; رمضان ليس لهذا!! (۳)- الفوازير.. والمسلسلات | مجلة المجتمع

العنوان رمضان ليس لهذا!! (۳)- الفوازير.. والمسلسلات

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 29-سبتمبر-2007

مشاهدات 62

نشر في العدد 1771

نشر في الصفحة 34

السبت 29-سبتمبر-2007

(*) كاتبة عربية مقيمة في لندن

المغريات تحاصر الشباب والكهول داخل البيوت وخارجها من خلال أدوات الاتصال من «دش» وتلفاز وإنترنت

أصحاب القنوات الفضائية ومديروها.. هل يدركون مدى المسؤولية الملقاة على عواتقهم وأن الله سيحاسبهم عليها؟!

ساعات رمضان أثمن من أن نضيعها أمام شاشات التلفاز... والإسراف مذموم حتى في المباحات.

«زنى العين» من كبائر الصغائر.. وقد يؤدي إلى الفاحشة.. ومن لم يستطع غض بصره فكيف يحفظ دينه؟!

«هيا بنا نسلي صيامنا ... فالنهار طويل» ... «تعال نخفف من وطأة الجوع ونحد من شدة العطش»... تلك، -وغيرها- كلمات قد تقال فعلًا من بعض الصائمين: حرصًا منهم على قضاء وقت صيامهم بأقل إحساس بالجوع والعطش... فإذا كان صيام رمضان فقط مجرد الإمساك عن الطعام والشراب في نهاره، فما الحكمة إذا من الصوم؟ وما المزية التي اختص بها هذا الشهر المبارك؟

إن كثيرًا من الناس يقضون شهر رمضان كغيره من الشهور، ظنًا منهم أنه لا بأس ولا حرج في محاولة تقليل الإحساس بالجوع والعطش في نهار رمضان بقتل الوقت أمام شاشات التلفاز وتبديده في التنقل بين القنوات الفضائية، التي مازال كثير من المشرفين والقائمين عليها لا يدركون أهمية هذه الثغرة التي يرابطون عليها، ومدى المسؤولية الملقاة على عواتقهم التي خولهم الله تعالى إياها، وأنهم سيسألون عنها بلا شك أمامه سبحانه في يوم عظيم يسأل فيه المرء عن القليل والكثير والفتيل والقطمير، وطوبى لعبد جعله الله تعالى سببًا في هداية الآخرين ورفع الجهل عنهم بدلالتهم على الخير «والدال على الخير كفاعله» (الطبراني) وذلك بحسن تعليمهم والحفاظ على هويتهم ودينهم، لا بتضييع أوقاتهم وإثارة غرائزهم الكامنة، والتي شرع الصيام لتهذيبها .. ألم يأمر النبي ﷺ من لا يستطيع الزواج بالصوم وقال: «فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» «أحمد»... لكننا - للأسف، ابتلينا بهذا الكم الهائل من القنوات الفضائية.

وقليلة هي تلك القنوات الحريصة على تقديم مواد تتناسب مع الشهر المبارك حتى صارت معظم المسلسلات لا تبث لأول مرة إلا في شهر رمضان، ونسبت الفوازير إلى اسم الشهر الكريم، فصارت «فوازير رمضان»!! وهو منها براء، إذ تجد فيها الرقص والراقصات، والعري والعاريات، والركض والراكضات، وكل هذا على مرأى ومسمع من الصائمين والصائمات، وما علموا مقام السيادة التي تميز بها رمضان على سائر شهور العام، فهو كما قال ﷺ: «سيد الشهور، شهر رمضان» «البزار».. فهل يعامل السيد كغيره، وهلا أعطينا هذا الشهر العظيم حقه من التوقير والتبجيل؟!

دعوة للتسلية

لقد حملنا الشهر العظيم فوق ما يحتمل وازدحمت ساعات نهاره بل ولياليه، بما لا يتسع، فهذه برامج تدعوك وتناديك لتتسلى معها في النهار، وهذا مسلسل وقت الظهيرة، وذاك ساعة الإفطار، وتلك فوازير بعده، وهذا برنامج كوميدي لتضحك، وهذا وهذه وذاك وتلك!!.. والصائم أمام كل ذلك يقف متحيرًا لا يدري ماذا يفعل، وماذا يرى، وماذا يترك، لقد اختلطت عليه الأمور وكثرت أمامه المغريات وهي تدعوه ليتخفف من صيامه! أما هو ففي صراع عنيف وحرب ضروس مع نفسه التي بين جنبيه وهواه الذي يطارده ووساوسه التي لا يستطيع الفكاك منها إلا من رحم ربك، وكان الله في عون شبابنا وفتياتنا.

ويفترض في مسلسلات كهذه أن تحمل بين مشاهدها ما يقوي العزيمة وينمي المراقبة ويربي النفس ويساعد على القيام بمتطلبات رمضان من تلاوة وذكر وصلاة وقيام وإحسان للأرامل وكفالة للأيتام وغيرها من أمور البر وأعمال الخير، فإن كانت كذلك فبها ونعمت، وشكر الله سعي القائمين عليها وأثابهم من فضله.. لكن أغلب المسلسلات تحوي مشاهد تشعل فتيل شهوات الشباب وتؤججها بما تحمل من إثارة وإغراء قد تتخللها خلسة، إذ يفاجأ المتفرج بمشهد أو صورة تظهر بغتة وكأنها له بالمرصاد كعرض لقطة مثيرة لزوجة ترقص لزوجها بعد زواجهما مثلًا، أو موقف لفتاة تحب شابًا وتبثه مشاعرها أو العكس، أو عروس تزف لعريسها في حفل صاخب بالإضافة إلى تبرج الممثلات المغالى فيه، حيث يظهرن في أكمل زينة، وملابسهن تعرض مفاتن البدن وتجسده، وقد تكون قصة المسلسل واقعية، وموضوعه هادفًا، يعالج بعض القضايا الاجتماعية التي نعيشها، ونحتاج حقًا للتوعية بها، وغالبًا ما يكون عرض تلك الأعمال الدرامية وقت الإفطار أو بعده بقليل، فهل بثها بعد الإفطار يعطي ذريعة لرؤيتها، وهل غض البصر مطلوب منا فقط في النهار أثناء الصيام؟!

زنى العينين النظر

إن غض البصر أصبح مطلوبًا بشدة في هذا العصر، حيث المغريات الكثيرة تحاصر الشباب والكهول داخل البيوت وخارجها بسبب انفتاح العالم على بعضه من خلال أدوات الاتصال من «دش» وتلفاز وإنترنت حتى صار العالم، كما يقال قرية صغيرة يستطيع الجميع التجول في طرقها وشوارعها بلا استثناء، مما أدى إلى اختلاط الخبيث بالطيب، خاصة بعد امتلاك معظم الأسر لأدوات الانفتاح والإثارة تلك، وعدم الوعي  والإدراك الكافي عند التعامل معها، فأثر ذلك على علاقة الأزواج بزوجاتهم وأهليهم فأصابها بنوع من الجمود، وظنت بعض الفتيات من خلال ما تتابعه وتقتدي به، أن الزواج متعة لا مسؤولية، وأنه غاية لا وسيلة، فلتدركها ولو بالنظر أو الكلام، فعرفت كيف تحادث الشباب وتبثهم الغرام لتنال فارس أحلامها الموعود، ويحدث هذا بسبب تقلص دور الأسرة أو غيابه في أحيان كثيرة وتقصيرها في تنشئة أبنائها على العلم والتفقه في الدين والتخلق بأخلاق الإسلام الراقية بعد مشاركة وسائل الإعلام لها في هذا الدور الحساس. 

وقد يتعذر على كثيرين أن يغضوا أبصارهم، ولهؤلاء نقول: صدق نبينا العظيم ﷺ إذ يقول: كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى، مدرك ذلك لا محالة فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه» «مسلم»

 وكما جاء في شرح هذا الحديث تظهر خطورة إطلاق النظر فقوله: «زنى العين النظر» يعني أن النظر بريد الزنى ورائد الفجور، والبلوى فيه أشد وأكثر، ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه وإسناد الزنى إلى العين، لأن لذة النكاح في الفرج تصل إليها، قال الغزالي: «ونبه به على أنه لا يصل إلى حفظ الفرج إلا بحفظ العين عن النظر، وحفظ القلب عن الفكرة، وحفظ البطن عن الشبهة وعن الشبع، فإن هذه محركات للشهوة ومغارسها، وزنى العين من كبار الصغائر، وهو يؤدي إلى الكبيرة الفاحشة وهي زنى الفرج، ومن لم يقدر على غض بصره لم يقدر على حفظ دينه.. ويجب على كل مسلم اتباع الهدي النبوي: «لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة» «الترمذي».

فضائيات.. وإنترنت

ويفضل بعض الصائمين الجلوس على المقاهي في رمضان لاحتساء الشاي أو القهوة مع الشيشة، على أنغام الأفلام والمسلسلات فيوأد الوقت نهارًا بعد ولادته، ويقتل ليلًا خفية وجلسة في الظلام، وربما قال أحدهم لزوجه- إذا أنكرت عليه فعله: «لقد صليت التراويح»!

ومثل هذا يقال في «مقاهي الإنترنت» التي انتشرت في كل مكان، وهذا لا بأس به إذا كان الغرض منه تعليميًا صحيًا، فواجبنا نحو العلم كبير، لكن المشكلة هي عدم ترشيد استعمالها وتحديد ما يجوز منها وما لا يجوز، ولا يخفى ما فيها من مواقع إباحية قد تذهب بدين الفتى ومرونته، ولا يليق المسلم، فضلًا عن صائم أن يحدث نفسه بالدخول إليها، وقد يمتد الجلوس فيها حتى السحور وربما الفجر.

أین روادها من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (التوبة: 18)؟!

وأين هم من أوقات ذكرها التنزل الإلهي التي ذكرها رسول الله ﷺ وفي قوله: «يتنزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطيه؟! من يستغفرني فأغفر له»؟! «البخاري».

بل ما مكانهم من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات حتى ينالوا بشارة القرب من مولاهم؟ كما جاء في الحديث القدسي الذي يقول الله تعالى فيه: «أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» «البخاري».

وكيف حالهم مع ملائكة الله الأطهار حين تفتقدهم بين المصلين الذين قال عنهم رسول الله ﷺ: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم، وهو أعلم بكم، فيقول: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون» «البخاري».

صوم الجوارح

إن ضياع الأوقات ضياع للأعمار... وأنت أيها الصائم إنما تتقرب إلى الله تعالى بصيامك، وجزاؤك عند الله عظيم كما يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: «الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي» «البخاري».. فيجب أن تجعل من صومك درعًا يقيك ويحميك من الوقوع في الإثم، وقد أعطاك الله تعالى عينين وحباك أذنين، فإذا جاء رمضان وصمت صامت معك هي الأخرى، لأنها مسؤولة ومحاسبة، يقول تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء: 36)، وهي إما شاهدة لك يوم القيامة أو عليك، كما يقول تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (فصلت: 20)

وإن وقت رمضان أثمن من أن تضيعه أمام شاشات التلفاز، فالإسراف مذموم حتى في المباحات، ألم تر أن الأكل مباح لكن الإسراف فيه محرم، واللباس مباح ويحرم الإسراف فيه؟!، وإن كان لا بد من النظر لبعض منها فلا تصرف حل وقتك فيها، بل انتق منها النافع والمفيد بلا إسراف واحذر من إطلاق بصرك فيقتلك.

وقد أمر الله تعالى كل مؤمن ومؤمنة بالغض من البصر، إذ إن فيه حفظًا للفروج وعفة عن الحرام، فقال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور: ٣٠-٣١)

وإذا ما وقع نظرك فجأة على عورة فاصرفه، فعن جرير قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة فقال: «اصرف بصرك» (أبو داود)- وقال أيضًا: «ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة أول مرة ثم يغض بصره، إلا أحدث الله له عبادة يجد حلاوتها» «أحمد».

الرابط المختصر :