; «بطل من الصفر».. نموذج لفضائح رجال الأعمال العرب في الخارج | مجلة المجتمع

العنوان «بطل من الصفر».. نموذج لفضائح رجال الأعمال العرب في الخارج

الكاتب عبدالرحمن التميمي

تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1989

مشاهدات 59

نشر في العدد 902

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 31-يناير-1989

- الإخوة فايد: نحن فراعنة لا عرب.

- فايد يسرق:٥٠٠  ألف مليون في شهر.

تنظر لجنة الاحتكارات والدمج في بريطانيا هذه الأيام قضية شراء «هارودز» أشهر محلات بريطانيا وأرقاها مع مجموعة شركات «بيت فريزر» HOUSE OF FRASER بما يتجاوز الألف مليون جنيه إسترليني، متحدية قرار وزير التجارة البريطاني الذي رأى عدم إثارة القضية. القضية الساخنة وراءها قصة وكتاب ملأ بريطانيا ضجيجًا وصخبًا، وربما يتحول إلى حملة ضارية ضد العرب واستثماراتهم في أوروبا، فما قصة البيع والشراء؟

الصفقة تمت منذ 4 سنوات، وتم إغلاق ملفها آنذاك، فلماذا يفتح الآن، ويعاد النظر في القرار؟ 

البائع هو «هيو فريزر»، الذي ورث عن أبيه ملكية غالبية أسهم مجموعة بيت فريزر، وبدد ثروته في القمار الذي أدمن عليه.

 المشتري هو «محمد عبد المنعم علي فايد» رجل أعمال عربي مصري الأصل، يعيش في لندن منذ أواخر الستينيات، وكان للصفقة بالمرصاد.

 الخصم هو «تايني رولاند» - مدير مجموعة لوتروه - فشل في شراء الشركة، التي تملكه هاجس شرائه، فقرر البحث عن شيء ينتقم منه في حياة محمد الفايد، الذي كان بدوره فريسة سهلة.

 الكتاب هو «بطل من الصفر» A HERO FROM ZERO استغرق إعداده ٣ سنوات من البحث الموثق بالأدلة والمستندات حول حياة ونشأة وادعاءات محمد الفايد، الكتاب يوزعه رولاند مجانًا إمعانا في حربه ضد الفايد، فما القضية بالتفصيل؟

سوابق لرجال الأعمال العرب

 هل تذكرون «رفعت السيد» وشركة فيرومينتا في السويد؟ 

لم يكن رفعت السيد بمثل جرأة محمد الفايد، ولا في مثل تاريخه الحافل بالدجل والاحتيال، وكلاهما نموذج لرجل الأعمال العربي، الذي يبحث عن المال في الغرب، ويسلك إليه كل السبل ولو كانت غير مشروعة، وحتى لو كانت تعبر عن واقع حياة الغرب، فإنها حتما لا تعكس الصورة التي يجب أن يكون عليها العربي في الغرب، وفي صورة الداعية إلى الإسلام والهادي إلى الحق قبل كل شيء.

رفعت السيد عربي مهاجر من أصل مصري حوّل شركة فيرمننا السويدية من شركة صغيرة خاسرة تباع بثمن بخس إلى شركة عالمية ضخمة، مالكة لشركات أخرى، يتنافس الناس على شراء أسهمها.

غلطته الكبرى أنه ادعى أنه صاحب دكتوراه في الكيمياء في حين أنه مهندس زراعي، وبرغم كفاءته في إدارة شركة الأدوية والعقاقير هذه إلا أنه أقصى عن إدارة الشركة، وتم إجباره عن التخلي عن كمية ضخمة من الأسهم التي تملكها، لكن رفعت السيد بتاريخه وادعاءاته يعتبر ظاهرًا إذا قورن بالفايد.

محمد الفايد بين الحقيقة والخيال:

قضية الفايد ليس في أنه كذب مرة واحدة في مؤهلاته، بل أنه احترف هذه المسألة منذ زمن بعيد، فما هي ادعاءاته:

1 - الخيال:

-تاريخ الميلاد: مرة ٢٧/١/١٩٢٩، القاهرة - الجنسية: مصري، ثم مرة أخرى في 27/١/1933 الفايدية «مكان مزعوم في دبي». - الجنسية: إماراتي!!.

-النشأة: يدعي السيد فايد أنه سليل أسرة مصرية ثرية كانت تملك أراضي شاسعة، تزرع فيها القطن وتصدره إلى الخارج على متن سفنها، التي تتجاوز الأربعين، وأنه ورث هو وإخوانه صلاح وعلي هذه الأملاك عن والدهم الباشا من القرن ۱۹م. ويقول الأخوة فايد: إنهم عاشوا في رفاهية حين كان أهل الجزيرة العربية لازالوا يعيشون في الصحراء، وأنهم من الفراعنة، وبالتالي هم أفضل من العرب.

-الأصل: وثري كبير جدا.

- المؤهلات: دبلومة عالية في التجارة والاقتصاد.

٢ - الحقيقة:

-النشأة: نشأ في حي الجمرك بالإسكندرية، من أفقر الأحياء، كان والده مدرسًا في وزارة التعليم المصري،ة وتوفي وهو يعمل مفتشا بالوزارة، كان يعيش في منزل بالإيجار، لا يملك أراضي زراعية ولا أسطولا بحريا!.

المؤهلات: مشكوك في تحصيله للثانوية العامة.

 إذن كيف وصل محمد عبد المنعم فايد إلى ما وصل إليه من ثروة وغنى ساعدته في طمس أصوله، التي خجل من ذكرها، فادعى لنفسه غيرها؟.

فايد وخاشقجي: الصديقان

نقطة التحول في حياة فايد حدثت في عام ١٩٥٣م حين التقي بعدنان خاشقجي في مصر؛ حيث عمل في شركة النصر التي يملكها والده الطبيب المقيم في السعودية، وفي عام ١٩٥٤ تزوج محمد فايد بسميرة شقيقة عدنان زواج مصلحة. في عام ١٩٥٧ تحايل فايد على خاشقجي بتوسطه في صفقات سيارات إسعاف فاسدة لوزارة الصحة السعودية؛ حيث ورد فايد بالاتفاق مع الإنجليز في مصر سيارات مستعملة بدلًا من الجديد،ة كما هو في العقد رفضت الحكومة السعودية استلام السيارات، ثم فصل فايد من شركة النصر في عام ١٩٥٧، وفي عام ١٩٥٨ طلق محمد فايد سميرة خاشقجي.

أخذ محمد فايد أمواله التي سرقها من شركة نصركو؛ حيث مارس هوايته في الاحتيال على يهودي مصري كان له وكالة ملاحية صغيرة لم تكن تملك أية بواخر، وأقنعه بتملك الشركة؛ حيث إن عبد الناصر كان يصادر الأملاك اليهودية، فكتب له اليهودي الملكية بنصف الثمن على أن يقبض الباقي خلال ۱۸ شهرًا، لكن فايد لم يدفع له شيئًا، وخرج اليهودي من مصر.

 في عام ١٩٦١ أمم عبد الناصر كل الشركات المملوكة لأفراد، ووجد فايد نفسه يعمل في الشركة التي كانت كلها ملكًا له براتب قدره مائة جنيه شهريًّا، لم يرق له الحال فخرج في عام ١٩٦٤ إلى خارج مصر.

الشيخ فايد في هاييتي

 في عام ١٩٦٤ وصل محمد الفايد إلى هاييتي؛ حيث ادعى للسلطات المحلية هناك أنه استغل نسبه -المزعوم في شراء أرصفة التحميل في ميناء هاييتي، ثم في تملك مصفاة نفطية صغيرة سدد ثمنها من بيعه لأسهم أرصفة الميناء، والتي لم يكن قد دفع ثمنها بالكامل.

ثم ذهب إلى الإمارات في دبي؛ حيث عمل سمسارًا للصفقات مدعيًا أنه مقرب من الشيخ راشد، ومستغلًا تلك الصلة المزعومة في الحصول على نسبة من الأرباح من بعض الشركات البريطانية.

فايد في لندن:

ثم ذهب إلى لندن؛ حيث استقر هناك، واستطاع بما جبل عليه من حيلة ودهاء أن يخفي آثاره، وليس من المستبعد من خلال صلاته وحاجته للمال في مصر أن يكون قد عمل للاستخبارات البريطانية تحت غطاء كثيف في فترة من الفترات خاصة بعد ١٩٥٢ وما بعدها، وأن الاستخبارات البريطانية ساعدته في تغطية بعض آثاره

وظل فايد يمارس التجارة في بريطانيا محتالًا لها بكل سبيل، لكنه حتى عام ١٩٨٤ لم تكن ثروته تتجاوز ۳۱ مليون جنيه استرليني، فكيف اشترى مجموعة بيت فريزر بأكثر من بليون ونصف جنيه إسترليني؟. تلك قصة أخرى!

فايد وسلطان بروناي

ليس من المعروف متى تعرّف محمد عبد المنعم فايد إلى سلطان بروناي بالضبط، لكن كان قد دفع نصف مليون دولار لطبيب هندي في بريطانيا عام ۱۹۸۳م؛ ليقدمه إلى سلطان تلك المملكة النفطية الصغيرة قرب الأرخبيل الإندونيسي والغنية بالنفط، وخلال سنة من تعرفه على السلطان كان فايد بما جبل عليه من طباع خادعة قادرًا على أن يكسب ثقة السلطان؛ لكي يمنحه توكيلا عامًّا في 24/٨/1984م، وعلى دفعات، وخلال شهر من استلامه التوكيل، وفي 26/٩/1984م كان فايد قد حول حوالي ٥٠٠ ألف مليون جنيه إسترليني من أموال السلطان إلى حسابه الخاص، دون علم السلطان بالطبع

ومن هنا جاءت أموال فايد التي اشترى بها «هارودز»؛ إذ سرعان ما حصل على دعم بنوك أخرى لإتمام الصفقة، وكان من الممكن ألا يعلم أحد بخلفيات القصة لولا إصرار «تايني رولاند» على البحث عن الماضي المزعوم لخصمه فاید.

انخداع عالمي بفايد

كان العالم كله مخدوعًا بالمالك الجديد لهارودز، صحف كبرى مثل الغارديان والديلي ميل ووول ستريت جورنال ونيويورك تايمز وفايننشال تايمز وصندي تلغراف وصندي تايمز، بريطانية وأمريكية تتحدث عن الرجل، وتسبغ عليه هالة مجد وعز لم يكن يحلم بها يومًا حين كان يسكن في شارع سيدي محمد وكيع في حي الجمرك في رأس التين بالإسكندرية، وحتى وصل لندن واشترى هارودز.

البقاء لله، ودرس مفيد لكل من يتكالب على الدنيا، خسارة وفضيحة، ليتك لم تكن عربيًّا، وليتك لم تكن مصريًّا، وليتك كنت فرعونيًّا كما ادعيت لنفسك يا مستر فايد.

المجتمع - لندن - يناير ۱۹۸۹

 

الرابط المختصر :