العنوان ماذا يريد العم سام؟
الكاتب حمد الحمداني
تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2001
مشاهدات 67
نشر في العدد 1447
نشر في الصفحة 40
السبت 21-أبريل-2001
نعوم تشومسكي يكشف الوجه القبيح للسياسات الأمريكية في كتابه:
عندما تتعرض حقوق المستثمرين الأمريكيين للتهديد فعلى الديمقراطية أن ترحل
يتبوأ نعوم إفرام تشومسكي مكانة عالية في مجال علم اللغويات، بل لا يدرس أحد في مجال علم اللغة إلا ويقرع هذا الاسم أذنه بنظرياته المعروفة والمثيرة في هذا الحقل، خصوصًا نظريته المشهورة بأن اللغة أمر موروث، وهي داخلة في سر تكوين الخلية الإنسانية فيولد الإنسان وهو مستعد ومؤهل فطريًا لعملية النطق تلك النظرية التي قلبت النظريات السابقة رأسًا على عقب، وأعادت النظر في كل ما قيل من قبل في هذا المجال، وقد عمل في العديد من الجامعات والمعاهد الأمريكية کجامعة هارفارد، وغيرها، ويعمل الآن في معهد «ماساتشوتس» للتكنولوجيا.
هذا كله لا يهمنا في هذا المقام وإنما الذي يهمنا هو أن هذا الشخص يهودي الديانة... أمريكي الجنسية، ومع ذلك فهو من أشد الناس معارضة للسياستين الأمريكية والصهيونية، وقد كتب الكثير من الكتب والمقالات التي يدين بها التغطرس الأمريكي وجرائمه في كل أنحاء العالم وخصوصًا الموقف السافر المنحاز للكيان الصهيوني وجرائمه بحق الإنسانية في منطقة الشرق الأوسط، كما جاء في العديد من كتبه مثل: «قراصنة وأباطرة» «وردع الديمقراطية» وأطروحات غيرها كثيرة.
وبين أيدينا أحدث كتبه وهو بعنوان «ماذا يريد العم سام؟» ورغم صغر حجم هذا الكتاب الذي لا يتجاوز الخمسين صفحة إلا أنه كفيل بتغيير رأي كل من هام بأمريكا حبًا، أو وضع كل بيضه في سلتها.. وركن إليها كحليف دائم... بل إنك لا تكاد تنهي الكتاب إلا وقد انتابك شعور بالغثيان والدوار من هول ما مر عليك من جرائم بشعة في حق البشرية جمعاء، ويستبد بك الذهول لهذا التجاهل الإعلامي الرهيب حيال هذه الجرائم الخطيرة...!
موضوع الكتاب الرئيس هو وثيقة الأمن القومي التي صاغها «جورج كينان» أحد مخططي وزارة الخارجية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية حتى عام ١٩٥٠م، وكان كينان هذا أحد أخبث وأدهى أساطين السياسة الأمريكية على الإطلاق، إذ قد رسم الخطوط العريضة للاستراتيجية الأمريكية المرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي سارت على هداها أمريكا في صياغة مبادئها ومواقفها السياسية، وتناول الكتاب آلية التنفيذ الفعلي لهذه الوثيقة من خلال ضرب أمثلة وشواهد حية مدعمة بالأرقام والإحصائيات والتواريخ، يقول «كينان» في المذكرة رقم ۲۳ الصادرة عام ١٩٤٨م: «عندنا حوالي 50٪ من ثروات العالم وفقط ٦.٣٪ من سكانه، وبمثل هذا الوضع لا يمكننا تجنب حسد واستياء الآخرين مهمتنا الحقيقية في الفترة المقبلة هي ترتيب نموذج للعلاقات يحافظ على استمرار ذلك التفاوت، ولتحقيق ذلك سيكون علينا التخلي عن الأحلام والعواطف، وتركيز اهتمامنا على أهدافنا القومية المباشرة، يجب أن نمسك عن كلامنا المبهم للآخرين، والأهداف غير الحقيقية مثل حقوق الإنسان، ورفع مستوى المعيشة، والتحول للديمقراطية ولن يكون اليوم الذي نضطر فيه للتعامل بمنطق القوة بعيدًا، وكلما قلت عوائقنا من جراء رفع تلك الشعارات كان ذلك أفضل». (ص 13).
إستراتيجية المجال العظيم
ومن أجل هذه الغاية قامت مجموعات البحث في وزارة الخارجية خلال الحرب العالمية الثانية، بتحديد ما يسمى به المجال العظيم الذي ينبغي عليه أن يخضع لمتطلبات الاقتصاد الأمريكي، وأهم ما يشتمل عليه هذا المجال العظيم نصف الكرة الأرضية الغربي، وغرب أوروبا والشرق الأقصى، والمستعمرات البريطانية السابقة، وعلى الدول الصناعية مثل ألمانيا واليابان أن تصبح ورشًا عظيمة تعمل تحت إشراف أمريكا، وتمثل دول العالم الثالث مصدر إمداد المجتمعات الرأسمالية بالخامات، وتمثل أيضًا أسواقًا لبيع المنتجات المصنعة.
وخوفًا من انفلات زمام الأمر في دول «المجال العظيم»، إلى الحركات اليسارية والشيوعية الناشطة والمتحفزة التي رأت فيها أمريكا خطرًا محدقًا يفوق بكثير خطر غزو سوفييتي محتمل، الأمر الذي سيعرقل حتما سير هذه الإستراتيجية، قامت أمريكا بدعم الأنظمة اليمينية فيها، حتى ولو كانت أنظمة قد خرجت من حرب شرسة معها للتو مثل اليابان! بل ونصبت في إيطاليا حكومة قمعية على رأسها الماريشال الفاشي «بادو جليو»، والملك «فيكتور عمانويل الثالث»، المتعاون مع الفاشيين وتدخلت أمريكا في الانتخابات الإيطالية الحاسمة عام ١٩٤٨م التي كان فيها الشيوعيون قاب قوسين من النجاح، إلى درجة أنها لوحت بالتدخل العسكري وإجهاض العملية الديمقراطية برمتها إذا نجح الشيوعيون!.
وكما أن الغاية تبرر الوسيلة عند العم سام، ومن أجل الحفاظ على هذا المجال العظيم وإحكام القبضة عليه استثمرت أمريكا تركة المخابرات النازية «الجستابو» في عموم أوروبا، فعلى سبيل المثال استخدمت أمريكا «كلاوس باربي» رئيس الجستابو في ليون وهو الذي كان يسمى سفاح ليون، فعينته جاسوسًا على فرنسا!، وتحول كل عملاء الجستابو في أوروبا إلى كشوفات المخابرات الأمريكية الوريث الشرعي الجديد، وبدأوا عهدًا زاهرًا من عمليات التجسس في أوروبا لصالح العم سام؟.
موقف أمريكا من الديمقراطية
أما عن رفع أمريكا لشعار الديقراطية ودعمها للنماذج الديمقراطية في دول العالم فيـفند «تشومسكي» هذه الأكذوبة، ويكشف عوارها، يقول: «نحن نعارض - بمثابرة وإصرار- الديمقراطية إذا كانت نتائجها خارج نطاق سيطرتنا، والمشكلة مع الديمقراطيات الحقيقية أنها عرضة للوقوع فريسة للهرطقة التي تزعم أن على الحكومات الاستجابة المصالح شعوبها بدلًا من مصالح المستثمرين الأمريكيين، لقد نشر المعهد الملكي للشؤون الدولية في لندن دراسة عن نظام العلاقات الأمريكية الدولية مؤداها أنه بينما تقدم الولايات المتحدة خدمة «لسانية» للديمقراطية، فإن التزامها الحقيقي هو ل «المشروعات الرأسمالية الخاصة»، «وعندما تتعرض حقوق المستثمرين الأمريكيين للتهديد فعلى الديمقراطية أن ترحل، ولا بأس بأن يحل محلها حكام التعذيب والقتل» ( ص ۲0 – ۲1 ).
وعلى ضوء هذا الفهم يرى «تشومسكي»: «بأنه على الرغم من أن الحركات الوطنية في العالم الثالث تعبر عن تطلعات ورغبات الشعوب إلا أنها تمثل خطرًا كبيرًا على أمريكا لاستجابتها للمطالب الشعبية بخصوص تحسين مستويات المعيشة وتلبية الحاجات المحلية الضرورية، لذا رأت أمريكا ضرورة «إقصاء المغالين» في وطنيتهم عن سدة الحكم، واستبدال آخرين بهم يفضلون الاستثمار برأس مال خاص محلي أو أجنبي، وتوجيه الإنتاج للتصدير، وضمان تصدير الأرباح للخارج».
