العنوان لماذا يهرب أبناؤنا من التجنيد؟
الكاتب طارق الحمود
تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1993
مشاهدات 72
نشر في العدد 1037
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 09-فبراير-1993
مفارقة مؤلمة بعد الأزمة
في واحدة من
أحلك وأقسى كوارث وأزمات هذا العصر، مادت الأرض من تحت أقدام أهل هذا البلد
وساكنيه، وتجمع أكبر تجمع عسكري بشري ومادي يتم حشده بعد الحرب العالمية الثانية،
وارتج العالم بأجمعه، وترتب على ذلك تغير سياسات واستراتيجيات كثيرة، إلا أن
المفارقة المؤلمة والمضحكة في نفس الوقت أن البلد نفسها التي تعرضت للغزو والدمار
والخراب والحرب، لم تتغير سياستها واستراتيجيتها بما يدفع عنها الضرر في المستقبل.
ولسنا نريد
التوسع في الحديث عن السياسة الخارجية والدبلوماسية، أو عن السياسة الداخلية
والتركيبة السكانية، وإنما سوف نقصر الحديث هنا عن جزء هام من أجزاء السياسة
العسكرية الدفاعية التي يفترض بها أن تشكل الدرع الواقي لصون وحماية هذا الوطن،
وهذا الجزء الجوهري هو نظام التجنيد بالكويت!
البداية المرتبكة والنمو الضعيف
لا شك بأن مجرد
وضع نظام للتجنيد الإلزامي، يعد بحد ذاته خطوة إلى الأمام، في استكمال شكل الدولة
الحديثة، وهذه الخطوة وإن كانت قد جاءت متأخرة، إلا أنها قد فتحت الباب لبداية
صحيحة لإعداد درع بشري وطني مساند للجيش النظامي القليل العدد والضعيف الاستعداد.
إلا أن تلك
البداية التي تعود إلى ما يقرب من خمس عشرة سنة خلت رافقها الكثير من ظواهر
الارتباك والفوضى التي عادة ما تلازم البدايات العجلى المفتقدة للدراسات والتخطيط
الواعي المسبق.
ولأن التجربة
حديثة وجديدة على المجتمع الكويتي، فقد استلزم الأمر عندها أن تكثف البرامج العامة
الإعلامية لشرح أهداف ومبررات وبرامج التجنيد، وحتى يكون هناك تهيئة وقبول لدى
الشباب المزمع تجنيده، وهو ما لم يحصل، مما ساهم في إيجاد النفور لديهم من الإقبال
على التجنيد.
لم يقتصر الأمر
على بداية مرتبكة غير مدروسة، وإنما ارتبط فيما بعد، بنمو ضعيف جدًا لهذه التجربة،
فلا تكاد تحس آثارًا إيجابية لها على مستوى المجتمع، بل تجد أن السلبيات بدأت
تطفح، وأخذ الكل ينهال بالانتقاد لنظام التجنيد المطبق.
المستوى الحالي الهزيل وأسباب نفور الشباب
واستمر الحال
كما هو، لم يتبدل شيء للأفضل في هذا النظام، ولم تفلح حتى كارثة الاحتلال في تغيير
وتطوير نمط وأسلوب ومحتوى البرامج والتدريب في التجنيد، وكأن الأمر لا يستحق
تطويرًا وتجديدًا وتنمية، وارتفاع في الأداء والكفاءة.
ويبقى السؤال:
لماذا يهرب أبناؤنا من التجنيد؟!
ربما يكون في
المقدمات ما يمثل إجابة على هذا التساؤل، إلا أن الموضوعية تفرض علينا أن نحدد
الأسباب بشكل أكثر وضوحًا، وما نعتقد أنه أهم تلك المسببات هو:
1. افتقاد التخطيط والتقييم المستمر
فقد ولد مولود
التجنيد معوقًا كما أسلفنا، ومن الطبيعي أن تستمر هذه الإعاقة إذا لم يخضع المعاق
للعلاج والتطبيب، وكذلك الحال بالنسبة لنظام التجنيد، فعلى كثرة الانتقادات
والأخطاء المرافقة له، لم نسمع إطلاقًا أن هناك محاولة أو دراسة أجريت لتقييم هذه
التجربة التي زادت عن الخمس عشرة سنة، أو أن تطويرًا لهذا النظام قد طبق، وما لم
يحصل هذا التقييم المستمر والتطوير الدائب، فإن آلة التجنيد التي علاها الصدأ لن
تستطيع أن تؤدي المطلوب منها.
