; البروفيسور «جاسون براونلي» يكشف: الدور الأمريكي ضد الديمقراطية في مصر (۳-۳) | مجلة المجتمع

العنوان البروفيسور «جاسون براونلي» يكشف: الدور الأمريكي ضد الديمقراطية في مصر (۳-۳)

الكاتب مؤمن الهباء

تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2013

مشاهدات 61

نشر في العدد 2055

نشر في الصفحة 38

السبت 01-يونيو-2013

«مبارك» انتقم من شعبية الإخوان-بحصار «حماس» وتجويع غزة

في هذا الجزء الثالث والأخير من كتاب الأستاذ الأمريكي «جاسون براونلي» «تعطيل الديمقراطية مخططات التحالف الأمريكي. المصري»، نعرض لما أورده المؤلف حول دور «مبارك» ورجاله في الحرب على غزة و«حماس»؛ خدمة للإستراتيجية الصهيونية الأمريكية فقد كرس «مبارك» جهدًا كبيرًا لقمع الديمقراطية الفلسطينية التي جاءت بـ«حماس» إلى السلطة، مثلما قام مرات ومرات بقمع الديمقراطية في مصر، ووضع «جاسون» هذا التوجه المصري الأمريكي «الإسرائيلي» تحت عنوان «دورية حراسة غزة».

يقول المؤلف في البداية: إن إدارة «بوش» لم تكن تستشير «حسني مبارك» في أمور الحرب والسلام على نحو جدي، وكانت الإدارة الأمريكية تنظر إلى وزير الدفاع المصري «محمد حسين طنطاوي» على أنه مصدر إزعاج، وليس مصدر تعاون بينما كان رئيس المخابرات «عمر سليمان» يتولى ملف مكافحة الإرهاب الذي طالما أثار قلق الأمريكيين، وهكذا فقد كان الأمريكيون يعتمدون على «عمر سليمان» في إدارة ملف الصراع الصهيوني-الفلسطيني، ومحاربة «تنظيم القاعدة»، كذلك كان البعض داخل الإدارة الأمريكية يفضلون «عمر سليمان» خليفة لـ«مبارك» بدلا من «جمال»، في الوقت الذي تعاملوا فيه مع الجيش المصري على أنه مجرد حارس للحدود.

وبعد نجاح «حماس»

في انتخابات فلسطينية حرة ونزيهة تمكنها من تشكيل الحكومة، طلبت واشنطن من «مبارك» العمل على حماية قطاع غزة، ومنع أي هجمات فلسطينية على المدن الصهيونية، وحتى عندما أبدت الإدارة الأمريكية رغبتها في مساعدة «مبارك» لمنع الإخوان المسلمين من تكرار تجربة نجاح «حماس» في الانتخابات رأى بعض أعضاء «الكونجرس الأمريكي أن «حسني مبارك» لم يبذل الجهد الكافي للحد من نفوذ «حماس» وحماية قطاع غزة وتهدئة الوضع فيه.

وفي عام ٢٠٠٧م، اقترح «الكونجرس» الأمريكي ربط المساعدات المقدمة لمصر بمدى إجراء «مبارك» لإصلاحات في قطاعي القضاء والأمن، وجدية الجيش في تدمير أنفاق غزة التي تستخدم لتهريب الأسلحة والمواد الغذائية ردًا على الحصار المفروض عليها، ويضيف المؤلف أن واشنطن كانت تكرس نفوذها مع النظام المصري لا لكي يطبق الديمقراطية، بل ليسعى فقط لتعزيز أمن «إسرائيل» وحماية المصالح الأمريكية وفي الوقت الذي أثبتت فيه الانتخابات الفلسطينية أخطار السيادة الشعبية على المصالح الأمريكية، أكد «مبارك» و«سليمان» فوائد النظام الاستبدادي بعد أن فضلا الانحياز للإستراتيجية الأمريكية على الرأي العام داخل مصر.

ولأن «حسني مبارك» كان يرى «حماس» امتدادا لجماعة الإخوان المسلمين، فقد اتخذ كافة السبل بالتعاون مع عمر سليمان» لحصارها والضغط عليها للاعتراف بـ«إسرائيل»، وفي الوقت ذاته تعزيز قبضة حركة «فتح»، ويذكر المؤلف أن معظم المصريين أعربوا في استفتاء أجري في يونيو ٢٠٠٦م عن ازدرائهم للسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث رأى ٧٦% ممن شملهم البحث أن نجاح «حماس» في الانتخابات الفلسطينية يصب في صالح الشعب الفلسطيني، بينما رأى 83% أن الحرب على العراق زادت من أخطار الإرهاب.

 وفي منتصف عام ٢٠٠٦م شنت «إسرائيل» حربا شرسة على لبنان، استهدفت تقويض قوة وقواعد «حزب الله»، وتسببت في مقتل حوالي ٤٠٠ من المدنيين اللبنانيين مقابل ٤٤ من «الإسرائيليين»، وأدت هذه الحرب إلى إشعال مشاعر الغضب في العالم العربي، ولم تفلح دعوة «مبارك» لوقف إطلاق النار في التخفيف من حدة الغضب الشعبي في مصر، حيث خرجت المظاهرات التي تقودها حركة كفاية وجماعة الإخوان المسلمين؛ منددة بالهجوم الصهيوني والتواطؤ المصري-الأمريكي الذي بلغ ذروته بتصريح لـ«كونداليزا رايس»، وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، قالت فيه: إنه ليس هناك حاجة للتدخل في حرب لبنان في الوقت الحالي، وإن ما يحدث بمثابة آلام المخاض لميلاد شرق أوسط جديد.

 وفي ربيع العام نفسه، تم تمديد العمل بقانون الطوارئ، وأحيل مستشاران قضائیان إلى المحكمة التأديبية هما محمود مكي وهشام البسطويسي بسبب فضح عمليات تزوير في الانتخابات السابقة، واستمر أيمن نور يقضي عقوبة داخل السجن، وساد اعتقاد لدى المراقبين بأن «حسني مبارك» يقوم بتفصيل النظام في الانتخابات على مقاس ابنه «جمال»؛ حيث لم يعد بمقدور أي شخصية معارضة دخول السباق الرئاسي وأصبح الحديث عن التوريث هو الموضوع الأكثر سخونة في المشهد السياسي المصري.

 وفي الثاني عشر من مايو ٢٠٠٦م، وبينما كانت المظاهرات مشتعلة في القاهرة، رأى أحد الصحفيين «جمال مبارك» يدخل «البيت الأبيض» في زيارة سرية للقاء عدد من المسؤولين الأمريكيين، ومنهم ديك تشيني نائب الرئيس و«كونداليزا رايس» وزير الخارجية، و«ستيفين هادلي»، مستشار الأمن القومي، إلى جانب لقاء لم يكن مدرجا على جدول الزيارة مع الرئيس «بوش» شخصيا، وكان الرئيس «بوش» يتحاشى الحديث عن موضوع التوريث علنا، ولكن حديثه مع «جمال مبارك» أعطى إيحاء بموافقته الشخصية.

وعلى الرغم من أن «جمال» كان ولي العهد، فإن أعضاء مجلس الأمن القومي تشككوا فيما إذا كان هو الشخص المناسب لضمان انحياز سياسة مصر الخارجية بعد انتهاء فترة حكم «مبارك»، وكان الرأي الغالب أمريكيا أن خلفية «عمر سليمان» العسكرية إلى جانب عمله في المخابرات وخبرته السياسية تجعله أكثر ملاءمة للسياسة الأمريكية مقارنة بـ«جمال»، وقد أثبت «سليمان» بما لا يدع مجالا للشك ولاءه الشديد للولايات المتحدة الأمريكية و«إسرائيل»، والعمل على إضعاف «حماس» الفلسطينية.

أرسل ٤ شاحنات ل دحلان محملة بالسلاح والذخيرة في فتنة ٢٠٠٦م

أمريكا كانت تفضل «عمر سليمان» لخلافة «مبارك»، بسبب ولائه لـ«إسرائيل»

 وكانت الولايات المتحدة تسعى للإطاحة بـ«حماس»، وكثيرًا ما حثت الرئيس الفلسطيني «محمود عباس»، على اتخاذ إجراء ضدها، إلا أنه رفض، فقامت بتعزيز قدرات فتح من خلال إمدادها بالسلاح والعتاد عن طريق بعض الدول العربية الحليفة، وفي هذا الصدد يذكر «براونلي» أنه في سبتمبر ٢٠٠٦م وصلت أربع شاحنات من مصر إلى رئيس جهاز الأمن بحركة «فتح» «محمد دحلان» محملة بآلاف من قطع السلاح ومليوني قطعة ذخيرة.

ويشير المؤلف إلى أن «حسني مبارك» ورجاله مثلهم في ذلك مثل الولايات المتحدة و«إسرائيل» كانوا يسعون إلى القضاء على حركة «حماس» من خلال التضييق على وصول المساعدات إلى قطاع غزة، ويضيف المؤلف أن «عمر سليمان» اقترح في لقاء بأعضاء «الكنيست» الصهيوني في يوليو ۲۰۰۷م أنه يجب ألا يتم تجويع أهل غزة ولكن في الوقت نفسه ليس من الضروري الوفاء بجميع احتياجاتهم، وحين أخبره رجال الكنيست» أن سكان غزة يحتاجون إلى حوالي 100 طن من الوقود يوميا، أجاب بأنه ليس من الضروري إمدادهم بكل هذا الكم ويكفي تقديم ٣٠ أو ٤٠ طنا فقط للوفاء بالاحتياجات الضرورية.

وبحلول أغسطس ۲۰۰۸م، كان هناك خط ساخن بين جهاز المخابرات المصرية بقيادة «سليمان» ووزارة الدفاع الصهيونية بشكل يومي، وتشير تقارير السفارة الأمريكية في تل أبيب إلى أن القلق كان ينتاب الجانب الصهيوني بشأن الحالة الصحية للرئيس المصري، بينما كانت هناك حالة من الارتياح الاحتمال أن يخلف «عمر سليمان» الرئيس «حسني مبارك» في الرئاسة.

وقبل انتخابات الرئاسة الأمريكية عام ۲۰۰۸م، قام جمال مبارك بالشكوى للسفيرة الأمريكية بالقاهرة «مارجريت سكوبي» من أن السياسات الأمريكية تجاه مصر والمنطقة بأسرها أضرت بالعلاقات الأمريكية-المصرية، وأعرب عن أمله في أن تراجع الإدارة الأمريكية القادمة سياساتها تجاه مصر على مدار السنوات الثماني الماضية، وتستمد منها بعض الدروس وبالفعل كان الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما لديه الرغبة في تغيير الأب الذي اتبعه سابقه «بوش»، ولم يوجه «أوباما» أو وزيرة خارجيته «هيلاري كلينتون» أي نوع من اللوم إلى «مبارك» أو أي من حلفاء أمريكا من القادة العرب، وحاولوا من خلال الدبلوماسية التقليدية توطيد العلاقات الثنائية، ومعاملة «مبارك» على أنه شريك رئيس في جهود تطبيق حل الدولتين لإنهاء الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

ومع مطلع عام ۲۰۰۹م شهدت العلاقات بين المسؤولين في كلا البلدين خلافات حول حجم المعونات الأمريكية وكيفية استخدامها، والتمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني، وفي الوقت ذاته ظهرت جماعات شبابية معارضة أكثر جرأة من السياسيين التقليديين في مصر، ونظمت حركتا «كفاية» و «٦ أبريل» عدة مظاهرات احتجاجا على تصدير الغاز لـ«إسرائيل» بأقل من الأسعار العالمية، وتأييدًا للمطالب العمالية، لكن المشكلة أن هؤلاء النشطاء بدون الإخوان المسلمين، لم يكن لديهم القدرة على حشد أكثر من بضع مئات للمشاركة في مظاهراتهم، ثم وقعت حادثة مقتل الشاب خالد سعيد على يد اثنين من رجال الأمن وكانت هذه الجريمة بمثابة قوة دفع هائلة لقوى الاحتجاج في المجتمع المصري، حيث أنشئت صفحة باسمه على «الفيسبوك»، ومع نهاية عام ۲۰۱۰م كان عدد المشتركين في صفحة كلنا خالد سعيد قد وصل إلى ما يقرب من ٣٥٠ ألف شخص.

وكانت عودة «محمد البرادعي»، المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى مصر دفعة أخرى لقوى المعارضة الناهضة، حيث اعتبره كثيرون منافسا قويا لـ«جمال مبارك» في الانتخابات الرئاسية المقررة عام ۲۰۱۱م، كما كان الانفجار الكبير في كنيسة «القديسين» بالإسكندرية قبل ٣٠ دقيقة من رأس سنة ٢٠١١م دافعا للمسيحيين في مصر إلى إلقاء اللوم على أجهزة الشرطة التي تهتم بأمن الرئيس وأسرته وتتجاهل أمن المواطنين، بل على العكس تستخدم هذه الأحداث لتأجيج الفتنة الطائفية حتى تغطي على جرائم النظام وفساده.

ويوضح «جاسون براونلي» في كتابه أن الولايات المتحدة كانت تشارك النظام الحاكم في مصر ثقته في أن قوى المعارضة تعاني من التشرذم والعجز، ولا يمكنها أن تقدم على خطوة تهدد بقاء هذا النظام الراسخ، في ظل وجود قوات أمن يبلغ قوامها حوالي ١.٤ مليون جندي تحت تصرف «مبارك»، وهو ضعف العدد الذي كان متاحًا لـ «السادات»، وفي هذا الصدد يستشهد المؤلف ببرقية للسفارة الأمريكية بالقاهرة تؤكد أن أي تغيير عنيف في مصر أمر بعيد الاحتمال رغم حالة الغليان المكبوت بعد تزوير الانتخابات المحلية والبرلمانية وتفشي الفساد وارتفاع الأسعار، فقد قام «مبارك» بشكل ممنهج وقانوني بتصفية جميع رموز المعارضة السياسية، وقامت وزارة الداخلية باعتقال ما يقرب من ٢٠ ألف شخص بدون محاكمات كل عام، كما قامت بتجنيد ما يقرب من مليون مرشد بالإضافة إلى المخبرين الذين يعملون لديها.

 ويؤكد المؤلف أنه من المفارقات الغريبة أن «البيت الأبيض» الذي كان يطالب دومًا الجانب المصري بأن يقود مسيرة نشر الديمقراطية في العالم العربي، كان يدافع عن نظام «مبارك» ولم يسع قط لإبعاده عن الحكم، وعلى الرغم من أن «بوش» و«أوباما» طالما اعترضا على السياسة الأمريكية على مدار الستين عاما الماضية، والتي قام فيها البيت الأبيض بمساندة أنظمة دكتاتورية في المنطقة، فإنهما انتهجا نفس الأسلوب في التعامل مع «مبارك»، ولم يتخل البيت الأبيض عن القيادات المستبدة في مصر ودول أخرى طالما أنهم موالون للسياسة الأمريكية.

وفي النهاية، يقول المؤلف: إن انطلاق الثورة في تونس كان مرشدا وهاديا للمصريين الذين يعانون من الفساد والفقر والقهر لتصبح النموذج الذي احتذوا به للقيام بثورتهم، ويشير إلى أن أعضاء «الكونجرس» الأمريكي الذين أغضبهم كثيرًا أداء المخابرات الأمريكية أثناء الثورة المصرية صاروا أكثر وضوحًا وتأكيدًا على ضرورة ربط المساعدات الأمريكية بالدعم اللامحدود لـ«إسرائيل» من خلال ضمان تفوق «إسرائيل» العسكري على جيرانها، وبما أن الثورة المصرية فتحت الطريق أمام وصول الإخوان المسلمين أو أي فصيل ديني آخر، أو حتى أي فصيل آخر غير إسلامي ولكنه غير موال للولايات المتحدة إلى سدة الحكم في البلاد، فإنه يجب ضمان أن دولارات المواطن الأمريكي لا تذهب إلى جماعات تسعى إلى تدمير المصالح والسياسات الأمريكية أو القضاء على حلفائها. ولذا أوصت لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب بوضع شروط للمساعدات الأمريكية المقدمة إلى مصر ولبنان واليمن والسلطة الفلسطينية، وفي توجه مشابه طالبت لجنة الاعتمادات الخارجية بمجلس النواب بربط المساعدات المقدمة لمصر بالعلاقات المصرية الإسرائيلية دون أي اعتبار للرأي العام في مصر.

الرابط المختصر :