العنوان المجتمع الثقافي (1678)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 26-نوفمبر-2005
مشاهدات 65
نشر في العدد 1678
نشر في الصفحة 46
السبت 26-نوفمبر-2005
■ قصة قصيرة :
■ ورد.. وشوك
صعقت رباب عندما واجهها زوجها بنيته الزواج للمرة الثانية لم تصدقه، بل ربما لم تشأ أن تصدق، قالت له: أنت لا شك تمزح تريد أن تثير غيرتي لا غير، وأضافت كمن تتمنى أن يوافقها بل ترجوه أن يفعل، حتى لو كان كاذبًا، فيقول إنه يمزح، لكنه أطرق قليلًا ثم قال بهدوء: لم أكن جادًا من قبل كما أنا الليلة.
استشاطت غضبًا، وطرحت نفس السؤال الذي كان هو يوجهه لنفسه، كان يعلم يقينًا أنها ستطرحه ويحاول تحضير إجابة ما تقنعها أو تقنعه، كان سؤالها المتوقع وماذا ينقصك لتتزوج من امرأة أخرى، حار في أمره، فسألت سؤالًا آخر بماذا قصرت معك؟ ازداد حيرة وسؤال ثالث كررته كثيرًا في مرارة وألم: لماذا ؟؟! أخذ يدها وقال محاولًا تهدئتها : يا عزيزتي... ثارت ثائرتها ونزعت يدها من يده وهي تقول في تهكم وأسى عزيزتك؟! قاطعها محاولًا الاحتفاظ بهدوئه وهو يقول: هل قلت إنك قصرت معي في شيء؟ لم أقل ذلك أبدًا، كما لم أقل بأنه ينقصني شيء ! صرخت قائلة: فلماذا إذن لماذا؟ أخذ يتلفت حوله كأنه لم يطرح هذا السؤال على نفسه عشرات المرات وكأنه لم يحضر إجابات منمقة فيها اعتراف بفضل زوجه ووقوفها معه دائمًا في السراء والضراء، وفيها شكر عميق على حسن اهتمامها بالأولاد وتربيتهم التربية المثلى...
سكت حيرة فهو يعلم أنه لن يقنعها بشيء.
مهما حدثها عن دوافعه ومقاصده، واستمدت هي من سكوته قوة، وعادت تطرح نفس الأسئلة لماذا؟ حاول جاهدًا استيعاب ثورتها، وأكد لها حرصه الشديد على استمرار العلاقة بينهما. وأنها ستحتفظ دائمًا بمكانتها في قلبه وحياته، وأخذ يشكر فضلها على ما قدمت في السنوات الطويلة التي قضياها معًا، لكن ثورتها كانت تتجدد مرة بعد مرة، وتسمع كأنها لا تستمع شيئًا مما يقول، وتعود لطرح أسئلتها ثانية وثالثة، أدرك أنه لن يستطيع إرضاءها أبدًا، إلا إذا تراجع عن نيته وهو لا ينوي التراجع مطلقًا مهما كانت النتيجة ولذلك قال في حزم: لقد فكرت طويلًا، وقد عزمت على ما أبلغتك به وهأنا أخبرك بنفسي، فلأن تعلمي مني خير منأن تعلمي من غيري، فانظري أمرك، وقام يغادر المكان حتى لا يسمع أسئلتها من جديد.
لكنها لحقت به وسالت سؤالًا آخر هذه المرة وقد أدركت أن الأمر جد لا هزل قالت: فمن هي تلك المرأة؟ سكت مليًا ثم قال: هذه ليست قضيتك، قالت: أهي أجمل مني؟ هل هي أصغر مني؟ هل هي.....؟
قاطعها قائلًا: وهذه ليست قضيتي، حدق في عينيها مكررًا : تعلمين جيدًا أن هذه ليست قضيتي، وغادر الغرفة ولم يلتفت.
أما هي فقد قضت ليلتها تبكي حتى الصباح وتجتر ذكرياتها ما حلا منها وما مر وأرقها بشكل خاص ما سيقوله الناس في شأنها سوف يتساءلون، سيلوكون قصتها بلا شك، وسيقولون الكثير، فماذا وراء الناس غير الكلام في الناس؟
تبث همومها لصديقتها
في صباح اليوم التالي، دعت صديقتها المقربة سحر لزيارتها في منزلها، وخفت الأخيرة إليها وقد أقلقتها هذه الدعوة الصباحية المفاجئة فتحت الباب لصديقتها وما إن رأتها حتى أكبت عليها وأخذت تبكي ، حاولت سحر التماسك.