2. ضعف المحتوى النظري والتدريبي
فجميع الذي
دخلوا التجنيد، ليست لديهم قناعة بأنهم قد اكتسبوا معارف نظرية كبيرة عن الشؤون
العسكرية، ناهيك عن كونهم لا يعتبرون أنفسهم قد تمرسوا عمليًا في أية مواجهة
قتالية فعلية، تسنح باعتبارهم عسكريين، مهيئين لخوض قتال حقيقي في أي لحظة يفرض
عليهم الواجب الشرعي والوطني ذلك.
ولا يزيد الأمر
عن مجموعة محاضرات وتدريب على حمل واستعمال السلاح الخفيف، ثم مقدار هائل من الوقت
يضيع على الضبط والربط للحركات العسكرية، وكأننا نريد جيشًا غاية ما نطلبه منه أن
تكون مشية أفراده منضبطة عند حفل التخرج أو عند أية مناسبة يكون فيها استعراض
عسكري.
3. عدم ربط نظام التجنيد بالقيم الإسلامية
ونعتقد أنه جانب
مهم تم إغفاله، فكثير من التعب والمجهود يمكن للمجند أن يتحمله، إذا تم ربط هذه
التدريبات بالمعاني الإيمانية الإسلامية، والتي يرتبط فيها معنى البذل والعطاء
بالأجر العظيم من الله سبحانه، مصداقًا لقاعدة «الأجر على قدر المشقة».
ويفترض أن يكون
هناك تهيئة إيمانية وعقائدية للمجند، بحيث يرتبط مفهوم التجنيد لديه بمفهوم
الجهاد، دفاعًا عن العرض والمال والدم وبلاد المسلمين، ومتى ما كان الهدف والغاية
بهذا السمو والرفعة، فإن المجند سوف يستسهل الصعب والعسير في سبيله.
4. ارتباط التجنيد بالإهانة والتحقير
وهذه ناحية
مقززة أخرى ذلك أن غالبية الذين يقومون بالتدريب للمجندين هم من مستويات متدنية
ثقافيًا، وقد تعود أكثرهم على استخدام الكلمات السوقية وأسلوب الشتم في حال خطأ
المجند أثناء التدريب، ولا يخفى ما لهذا الأسلوب المبتذل من تأثير سيئ على نفسية
المتدرب المتطوع.
وإذا كان هذا
النظام، وهو استخدام أسلوب الشتم والتحقير مع الجند، ينسجم في رأي بعض القائمين
على التجنيد مع التربية العسكرية القاسية، فإننا نعتقد أن ذلك يعتبر نقلًا أعمى
لنظم غربية بحتة وغريبة عن مجتمعنا، تعتقد بوجوب ألا يشعر الجندي بذاته، وإنما
يعتبر نفسه مجرد آلة أو أداة بين يدي الجيش.
في حين أن
السلوك المجتمعي بالكويت، بالإضافة إلى السلوك الإسلامي أصلًا، يملي على أي مسؤول
كان، أن يعامل مرؤوسيه باحترام وتوقير يرفع من قدرهم ولا يحط منه، يشعرهم بالكرامة
والحب والاعتزاز بالذات لا أن ينبت بينه وبينهم البغضاء والكراهية، ولنا في أحوال
تعامل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام مع جنودهم خير مثال ودليل.
5. عدم إشعار المواطن بجدية وجدوى التجنيد
فالمواطن كان
مهيأ، وخاصة بعد الغزو الغاشم، للإقبال على الممارسة والتدريب العسكري، إلا أن عقم
نظام التجنيد، وبقاءه على أسلوبه الميت القديم، قتل أي طموح أو إقبال في نفوس
الشباب، وإذا لم تكن هناك قناعة لدى الدولة في تحفيز أو ترغيب المجند بالتجنيد،
فإنه لا يمكن أن نطلب من الشباب أن يكون بحالة مثالية، يندفعون فيها ذاتيًا، حتى
وإن صدتهم دونها العراقيل والمعوقات.
إن روحًا طافحة
بمحبة هذا الوطن، قد سطرت دماءها على أرضه الطاهرة إبان الاحتلال، لا تزال جذوتها
متقدة في نفوس الشباب، الذي كان مادة مقاومة المحتل الغاشم، ولا ينقص هذه الروح
سوى صدق التوجه، وحسن التخطيط من الدولة وجدية التطوير لنظام التجنيد.