; إيران.. ما بعد الخميني | مجلة المجتمع

العنوان إيران.. ما بعد الخميني

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1989

مشاهدات 84

نشر في العدد 920

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 13-يونيو-1989

هل فتح موت الخميني الباب للعوامل الخارجية التي تستهدف تغيير الثوابت الإيرانية الداخلية.

المرحلة القادمة بانتظار الاعتدال في المزاج الإيراني.

كيف سيتم التعامل الداخلي بين الانقسامات والتيارات والقوميات والأحزاب؟

لماذا لا تبدأ إيران مع العالم الإسلامي صفحة جديدة؟

في الوقت الذي كانت فيه وسائل الإعلام الدولية منصرفة إلى الأحداث الساخنة في شوارع وساحات العاصمة الصينية، جاءت وفاة الزعيم الإيراني الخميني لتسرق جانبًا من هذه الأضواء ولتعيد المسألة الإيرانية إلى عناوين الصحف.

وقد جاء هذا الحدث الكبير على الساحة الإيرانية والشرق من الصين إلى الباكستان إلى أفغانستان يهبط تحت تحولات لن تقف آثارها عند حدود معينة.. ولا يستطيع أحد أن يتنبأ بمسار الثورة التي تحدث في الصين.. كما أنه لا يمكن التأكيد بما سيسفر عنه اتفاق بنازير بوتو مع بوش بشأن القضية الأفغانية وأثر ذلك على مستقبل الجهاد الأفغاني.. أي أن جل ما يصل إليه المراقبون السياسيون لا يعدو كونه رصد ظواهر عامة سرعان ما تتغير لسبب أو آخر وفقًا للسياسة البراغماتية «النفعية التي تسود عالمنا المعاصر»..

والشرق من الصين إلى الباكستان إلى أفغانستان يشط تحت تحولات لن تقف آثارها عند حدود معينة.. ولا يستطيع أحد أن يتنبأ بمسار الثورة التي تحدث في الصين.. كما أنه لا يمكن التأكيد بما سيسفر عنه اتفاق بنازير بوتو مع بوش بشأن القضية الأفغانية وأثر ذلك على مستقبل الجهاد الأفغاني.. أي أن جل ما يصل إليه المراقبون السياسيون لا يعدو كونه رصد ظواهر عامة سرعان ما تتغير لسبب أو آخر وفقا للسياسة البراغماتية «النفعية التي تسود عالمنا المعاصر».

عوامل تغيير الثوابت:

بيد أنه يمكن أن يشتم من هذه الظواهر العامة ومن خلال التعليقات التي طرحها ساسة العالم إثر سماعهم نبأ وفاة الزعيم الإيراني آية الله الخميني مدى وعمق العوامل الخارجية في إمكانية تغيير الثوابت الإيرانية، وتوجيهها بصورة أو بأخرى نحو الانفتاح على العالم الخارجي، والمواقعة ما بين مبادئ الثورة ومطالب الدولة. وهذا مطلب غاية في الصعوبة يحتاج إلى تعامل مرهف الحس يدرك مدى التعقيد التي آلت إليه العلاقات الدولية وصعوبة القفز فوق المسلمات التي تفرضها طبيعة التشابك في المصالح الدولية.

بانتظار التطبيع مع العالم:

ويمكن اعتبار التعليقات السياسية لزعماء العالم حول وفاة الخميني مطلبًا عالميًا لكي تعمد إيران إلى تطبيع علاقاتها مع العالم ولم يتخلف عن هذا المطلب سوى صحيفة تشرين السورية التي راحت تؤكد «بأن الذين يعتقدون أن خط الثورة الإسلامية التي فجرها الإمام الخميني في إيران سيتأثر برحيله لن يكونوا واهمين فحسب بل وأيضا من دعاة تحويل الثورة عن مسارها خدمة لإستراتيجية الإمبريالية والصهيونية.. إن الموقع الذي مثلته الثورة الإيرانية منذ عام ١٩٧٩ سيبقى هو نفسه الموقع بعد رحيل الإمام الخميني» بلا شك- كما تقول التقارير التي أوردتها جميع وكالات الأنباء- إن مثل هذا الحماس مردود عليه بأن الأهداف التي انطلقت من أجلها الثورة الإيرانية ظلت تراوح في مكانها طوال عشر سنوات تقريبًا في ظل خلافات وانقسامات حادة حول مسار الثورة ومستقبلها ومجموعة من القضايا الرئيسة الداخلية والخارجية التي لم تحسم حتى الآن وكان الخميني عنصر التوازن بين تلك الصراعات.. داعيًا إلى نبذ الخلافات ومؤثرًا تجميد أسباب النزاع تغليبًا لجمع الكلمة ورص الصفوف لمواجهة العدو الخارجي..

 بعد سقوط ولاية الفقيه:

ومع رحيل الخميني وسقوط مبدأ ولاية الفقيه يمكن التكهن بأن الموقع الذي مثلته الثورة الإيرانية منذ عام 1٩٧٩ لن يبقى نفس الموقع.. إن تزايد قضايا المستضعفين وحاجتهم تفوق بكثير قدرات إيران الاقتصادية التي دمرتها حرب ضروس وتعقيدات تلك القضايا في لبنان أو في أفغانستان أو في أي بقعة ترى الثورة الإيرانية أن أهلها من المستضعفين تحتاج من ساسة إيران الخروج من شبه العزلة التي تواجههم سواء في الساحة العربية أو الإسلامية أو الدولية والتوصل إلى وسيلة جيدة للعمل على الساحات الثلاث بما يعود على قضايا المستضعفين بالفائدة تلك القضايا التي تزداد تعقيدًا يوما إثر يوم سواء في داخل إيران إم في خارجها.

أثر الحرب:

يقدر الخبراء أن إيران تحتاج إلى مبلغ يتراوح ما بين ١٥٠ إلى ۲۰۰ مليار دولار لإعادة بناء ما دمرته الحرب وفترة تتراوح ما بين عشر سنوات وعشرين سنة. فكم يا ترى يمكن أن يبلغ مدى الدمار في حالة تجميد الأوضاع على خط ثابت للثورة أو الاندفاع في حرب جديدة؟ إن الذين يراهنون على عدم تأثر الثورة الإيرانية أو معاناتها ومعاناة شعوب المنطقة بأسرها جراء الحرب العراقية- الإيرانية ليسوا واهمين فحسب لكنهم مستفيدون ماديًا ومعنويًا في البقاء على رأس أنظمة تبحث عن حليف إستراتيجي في ظروف عز فيها النصير..

التحول الأخير:

بيد أن رحيل الخميني سيضع مثل هذه التحالفات الهلامية في حجمها الصحيح وبمدى ما تعود به هذه العلاقات من فائدة على الشعب الإيراني وبات هذا واضحًا منذ يوليو الماضي حين قبلت إيران وقف إطلاق النار في حرب الخليج مشيرة إلى أن تحولاً جديدًا قد بدأ يضع الدولة قبل الثورة وأن المصالح القومية الإيرانية تأتي قبل الطموحات الثورية على مستوى العالم الإسلامي، فباعتراف رسمي فإن ٤١% من النفقات في ميزانية عام ۱۹۸۸ خصصت للمجهود الحربي، كما أن العائدات النفطية لا تكفي لسد الحاجات التنموية مع ارتفاع معدلات البطالة وزيادة ضغوط التضخم في الوقت الذي أصبح فيه مبدأ الاكتفاء الذاتي مطلبًا عسيرًا.

غياب التجييش العاطفي:

لذا؛ فبغياب الرجل الذي كان يستطيع «بهيبته كما يعتقد الإيرانيون هيبة نائب الإمام الغائب» أن يوفر للنظام الحماية والسلامة من أن يتعرض للمحاسبة أو الانتقاد وأن يضع على عثرات الثورة شيئا من هيبة العصمة من أن تمتد إليها يد أو يقدح في مسلكها لسان.. لذا؛ فبغيابه سيغيب الكثير من التجييش العاطفي والإيمان المطلق بمبادئ الإمام ويحل محل ذلك مواجهة الواقع الذي سيحتم في المدى القريب.

نظام رئاسي:

أولاً: تشكيل قيادة جماعية «في غيبة ولاية الفقيه» تتجه إلى الداخل لإصلاح مساراته تحت مظلة نظام رئاسي قوي يجمع فيه رئيس الجمهورية بين سلطته وسلطة رئيس الوزراء، ويباشر الحكم من خلال مساعدين كما في النظام الأمريكي ولا يعني هذا التخلي عن المضامين الثورية إذ ستظل تلك نظريًا وقودًا جيدًا للثورة رغم تعذر تطبيقها عمليًا وذلك لحشد الجماهير إزاء كل مشكلة تجد.

هل يتغير النهج؟

ثانيا: نشوء جماعات في الداخل والخارج ترى في الشكل الرسمي للدولة وخطها العام انحرافًا عن نهج الإمام ومبادئه وكالعادة تنكفئ على نفسها عبر تشعبات متطرفة ترتبط روحيًا بفكر الإمام وتدير ظهرها لما سواها ولا تدين بولاء لغيره.

ثالثا: نظرًا للخلط الذي تقع فيه الدوائر الغربية عن تقييمها للصحوة الإسلامية فإنه من المتوقع أن يبدأ عملاء تلك الدوائر بالانقضاض على مراكز الصحوة الإسلامية في الوطن الإسلامي وضربه وقوعًا تحت وهم أنه بانتهاء الخميني فإن مرحلة المد الإسلامي قد آذنت بانتهاء ومن ثم فقد حان الوقت للإجهاز على رموزها دون استثناء.

رابعا: فبرغم ما ذكرته وكالة الأنباء الإيرانية أن الرئيس خامنئي «تعهد باتباع تعاليم مؤسس الثورة الإسلامية الراحل بما في ذلك السياسة غير الموالية للشرق أو الغرب» إلا أن مؤتمر «أئمة الجمعة» الذي انعقد في فبراير الماضي بقيادة أحمد الخميني وبحضور على أكبر محتشمي وزير الداخلية وأحمد جاناني، كان واضحًا في أن إيران ستدعم علاقاتها الرسمية مع كل من الصين والاتحاد السوفيتي وكوريا الشمالية. ولهذا فستصبح القضية الأفغانية نقطة تفاهم رئيسة بين إيران والاتحاد السوفيتي وذلك أثناء زيارة رفسنجاني القادمة لموسكو والتي قد تتأجل في الظروف الحالية.

وبقدر ما يشعر الاتحاد السوفيتي أن أفغانستان المحاذية جغرافيًا له هي عمق أمني له.. بقدر ما ستعمل القيادة الإيرانية في مرحلة ما بعد الخميني على أن يكون لها العمق السياسي والأمني في أفغانستان وسيحرص الاتحاد السوفيتي بكل قوة أن تكون له محاوره بشأن أفغانستان مساوية لمحور بنازير بوتو- بوش مما سيؤثر سلبًا على مجرى القضية الأفغانية.

خامسًا: ما زال العالم الغربي يتابع بترقب بالغ ما سوف تؤول إليه الأوضاع في المنطقة، يقول جورج نادر رئيس تحرير مجلة میدر إيست إنسايت: «لا أتوقع أي تغيير رئيس في المستقبل القريب، وأعتقد أن هناك قضايا أهم من قضية الرهائن سيكون على الإيرانيين معالجتها» وهي الحرب العراقية- الإيرانية وتطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم ٥٩٨ وهو أمر لن يحظى في المستقبل المنظور بمعالجة جذرية من قبل إيران، بل سيظل يراوح في مكانه لتوظيفه في قضايا داخلية كثيرة وقد يغرى القيادة الجديدة في العودة إلى دق طبول الحرب خاصة وقد حظيت بالتأييد المطلق من قبل الجيش وحراس الثورة.

 

سادسا: لماذا تنتظر إيران أن يعود إليها العالم الإسلامي خاصة العالم العربي طالبًا الصفح والعفو.. فلماذا لا تبدأ هي صفحة جديدة مع عالمها الذي تنتمي إليه وهي أولى به وهو أولى بها من كوريا والاتحاد السوفيتي والصين.. ولِمَ اتسع صدرها لأهل الإلحاد وضاق ذرعًا بأهل التوحيد.. يقال: إن فترة ما بعد الخميني قد تشهد انفراجًا في الرؤية السياسية واعتدالاً في المزاج الثوري للقيادة الإيرانية تدعو الله أن ينعم بمردودها أهل المنطقة استقرارًا وأمنًا.

الرابط المختصر :