الخوف من «المثل الطيب»
ويتعرض المؤلف لسبب آخر يستوجب البطش بأي دولة وفقًا للمنطق الأمريكي الغريب المندرج تحت عنوان: «المثل الطيب» والخوف من انتشار فيروسه الإصلاحي! إلى بقية الجيران فإذا ما شعرت أمريكا بوجود بوادر إصلاحية، ومحاولات جادة للنهوض الاقتصادي في بلد ما داخل نطاق «المجال العظيم»، فإن القمع سيصب صبًا على هذا البلد خشية انتشار «المثل الطيب» إلى باقي دول الإقليم، وتبريرات القضاء على هذا «المثل الطيب» جاهزة وهي الخوف من انتشار الشيوعية حتى وإن كانت التبريرات مضحكة كما بررت أمريكا غزو «جرينادا» عام ۱۹۸۳م بأنه لو حصل هجوم سوفييتي على أوروبا الغربية فإن جرينادا «ربما» تكون عائقًا دون إمداد الحلفاء بالبترول...!
ويستطرد المؤلف في ضرب الأمثلة لسياسة الخوف من «المثل الطيب» في عدد من دول أمريكا اللاتينية عندما دعمت أنظمتها القمعية البالغة القسوة مثل سلطة الدكتاتور «سوموزا» في «نيكاراجوا»، وعندما تعرضت سلطة هذا الدكتاتور للاهتزاز على يد ثوار حركة «الساند نيستا» اليسارية، حاولت أمريكا الإبقاء على النظام المستبد ولكن دون «سوموزا»، ولم تنجح إدارة كارتر في ذلك، فحاولت الإبقاء على الحرس القومي - كقاعدة للقوة الأمريكية - وهو الذي ارتكب العديد من الفظائع ضد «الساند نیستا»، فقصفت المساكن المدنية بالقنابل ليقتل عشرات الآلاف منهم في العاصمة «ماناجوا»، ولكن هذا الحرس لحقت به هزيمة شنيعة على يد الثوار، ثم فرضت أمريكا مقاطعة اقتصادية ضد تلك الدولة لمحاولة تركيعها، وعاد الحرس مرة أخرى باسم «الكونترا» في ظل دعم كامل من الرئيس «ريجان» فدخلت البلد في دوامة من الحرب الأهلية الشرسة التي دمرت الكثير من مقدراتها وثرواتها الطبيعية.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه:
ما الجريمة التي اجترحتها «نيكاراجوا» حتى تعاقب بهذا الأسلوب من قبل العم سام؟
تجيب المنظمة الدولية للنمو «أوكسفام» عن هذا التساؤل: حيث إنها «من خلال خبرتها في ٧٦ دولة نامية، لاحظت أن نيكاراجوا كانت استثناء في شدة التزام حكومتها في تحسين أحوال معيشة الشعب، وتشجيع اشتراكه الفعال في ذلك» (ص (٣٦).
هذه هي جريمة نيكاراجوا، خوف العم سام من انتشار «المثل الطيب» في المنطقة ألا تكفي هذه الجريمة كي يذبح مئات الألوف من المدنيين قربانًا لعيون العم سام...؟
أما «السلفادور»، فقد نالها نصيب لا يقل عن نصيب جارتها نيكاراجوا، فتعرضت الجرائم يندى لها جبين الإنسانية، فقد اشتعلت حرب بين نظامها الدكتاتوري الذي يلقى الدعم الكامل من أمريكا، والشعب، فارتكبت فيها جرائم بشعة يصاب الإنسان بالتقزز وهو يقرأ تفاصيلها يقول المؤلف عن فرق الموت التي تدربت في أمريكا.. بل وأشرف الجيش الأمريكي على العديد من عمليات القمع التي مارسها: «كان على المتطوعين للخدمة في «فرق الموت» أن يقتلوا الكلاب والنسور بلي رقابها، وكان عليهم أن يشاهدوا تعذيب وقتل من يشتبه في انشقاقهم، بنزع أظفارهم، وذبحهم، وتقطيع أوصالهم، ثم العبث واللعب بتلك الأوصال»، وأورد المؤلف شهادة القسيس الكاثوليكي «دانيال سانتياجو» حيث يقول: «لا تكتفي فرق الموت بقتل المواطنين في السلفادور، بل تفصل رؤوسهم وتضعها على خوازيق تنزع أحشاء الرجال، وتقطع أعضاء ذكورتهم وتضعها في أفواههم، لا يكتفي الحرس الوطني باغتصاب النساء، بل يقطع أرحامهن، ولا يكتفي بقتل الأطفال، بل يسحلهم على الأسلاك الشائكة أمام أعين أبائهم!» (ص (٣٤)، كل هذا يجري تحت إشراف الجيش الأمريكي حامي حمى الديمقراطية، وفي ظل تجاهل إعلامي رهيب...!
أما «بنما»، فلها قصة أخرى مختلفة بعض الشيء، ولكنها لن تخرج عن السياق المأساوي ذاته، فكلنا يذكر الإنزال الأمريكي عليها في أواخر عام ۱۹۸۹م، والقبض على رئيسها الدكتاتور «نوربيجا» المتورط في تجارة المخدرات هكذا زعمت أمريكا لتبرير العملية العسكرية ضده، ولكن هذا نصف الحقيقة فقط، يقول المؤلف:
«تعلم حكومة الولايات المتحدة أن «نورييجا» متورط في تجارة المخدرات منذ عام ١٩٧٢م إن لم يكن قبل، وقد فكرت إدارة نيكسون في اغتياله، ولكنه ظل في كشوف مرتبات المخابرات الأمريكية، وفي عام ۱۹۸۳م استخلص تقرير إحدى لجان الكونجرس أن «بنما» مركز لتجارة المخدرات وغسل أموالها، استمرت حكومة الولايات المتحدة في تقدير خدمات نوربيجا! (ص 41).
ولكن الصديق اللطيف انقلب عدوًا وطاغية وسارقًا لأرغفة الخبز من أفواه شعبه الجائع، لأنه قد تجاوز خطوطه الحمر فبدأ - لسوء حظه - في التدخل في شؤون ومصالح رجال الأعمال والشركات الكبرى الأمريكية، ومن ناحية أخرى فإن دولته ستسترد معظم القناة في 1 يناير من عام ۱۹۹٠م، وتعود إليها كامل القناة بحلول عام ۲۰۰۰م، الأمر الذي يعد خسارة كبيرة للعم سام فكان لا بد من التدخل العسكري لإعادة الحق إلى نصابه وفق المنطق الأمريكي..!
إن التجول مع هذا الكتاب الصغير في حجمه.. الكبير في أهميته، يقودك بسلاسة ومنطقية حتى تقف أمام لافتة من لافتاته لخص فيها كل أفكاره السابقة بقوله: «أعتقد من وجهة النظر القانونية، أن هناك ما يكفي من الأدلة لاتهام كل الرؤساء الأمريكيين منذ نهاية الحرب العالمية، بأنهم مجرموا حرب، أو على الأقل متورطون بدرجة خطيرة في جرائم حرب».
وبعد.. قد يقول قائل إن هذا الكتاب وغيره من كتب «نعوم تشومسكي»، لا يعدو أن يكون مجرد إضافة إلى قائمة الكتب التي تستخدم أساليب العجزة في إشباع أمريكا شتمًا ولعنًا، ولكن الواقع أن من تصفح الكتاب سيجد خلاف ذلك، نعم لقد غلب عليه الأسلوب العاطفي في بعض المواضع، ولكن قيمة الكتاب تكمن فيما يلي:
أولًا : أن مؤلفه ممن تسلّم ذروة الهرم الثقافي في أمريكا، فهو أستاذ أكاديمي مشهور كما قدمنا، ويصدر في كتاباته عن وعي وقدم راسخة في مسارب الثقافة الأمريكية.
ثانيًا : أنه يهودي الديانة، أمريكي الجنسية والثقافة، يعني أنه بعيد كل البعد عن مواطن التحامل والإجحاف في هذا التقييم، وهذا يمنح نقده مصداقية وقيمة علمية لا تتأتى لغيره.
ثالثًا : قوة استدلالاته وتعضيده لآرائه، فهو لا يصف كلامًا إنشائيًا كحال الكثيرين عندنا ممن تناول السياسة الأمريكية بالنقد، وإنما يسوق الكثير من الأدلة والوثائق الدامغة والقاطعة، معتمدًا على موقعه الأكاديمي الذي يوفر له الاطلاع على المعلومات والوثائق التي قد لا تتوافر لغيره.
لعل فيما سبق إضاءة بسيطة لفهم واقع السياسة الأمريكية، وكيفية صياغتها، الأمر الذي سيحل الكثير من الإشكالات في ضوء الأحداث الجارية في فلسطين، إذ فيها موعظة وأي موعظة، فإذا كانت هذه الجرائم المذكورة في كتاب «تشومسكي» هذا، قد ارتكبت ضد أبناء ملتهم من النصارى!، فكيف إذا أضيف إلى عامل العداء المصلحي العامل العقدي الخطير كما هو الحال مع المسلمين؟.. «يا ليت قومي يعلمون».