المغيرة بن
شعبة، وضرب عمر رجلين لأجل ابن مسعود، ومرة لأجل أم سلمة.
اقرأ أيضا:
لا يلام المرء على تخصيصه أهل الفضل بالإحسان
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل