العنوان نبينا الحبيب وهجمة العولمة: لا يكفي الغضب الانفعالي
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 18-فبراير-2006
مشاهدات 51
نشر في العدد 1689
نشر في الصفحة 39
السبت 18-فبراير-2006
الرسوم الكاريكاتورية الأوروبية التي مست شخص الرسول الحبيب ليست عملًا معزولًا، ولن تكون الأخيرة إذا لم يحدث ما يردعها. فضلًا عن أن بدايتها لم تكن قريبة زمنيًا، فقد بدأت منذ عدة أشهر في أوروبا، وسبقتها تعديات في أمريكا على المقدس الديني للمسلمين تمثلت بإهانات وجهت للكتاب الخاتم مباشرة - القرآن الكريم - ووجهت كذلك إهانات وقحة للرسول ﷺ من قبل رموز أمريكية مهمة في الوسط الديني بل ومن شخصيات رسمية في دائرة القرار السياسي.
أكثر من ذلك جرى الحديث عن أن بعض الأوساط الأمريكية تعكف على إعداد قرآن جديد بمسمى «الفرقان الجديد» تجري صياغته برؤية أمريكية.
المدهش أن الأمة أفاقت متأخرة والأعجب أنها غضبت للإهانة الأوروبية؛ بينما ابتلعت الإهانة الأمريكية، ولعل مرد هذه الغضبة المضرية الانتقائية يعود إلى أن ذنب الإمبراطورية المنفلتة، مغفور، ذلك لأن عصا الإمبراطور غليظة، ومع ذلك فإن فضيلة الإفاقة المتأخرة للنخوة أفضل، على كل حال من سبات الكرامة.
ولكن لماذا هذا الهجوم على المقدس الديني للأمة ؟
ثقافة التنميط
بعد الحادي عشر من سبتمبر تكرست استراتيجية غربية - أمريكية في جوهرها - وهي من سياقات العولمة؛ مفادها أن ثقافة التنميط التي تفرضها العولمة لم تنجح في المشرق بسبب حصانة المقدس الديني؛ لذا لابد من تعميم ثقافة الخوف وسيادة الرعب في ظل الحملة التي تسمى «محاربة الإرهاب» لتشكيل معتقدات جديدة ومنظورية مصالح حديثة متوافقه معها؛ بحجة أنها سباحة شرعية في الفضاء المعرفي لـ «اللبرلة» المفرطة التي يقتضيها عصر ما بعد الحداثة الذي لا يحترم الثوابت بما فيها المقدس الديني معنى ذلك أنه على من يخضع للإرهاب الغربي المقنن بصوره المختلفة أن يخضع لسياقات العولمة الجديدة؛ وليس له أن يغضب إذا تعرض شخص نبيه للإهانة؛ لأن ذلك حق تكفله الحرية المنفلتة التي تسوقها عولمة الغرب العلماني سياسيًا - الصليبي ثقافيًا.
الإمبريالية والعولمة
يصف د. تيزيني العولمة بأنها « الإمبريالية في مرحلة سقوط التعددية القطبية القائمة على التناقض والتضاد في الأنماط الاقتصادية والاجتماعية أولًا، وهي ثانيًا الإمبريالية في عصر المعلوماتية والتقنية وما بعد المعلوماتية، أي في عصر نواجه فيه تحولات جديدة في أشكال الاستغلال والاغتراب الرأسماليين، من ذلك الموقع يبرز «السوق الكوني» بوصفه التجسيد العميق والشامل عالميًا لــ «العولمة».
إن السوق الكوني يراد لها أن تبتلع كل الانتماءات والهويات والقيم، أو يراد لهذه الانتماءات والهويات والقيم أن تمر عبرها، وهنا سنواجه آلية واحدة وحيدة تحدد نمط ما يجب أن يكون وما لا يكون.
إذن الرداء الإمبريالي للعولمة واضح وفقما أسلف؛ وبالتالي هدفها مدرك وليس غامضًا. فهي هي بمفرداتها وآلياتها «الحرب على الإرهاب» أو الضربة الاستباقية؛ أو الفوضى البناءة وأداتها الدمقرطة المبطنة، كلها تسبح في الفضاء «المعولم».
هذا الخطر العارم الذي يتهدد الهوية الثقافية للأمة بما فيها أقدس مقدساتها، ومن ضمنها الحملة الأوروبية الجديدة التي تستهدف شخص رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، لا يكافئها حملة غضب انفعالية؛ وإن كانت من متطلبات التعبير الوجداني عن محبته -صلى الله عليه وسلم- باعتباره الشخص الذي ينبغي أن يحب بعد الله عز وجل، وهو أحق من يغار عليه في هذه الدنيا، إنما المطلوب أن تنهض الأمة وفق خطة مدروسة للدفاع عن كرامة نبيها، من خلال فرض أصول مفردات المقدس الديني كأحد سياقات الأجندة السياسية العربية والإسلامية. وعليه فيجب على الدول العربية والإسلامية أن تنسق حملة سياسية - دبلوماسية - إعلامية كهجوم معاكس لهذه الحملة التي تتدثر بالحرية، بهدف المطالبة بضرورة الاعتذار الأوروبي عن هذه الخطيئة العظيمة، وإجبار الاتحاد الأوروبي ودوله على أن تسن قوانينًا لتجريم من يمس بمقدسات الغير لمنع تكرار مثل هذه الخطايا الكبيرة، وكذلك ينبغي أن تتحرك منظمة المؤتمر الإسلامية وجامعة الدول العربية بكل قوة لدعم هذه الخطة؛ وليس كتنفيس لثورة الجماهير المسلمة.
حجة الحرية
ولا يمكن القبول من المستوى الرسمي الأوروبي بالحجج التي تساق بأن قوانين الدول الأوروبية لا تخولها التدخل في شؤون صحفها بحجة الحرية، لأن ذلك نفاق بيّن إذ إن هنالك عشرات الأمثلة التي تدخلت فيها دول الغرب في الحد من حرية صحفها، ولعل من آخر أمثلتها منع الحكومة البريطانية صحيفة بريطانية من نشر الوثيقة التي تتضمن حديثًا بين بوش وبلير حول قصف مقر الجزيرة في الدوحة بحجة أنها تضر بالمصالح القومية لبريطانيا.
وعلى مؤسسات المجتمع المدني أن تشارك في صياغة حركة الجماهير في تحرك برامجي منظم ممتد زمنيًا حتى تتحقق أهداف الحملة، حتى لا تنطفئ شحنة الغضب الجماهيري الانفعالية، ولا يحتقرن أحد جهده، فكل قدر طاقته.. إنه محمد الحبيب «الشفيع» الذي أول ما تنشق عنه الأرض يوم القيامة ينادي: أمتي يارب.
فهل نستحق شرف الانتماء إليه؟ إذا كنا كذلك فلندافع عن كرامته.