لا شك أن داهية حلت بصديقتها الليلة الفائتة، ساعدتها حتى أجلستها على أريكة قريبة وهي تقول: خيرًا إن شاء الله، ما الذي حدث؟ تنظر يمنة ويسرة لعل أحدًا يخبرها لماذا انخرطت صاحبة الدار ببكاء يكاد يقطع نياط قلبها حتى لا تستطيع الكلام، أمسكت بكتفي صديقتها وهزتهما بشيء من العنف، وهي تقول أرجوك أخبريني ماذا حدث؟ هل حدث مكروه لأحد الأولاد لا سمح الله؟ ردت: بل لأبيهم يا سـحـر..
لأبيهم، ربتت سحر على كتف رباب وهي تحوقل وتسترجع، ولكن متى حدث ذلك وكيف؟ قالت رباب وهي لا تزال تبكي لم يحدث بعد ولكنه سيحدث، سيحدث.
حارت سحر وقالت: ماذا تقولين؟ ما هذا الذي سيحدث؟
ردت وهي تظن أنها تفجر قنبلة: سيتزوج بامرأة أخرى.
المعالجة الحكيمة
ارتخت سحر في جلستها، وقالت وهي تحاول التقليل من حجم المسألة: سامحك الله يا رباب أهكذا تفعلين بي؟ تأتين بي على وجهي قبل موعد المدرسة وأنت قاب قوسين أو أدنى من الانهيار كل ذلك لأنه سيتزوج ؟!! وماذا إذا تزوج؟ أهي نهاية العالم ؟؟
ردت: نهاية عالمي أنا على الأقل نهاية حياتي، نهاية نجاحي، نهايتي أنا. تبلع سحر غصتها هي حزينة جدًا لحزن صديقتها، لكنها تتجلد أمامها، لئلا تزيدها لوعة قالت محاولة التخفيف عنها فليتزوج، فماذا سيحدث؟! هو وحده من سيتحمل مسؤولية جديدة بيت آخر وأسرة أخرى ومسؤولية العدل في النفقة والمبيت أما أنت فستبقين سيدة بيتك ولديك أولادك وعملك، وأضافت مازحة: بل ستقل مسؤولياتك وسيكون لديك فراغ أكبر مع الوضع الجديد وستنتجين أكثر، هنا غضبت رباب وقالت: أتسخرين مني؟ كنت أظنك ستشاطرينني مصيبتي وتبكين معي، أقول لك سيتزوج، سأخسر كل شيء كل شيء.
تصنعت سحر مزيدًا من الجدية وقالت: حسن هذا قرارك أنت إن شئت استسلمت وخسرت كل شيء، زوجك وبيتك وأولادك وأحلامك وأذهبت نفسك حسرات!
هدأت رباب وأخذت تستمع لكلام صديقتها، التي أردفت بقولها : وإن شئت صمدت وحافظت على مكانتك وأسرتك، بل واستثمرت ما تسمينه مصيبة في صالحك، في أن تعملي شيئًا لنفسك.
إنه حديث جديد يا سحر، كيف؟ ماذا تقصدين؟
قالت : سحر أنت معلمة ناجحة هل فكرتفي عمل بحث في تخصصك؟ واستطردت تقول وقد لاحظت اهتمام صديقتها، ولغتك الإنجليزية جيدة هل فكرت في ترجمة بعض الكتب المفيدة؟ هناك الكثير لتفعليه، وأنت لديك إمكاناتك، قلت لك ذلك مرارًا لكنك كنت دائمًا تقولين الزوج والبيت والأولاد..... وضيق
الوقت.
قالت معترضة: هل كان خطأ إذن اهتمامي بالبيت والزوج والأولاد؟ قالت سحر: من قال ذلك؟ فكرت مليًا ثم قالت، بل ربما كان خطأ لا شك أن هناك خطأ ما أضافت كمن تحدث نفسها: هو خطأ وهو صواب المسألة نسبية.
قالت رباب بدأت تتحدثين بالألغاز، أي خطأ وأي صواب؟ أليست كل واحدة منا غاية أحلامها أن يكون لها بيت وزوج وأولاد؟
قالت كأنها عثرت على ضالتها : هذا هو الخطأ بعينه، نعم الطبيعي أن نحلم بأن يكون لنا ما ذكرت لكن الخطأ أن نعتبره المحطة الأخيرة في أحلامنا ، فيكون هو كل حياتنا فإذا ما هدد بشيء كانت نهايتنا، ألا تظنين أنه ينبغي أن يكون إحدى محطاتنا على الطريق؟ ردت الأخرى: ربما كنت على حق شدت سحر على يد رباب وقالت وهي تودعها : اصمدي أرجوك.. ولتكن هذه بداية جديدة.
الحل المريح
تجاوزت سحر محنتها واستفادت من نصائح صديقتها، بل وأعادت النظر في كل شؤونها، ومضت تترقى في وظيفتها وتزيد إنتاجها مع الفراغ الجديد الذي أتاحه زواج زوجها من أخرى حتى لقد قال لها زوجها مداعبًا ومباركًا بطباعة كتابها الأول: هل كان يجب أن أتزوج لتعرفي إمكاناتك، وتحسني استغلالها قالت تنسب الفضل في نجاحي لنفسك؟ قال: أبدًا لكني سعيد بنجاحك، وأبارك لك من كل قلبي
. بعد عدة سنوات من زواجه جاء إليها زوجها في ليلة تشبه كثيرًا تلك الليلة التي صعقها فيها بنبأ زواجه وهو يظن أنه إنما يزف إليها نبأ سعيدًا، أخبرها أن زوجته حصلت على بعثة دراسية، وسوف تسافر لإكمال تعليمها مع بعض أهلها، ردت في غير مبالاة وما علاقتي أنا بهذا الأمر؟ قال: كل العلاقة يا سيدتي، ألا ترين أن سفرها سوف يجعلني متفرغًا لك وحدك ويعود حالنا إلى ما كان عليه؟ ابتسمت وقالت: أما أنا فقد رتبت أمري على ما تعلم ليلة لك وليلة لعملي وإنتاجي وتحقيق طموحي ولا أرغب بالتغيير، فانظر أمرك قال: فماذا أفعل إذن؟ ابتسمت في ثقة وقالت: الأمر إليك،ربما تستطيع أن تتزوج بأخرى!
■ واحة الشعر
شعر: منير شفيق
﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ (فصلت:53)
الكون عج بأنهر وبحور بالقفر والبيداء والمعمور
بأوابد ومضائق ومعارج ومرابع ومنازل وقبور
وبهادل ومحشرج ومزمجر وبزاحف ومحلق ومــغـــيــــر
بنسائم وملاعب ومعازف وعواصف وزلازل وهدير
بشموسه ونجومه تجري بقي د محكم كالعبد والمأسور
وبليله ونهاره يلجان بعـضهما مع التمديد والتقصير
الكون مضطرب الأوار بناسه دَمُهم يراق سدى بلا تفسير
هذا التدافع هل له معنى وأي من الفرق بين فضائل وشرور
أأنا مشيئة صدفة نسجت بليـل هيئة عزت على التصوير
أأنا مرور عابت مثل الهباء بلا مسالك حرة وحضور
ما غايتي في هذه الدنيا وكيف أميز بين بصيرة وغرور
لولا التأمل في الحياة وفي الممات لما عرفت بدايتي ومـــصــيـــري
ولما أجبـت محـيرًا من جاء بي من أين مبعث قــوتـي وقــصــوري
لو لم يكن فوق العوالم خالق لشرقتُ في سُؤلي وصل مسيري
أنى لعقل مبدع مُتَبصَر بالكون أن يأتي من التفجير ( * )
أو من دخان هائم أو من شوارد ليس فيها قدرة التدبير
هذي الغريزة لا يُحد جموحها لولا ترد لوازع وضمـير
يا ويلتا مني إذا عقلي مضى متشككًا في مبعثي ونشوري
تمسي العدالة عنده قرع القنا فيعاد ظلم الناس للتقدير
من ذا يحكم بيننا ؟ قاضي المصالح يهتدي بالنهب والتدمير
من ذا يقرر وجهتي؟ أنا ؟ أنت؟ هم؟ أم منطق ينقاد للتبرير
العقل تعبده فيأسره الهوى ويضيع في التأويل والتنظير
العقل يغدو أمره فرطا غوى من غير مشكاة تشع بنور
------------------------------
الهامش
(*) إشارة إلى فرضية الانفجار العظيم «البنغ بانغ»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل