العنوان من أجل إعادة ترتيب البيت العربي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1989
مشاهدات 58
نشر في العدد 904
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 14-فبراير-1989
تمتاز المرحلة الحاضرة على جميع الأصعدة السياسية بالتحرك المتتابع من أجل صياغة أسس التقعيد السياسي الجديد للمرحلة العربية القادمة، وتبدلت تبعًا لذلك الأدبيات الناطقة باسم الأنظمة والهيئات والمنظمات الدولية والإقليمية وبدأت تطرق الأسماع مفردات إعادة البناء، وتصفية وتنقية الأجواء وحديث التكامل الاقتصادي والسياسي. وفي إطار المنطقة العربية الإسلامية يبدو أن مسألة تنقية الأجواء ينظر إليها كإحدى ركائز إعادة ترتيب البيت العربي الكبير، لا سيما وأن الموروث القائم تضخمت إفرازاته السياسية و«تورمت» مما باعد بين بعض دول وأنظمة المنطقة، فالقضايا التي شغلت عالمنا العربي ولّدتها حدة الخصومات السائدة بقدر ما ساعدت في تفاقمها درجة التناقضات التي خلقتها ارتباطات الأنظمة العسكرية على وجه الخصوص، بدءًا من القضية المركزية الأولى في فلسطين ومرورًا بالحرب الأهلية المدمرة والبائسة في لبنان، وانتهاء بالقضية الخلافية في الصحراء المغربية. هذا إذا أمسكنا عن إشكاليات «التلاسن» المتقطع بين كثير من الأنظمة الحاكمة ذات العلائق الاشتراكية.
إن تصفية الأجواء العربية مطلوب بالطبع وليس تماشيًا فقط مع التطورات و«المودة» الدولية- وهنا نشير إلى أن أوروبا الغربية سوف تصبح في عام ١٩٩٢ تكتلًا سياسيًّا واقتصاديًّا واستراتيجيًّا موحدًا- وبما أن إعادة ترتيب البيت العربي فوق أنها مطلب جماهيري فقد فشلت الأنظمة الثورية والعسكرية من تحقيقه كهدف مبدئي، وهو كذلك قناعة العقلاء والمستنيرين من الحكام والسياسيين، خاصة وأن فترات الشتات فتحت ثغرات الاستقطاب الدولي والارتباط بالأطماع الإقليمية والدولية مما زاد من حدة التناقض القائم من جانب، وجعل الطريق سالكًا لهدم تحصينات الأمن الوطني الاستراتيجي من جانب آخر وحينما تتحرك الأنظمة العربية المعتدلة- والشهادة لله أنها كانت وما زالت تلح على ضرورة صفاء الأجواء العربية- لتنقية تراكمات السنين الماضية فإنها سوف تصطدم ابتداء بسياسة ومبادئ اللامعقول التي تعتمدها بعض تلك الأنظمة، كما أنها تصطدم بمطالب وشروط تجعل دعاة المصالحة العربية كأنهم موضع اتهام بدلًا من تقويم الحركة التصالحية في إطار المصلحة العربية العليا- إن كانت الأنظمة العسكرية ما زالت تحفظ ذاكرتها تلك المفردات- وليس هذا فحسب، وإنما يأتي استهواء بعض تلك الأنظمة لحالات الشقاق والخلاف وتكييف ذلك على أنه تفرد ومسلك ريادي يحيل خطوات التنقية إلى مجرد نوايا حسنة، وما بهذا تصاغ وتساس الأوضاع العربية.
فالواقع العربي يمكن أن يجسد في صورة مصغرة كما هو في لبنان، فالأطماع التي استهوت بعض الأنظمة العربية حولت الحرب من دائرة أهلية إلى دوائر إقليمية ودولية فيما بعد، وأتاحت للأجانب والغرب والكيان الصهيوني بأن يمارس أحابيل الشقاق والتفرقة مما جعل المنطقة تكتوي باستعار النار بصفة عامة... وفوق ذلك فقد بقيت النعرات الطائفية التي كادت أن تعصف بالجبهة الداخلية في كثير من البلدان العربية.
التضامن مع من؟
إن التاريخ المعاصر والحديث جاد علينا بكثير من العبر وأكسبنا من التجارب بقدر ما عانت بعض شعوبنا من أنظمتها العسكرية، ومن عبدة الشعارات المستوردة وسماسرة النماذج الجاهزة «المعلبة» وما عادت جماهيرنا تعول على قعقعة الشعارات والتنادي بالاشتراكية والوحدة والديمقراطية والحرية، فقد أضحت على يد الأنظمة العسكرية ألفاظًا لا تحمل إلا نقائضها، كما أن الجماهير العربية كفرت بالثورات العسكرية وما أورثت المنطقة من دمار اقتصادي وتهدم سياسي وانتشار لأسباب الفساد والانهيار الاجتماعي، وبقي على الذين يتطلعون إلى صياغة الواقع العربي على أسس توحيدية أن يستبطنوا تلك الحقائق الموضوعية. فالأنظمة التي رهنت وجودها للأجنبي وأعطت ظهرها لأمتها وشعبها لا تستحق أن نمد لها يدًا لنعيدها إلى الصف والتصافي، إذ لا بد أن يعطى هذا الصفاء لمن يقدر قيمته ويحس بالانتماء المبدئي الحق لهذه الأمة.
أما الذين أسرتهم شعارات الأجنبي ومخططاته والذين يقسمون الأمة طوائف وشيعًا ويستمدون وحيهم من وراء البحر والنهر فإن التصافي معهم لن يتم، وإذا تم فسرعان ما يتنصلون عنه.. وأكثر ما يمكن أن يجذب تلك الأنظمة لتقبل التصافي إنما يأتي من باب المصلحة العاجلة للأنظمة وأشخاص حكامها، فهم مغرمون بالأخذ، والأخذ فقط، إضافة لغرامهم بالتجني على شعوبهم، هكذا علمنا التاريخ.
إن الدعوة إلى تجاوز مرحلة الشتات وتنقية الأجواء السياسية العربية ليست وليدة لحظتها وإنما هي مبدأ أصيل في عقيدة وثقافة هذه الأمة، فالله سبحانه وتعالى نبهنا في القرآن الكريم إلى ضرورة الاعتصام والتوحد وعدم التنازع ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46) فالتنازع مدعاة لغياب الأثر والمحو من التاريخ، فالمسألة في تصورنا ليست مجرد تصفية على حساب وحدة المبادئ وصلة الشعوب والمصير الواحد، وهنا تتموضع حركة المعتدلين من الأنظمة العربية خطوة أولية وتتبعها خطوات. كما أن التوجه على هذا النحو يجيّر التصالح لمصلحة الشعوب العربية ويدعم الموقف الأمني والقومي للأمة...
وأما مرتكز التصافي العربي فلا بد أن يأخذ النهج الإسلامي في تأسيس معاييره وأهدافه، فكل توحد أو سعي للتوحد لا يرتبط بالله عز وجل يكون واهن الصلة ضعيف التوثيق، فالقرآن الكريم يحضنا على هذه الحقيقة العليا ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ﴾ (الأنفال: 63) فالعقيدة إذن هي أساس الوحدة والتصافي وكل خطوة جماعية. أما غير ذلك من تضييع للجهود والأموال فلن يكون له مردود ولعل تجاربنا الماضية أكبر شاهد على أن الخطوات الوحدوية التي لم تعتصم بعقيدة الأمة كانت شعارات وألفاظًا فارغة لم تجن منها الأمة إلا مزيدًا من الشتات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل