العنوان الأبعاد السياسية والتاريخية لانضمام إسبانيا إلى شمال الأطلسي
الكاتب نوال السباعي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-ديسمبر-1996
مشاهدات 56
نشر في العدد 1230
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 17-ديسمبر-1996
- حكم الجنرال فرانكو خلال أربعين عامًا لعب دورًا أساسيًا في تخلف إسبانيا عن المسيرة الحضارية التي قطعتها أوروبا الغربية
- سولانا أول وزير خارجية أوروبي يعلن عن قرار قوات الحلفاء بالتدخل العسكري في البوسنة عام ١٩٩٥م.
وافق مجلس الشعب الإسباني في جلسته التي عقدها يوم الرابع عشر من نوفمبر الماضي وبأغلبية مائتين وثلاثة وتسعين صوتًا مقابل أربعة وعشرين صوتًا وامتناع عشرين عن التصويت على اندماج إسبانيا بصورة فورية وشاملة في مجمل الهياكل العسكرية العامة والخاصة لحلف شمال الأطلسي.
ويعتبر هذا القرار تحولًا تاريخيًّا جذريًّا في سياسات الدولة الإسبانية التي كانت تميل نحو عدم الانحياز منذ ستين عامًا، وكانت النواة الأولى لحلف شمال الأطلسي – كما قال الأستاذ نبيل شبيب – قد وضعت في بروكسل عام ١٩٤٨م، بتوقيع معاهدة تعاون أمني، ودفاع مشترك لمدة خمسين عامًا بين بلجيكا، فرنسا، ولوكسمبرج، وهولندا، وبريطانيا، ثم أعلن عن تأسيس الحلف رسميًّا، كمنظمة دفاعية في العام اللاحق ۱۹٤٩م، بإضافة البرتغال، وإيطاليا، والولايات المتحدة الأمريكية وكندا، وإيرلندا، والنرويج، والدانمارك.
ثم انضمت فيما بعد اليونان وتركيا، وألمانيا والتحقت إسبانيا عام ۱۹۸۱م بالحلف سياسيًّا فقط، وسبق ذلك انسحاب فرنسا من الجانب العسكري للحلف في الستينيات.
وتشمل وثيقة الحلف الرئيسية معاهدة للتعاون الاقتصادي والسياسي والاجتماعي بين الدول الموقعة، وتهدف بشكل رسمي للتعاون الأمني العسكري، وتؤكد على ترسيخ قيم الحضارة الغربية وعلى رأسها الديمقراطية والأمن والسلام الاجتماعي
إسبانيا الاستعمارية
تتمتع إسبانيا بموقع جغرافي حضاري خاص، وتشكل بسبب هذا الموقع موضع لقاء هام بين القارات والثقافات المختلفة، مستندة إلى تاريخ غني بحركات الفتوح والاختلاط بين مختلف الشعوب والحضارات والرسالات الإلهية.
ولقد لعبت إسبانيا إثر نهاية فترة الحكم الإسلامي فيها دورًا كبيرًا في الحروب الاستعمارية التي بدأت في القرن السادس عشر، ولم تنته حتى يومنا هذا، كما ساهمت اللغة الإسبانية والدين الكاثوليكي والثقافة الإسبانية المتولدة عنهما، بشكل بالغ في تدمير حضارات وثقافات ولغات شعوب أمريكا اللاتينية، وجعلها دولًا تابعة لإسبانيا سياسيًّا وثقافيًّا، على الرغم من الاستقلال العسكري والدبلوماسي، والذي نالته هذه الدول بعد حروب عنيفة، وثورات دموية اعتمدت فيها هذه الشعوب وبشكل أساسي على الاحتفاظ بـ هياكلها الاجتماعية وسماتها الحضارية العرقية، ولم يكن هذا الاستقلال في نهاية المطاف وعلى المدى البعيد إلا استقلالًا محاطًا بفقر سياسي مدقع، وعجز اقتصادي على الرغم من الثروات الجبارة التي اشتملت عليها هذه البلاد، ومشكلات داخلية وخارجية وحدودية جعلتها غير قادرة على الاستقرار.
كذلك احتفظت إسبانيا لنفسها بموضع قدم في الشمال الإفريقي، وكان لها اليد الطولى في إثارة قضية الصحراء الغربية، ومازالت إسبانيا حتى اليوم تعزز هذا الدور، وتغذي فتيل المشكلة القائمة فضلًا عن سياساتها في شمال المغرب، والتي تشمل ضم مدينتي سبتة ومليلة بشكل نهائي لا يقبل الشك ولا الجدل إلى السيادة الإسبانية.
كذلك فمازالت أوغندا وما حولها تعاني من الآثار المدمرة للاستعمار الإسباني.
وقد وصلت سطوة الأسطول الحربي الإسباني المستعمر إلى شرقي آسيا في القرن السادس والسابع عشر، وليس للمرء إلا أن يطلع على الفيليبين ومشكلاتها السياسية، وحروب العصابات الدائبة فيها.
إلا أن هذا الدور الاستعماري النشط قد تقلص بشكل واضح بسبب اضطراب وضع الملكية فيها في نهاية القرن التاسع عشر، ويسبب الأوضاع المتفجرة، والتي أدت في نهاية المطاف إلى الحرب الأهلية الإسبانية الشهيرة (١٩٣٦م –۱۹۳۹م)، والتي كانت كما يذكر كبار المؤرخين المعاصرين – أحد المحركات الرئيسية لاندلاع الحرب العالمية الثانية.
ولكن وعلى الرغم من هذا الانحسار الذي قعد بإسبانيا عن ممارسة دور فعال في حركة الاستعمار العسكري التي شملت العالم الإسلامي، فإن الوجود الاستعماري الإسباني لم ينقطع في كل من إفريقية وآسيا وجنوب أمريكا، وذلك عن طريق حملات التبشير المكثفة والضخمة، والتي مازالت تعمل حتى الآن باسم الكنيسة الكاثوليكية ممهدة الطريق ودائمًا لتثبيت قواعد الاستعمار اللغوي والفكري والعودة للاستعمار العسكري بشكله الحديث تحت اسم المساعدات الإنسانية، أو مهمات حفظ السلام.
إسبانيا اليوم
لا يخفى على المراقب أن حكم الجنرال فرانكو الاستبدادي كان قد لعب خلال أربعين عامًا دورًا أساسيًّا في تخلف إسبانيا الشاسع عن المسيرة الحضارية المادية الهائلة التي قطعتها أوروبا الغربية، ولم يغفر التاريخ لفرانكو ذلك على الرغم من أنه استطاع وقف الحرب الأهلية الناشبة بين اليسار واليمين، والتي – وعلى الرغم من قصر عمرها – اعتبرت من أفظع الحروب الأهلية التي شهدتها أوروبا في هذا القرن، كما لم يغفر لفرانكو حيلولته دون دخول إسبانيا الحرب العالمية الثانية؛ لأن الأذى الذي ترتب عن استبداده بالحكم فاق كل الدمار الذي لحق بأوروبا من جراء الحرب.
وانتهت بوفاة الجنرال فرانكو عام ١٩٧٩م حقبة ركود السياسة الخارجية الإسبانية، وبدأ عهد التحول السياسي الديمقراطي والانفتاح الخارجي متمثلًا برئيس الحكومة في ذلك الحين أدولفو سوارس، وأخذ هذا الانفتاح بالتنامي؛ حتى بلغ أوجه في انتظام إسبانيا مع دول الاتحاد الأوروبي عام ۱۹۸۲م، ومن ثم اندماجها في منظومته الاقتصادية والسياسية وبشكل رسمي عام ١٩٩٢م.
وقد ساعد استقرار العهد الاشتراكي خلال ثلاثة عشر عامًا على تطوير الرؤية المرجوة في إسبانيا، وفي أوروبا لدور إسبانيا في المنطقة وفي العالم، كما لعب فيليبه غونثالث رئيس الحكومة الاشتراكية المتتالية دورًا متميزًا في أوروبا، عن طريق العلاقات الشخصية القولية جدًّا مع رجال أوروبا البارزين وعلى رأسهم هيلموت كول.
كما صعدت إسبانيا من وجودها السياسي الاقتصادي المكثف في دول أمريكا اللاتينية، مما لفت نظر الولايات المتحدة الأمريكية إليها، وتوجت جهود إسبانيا في المحافل الدولية الأمريكية والأمريكية اللاتينية بشكل خاص بزيارة وارين كريستوفر، سكرتير الدولة للشؤون الخارجية في الولايات المتحدة الأمريكية إلى مدريد قبيل تسلم إسبانيا رئاسة الاتحاد الأوروبي، وبعد تورطها بصورة مباشرة في الحرب البوسنية عن طريق اشتراك طائرتين حربيتين (ف – (۱۸) إسبانيتين في القصف الذي قام به حلف شمال الأطلسي ضد مواقع الصرب عام ١٩٩٥م.
ثم قام كريستوفر بعقد اجتماعات مع كل من الملك ورئيس الحكومة، ووزير الخارجية خابيير سولانا، وكان محور هذه الاجتماعات الأهمية الإستراتيجية التي تتمتع بها إسبانيا على ثلاثة محاور: أوروبا، أمريكا اللاتينية، منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط.
كان سولانا أول وزير أوروبي قد أعلن قبيل سفره إلى واشنطن في (۲۲) يوليو عام ١٩٩٥م) عن قرار قوات الحلفاء بالتدخل العسكري في البوسنة كما أعلن عن وضع إسبانيا أرضها وقواعدها في خدمة العمليات الحربية الجوية في ذلك الحين.
کان سولانا كان قد أثبت وخلال الأعوام التي شغل فيها الحقيبة الوزارية الخاصة بالخارجية قدرة فائقة على تقريب وجهات النظر بين الجهات المختلفة، واستطاع أن يدفع بإسبانيا إلى مكانة مرموقة في المحافل العالمية.
فقد استطاع التوصل إلى اتفاق مرضٍ لجميع الأطراف لإنشاء السوق الجنوبية بين أهم دول أمريكا اللاتينية.
كما بذل جهودًا غير عادية للتحضير لمؤتمر السلام الذي عقد في مدريد، والذي جلست فيه الدول العربية مع إسرائيل، ولأول مرة بصورة علنية لبحث مشكلة المنطقة.
وأخيرًا فلقد كان واحدًا من أهم الأشخاص الذين صمموا وأخرجوا إطار حوض البحر الأبيض المتوسط، عن طريق مؤتمر برشلونة الذي عقد في أواخر عام ۱۹۹٥م، والذي قال عنه أحد كبار مؤسسي العمل الإسلامي في إسبانيا: «إنه الفصل الأخير في سلسلة تطبيع الوجود الإسرائيلي في قلب العالم الإسلامي، فبعد أن جعلت قضية فلسطين عربية، قلبت إلى شرق أوسطية، ثم ذوبت في مجموعة بلدان الأبيض المتوسط.
وأخيرًا.. حرك سولانا زيارة كلينتون إلى إسبانيا، والتي وقع فيها على اتفاق يضمن سير العلاقات التجارية والاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، وقد ظهر سولانا في هذا الحدث بالذات مدافعًا بشكل خاص عن العلاقات عبر الأطلسية، مما جعل الولايات المتحدة توليه عناية خاصة أثناء القفزة النوعية الهائلة التي حققها، وهو أول رجل إسباني يصل إلى مركز يتمتع بأهمية قصوى في عالم اليوم. وبعد الأزمة الخانقة التي تعرض لها حلف شمال الأطلسي إبان استقالة أمينه السابق، قامت الدول الأعضاء بترشيح خابيير سولانا، لشغل منصب الأمين العام للحلف، اعترافًا منها بالدور الإسباني النشط، ومحاولة إسبانيا لاستعادة مواقعها في صفوف السياسة العالمية مرة أخرى عن طريق مهام حفظ السلام، بعد أن حالت سياسات فرانكو دون أن تلعب دورًا فعالًا في مطلع هذا القرن عن طريق حملات الاستعمار، ولم يخرج اختيار كل من الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، لخابيير سولانا كأمين عام لحلف شمال الأطلسي، عن كونه رغبة تامة في أن تلعب إسبانيا الدور ذاته الذي يراد لسولانا أن يلعبه في الحلف، وهو دور داعية السلام الذي ينتمي لدولة ساعدت ونسقت وقدمت أراضيها لحلف شمال الأطلسي أثناء حرب الخليج الثانية، وأثناء اشتعال التمرد الصربي في البوسنة.
ويعتبر سولانا واحدًا من أبرز الشخصيات الثقافية والسياسية في إسبانيا، فهو يحمل درجة الدكتوراه في الفيزياء، وعمل مدرسًا محاضرًا في جامعات الولايات المتحدة، وفي جامعات إسبانيا.
وقد أعطى خلال أعوام طويلة انطباعًا بأنه الرجل الطيب في الحزب الاشتراكي والوزير الوحيد الذي بقي إلى جانب غونثالث في جميع الحكومات الاشتراكية التي شكلها.
وكان قد شغل منصب وزير الثقافة، ووزير التربية والناطق الرسمي باسم الحكومة، ثم وزير الخارجية، ونائب رئيس الحكومة.
ومن الطريف والملفت للنظر أن سولانا شخصيًّا كان أحد كبار المعارضين لإنتماء إسبانيا إلى حلف شمال الأطلسي، إذ دعا الشعب إلى التصويت ضد دخول إسبانيا الحلف، وذلك في الاستفتاء الشعبي العام الذي أجري عام ١٩٨٦م.
إسبانيا تنضم إلى حلف شمال الأطلسي
قام سولانا بزيارة رسمية إلى بلاده في التاسع من سبتمبر من هذا العام، بصفته الأمين التاسع لحلف شمال الأطلسي، والذي يحمل مهمة محددة، هي استكمال الإجراءات اللازمة لضم إسبانيا بصورة عاجلة، وعلى جميع المستويات إلى مظلة هذا الحلف، الذي بدأ بإعادة النظر بشكل عام في أهدافه وسبل تعامله مع المشكلات الطارئة، وتركيبة بنائه.
وقد أسهب سولانا في شرح وجهة نظره المتولدة عن التغييرات الجذرية التي طرأت على حلف شمال الأطلسي، والتي تستند – من وجهة نظرنا – إلى ثلاثة أسباب رئيسية:
1. نهاية الحرب الباردة بعد تفتت الاتحاد السوفييتي وانهيار الجبهة الشيوعية الشرقية.
2. التغيرات الديمقراطية والسياسية في روسيا التي كانت تشكل رأس الحربة لموجهة إلى الغرب.
3. سقوط جدار برلين، وتوحيد شطري ألمانيا الشرقية والغربية، وتترتب على هذه الأسباب ثلاثة نتائج فاصلة في الانعطاف الذي يبديه حلف شمال الأطلسي في سياساته الحديثة.
أ - اختفاء الخطر الشيوعي الذي كان المبرر الرئيسي لنشوء حلف شمال الأطلسي.
ب – تميع الهوية الخاصة لكل من سياسات اليمين واليسار الأوروبيين.
ج - ظهور بديل إستراتيجي حضاري يغذي تكتل بلدان حلف شمال الأطلسي حول مهام جديدة تبرر استمرارها في عملية تكديس الجهود العسكرية لتصريفها في ثلاثة اتجاهات:
1. مكافحة الإرهاب (دون تحديد ماهية الإرهاب ولا هويته).
2. مواجهة الأزمات الإقليمية الأوروبية.
3. حل الخلافات العالمية باسم: فرض السلام المساعدات الإنسانية، وقف النزاعات الأهلية في دول أخرى.
وكان وزير الخارجية الإسباني أبل ماتوتس قد تقدم لسولانا بشروط بلاده الثلاثة للانضمام للحلف، والذي سيكلف إسبانيا ١٧١ مليون دولار تقريبًا في كل عام، وهي إعادة النظر في تحديث بناء هياكل الحلف العامة، ضرورة تميز الهوية الأوروبية الخاصة في إطار الدفاع والأمن المشترك، وذلك في إشارة واضحة إلى الرغبة الفرنسية – الإسبانية، في الاستقلال بالرأي واتخاذ القرار عن الولايات المتحدة الأمريكية، وأخيرًا منح إسبانيا صلاحيات استثنائية تمكنها من التحرك في أبعاد موقعها الجغرافي – التاريخي لرد الأخطار المحدقة بالاتحاد الأوروبي، والتي مصدرها بلدان المغرب العربي.
ويستلزم ذلك تمكين إسبانيا من إدارة العمليات العسكرية في جبل طارق – كما قال الوزير – وهو الشيء الذي لم يتحقق لإسبانيا، وقد أكد سولانا عشية تصويت مجلس الشعب الإسباني على قرار اندماج إسبانيا في حلف شمال الأطلسي، على أن إسبانيا مضطرة للتصويت بالإيجاب؛ لتكون كما نتطلع في مصاف الدول التي تستطيع اتخاذ القرار في عالم اليوم.
كما صرحت الأحزاب الحليفة للحكومة بعد التصويت على انضمام إسبانيا إلى الحلف بأن وجود إسبانيا في هذا الحلف؛ يعني ضمان السلام والتقدم لأوروبا كلها، وقال جوردي بوجول حاكم كاتالونية: «إنه من غير الممكن لدولة أوروبية كإسبانيا أن تكون في السوق الأوروبية الاقتصادية المشتركة دون أن تشكل جزءًا أساسيًّا من الشرائح القيادية لآلية الأمن والدفاع الأوروبيين المشتركين.
الناتو.. والتهديدات الجديدة
نشرت صحيفة الموندو الإسبانية في عدديها الصادرين يوم الخامس والعشرين، والسادس والعشرين من شهر نوفمبر من هذا العام، تقارير سرية صادرة عن حلف شمال الأطلسي، بينها تقرير تحليلي إستراتيجي (25/11/1966 ص7) لا يرى على المدى القريب أو البعيد من (۱۰) إلى ١٥ عامًا) أي تهديد على الإطلاق لأمن الحلفاء وسلامة أراضيهم ودولهم؛ إلا أنه ودون أدنى شك. والكلام مازال
للصحيفة. يجد تهديدًا ينتظره بسبب مرور هذه السنوات المذكورة، ويعتبره تهديدًا ذي ثقل خاص مصدره كل مرة روسيا إيران العراق، سورية وليبيا، وكذلك الإرهاب الدولي، والتطرف الديني والإنتاج السري والعلني لأسلحة الدمار الشامل في كل من منطقة الشمال الإفريقي، والشرق الأوسط.
وتأتي في الدرجة الثانية قضية تهديد أمن حلف شمال الأطلسي، عن طريق احتمالات الهجرات الكثيفة نحو أوروبا، وكذلك عدم الاستقرار في منطقة البلقان.
ويعلق أحد المحللين السياسيين الإسبان فيليبه صهیون» على هذا التقرير بقوله: يكشف هذا التقرير الذي ورد يتيمًا من المعطيات والإحصائيات على الرغم من أنها معطيات وإحصائيات معروفة لدى الباحثين، بل لدى المجلات المختصة، يكشف عن قلق حلف شمال الأطلسي الحالي بسبب تأخر إسبانيا في الانضمام للحلف، كما يقدم خريطة واضحة للمواضع الساخنة والتي فيها مفاتيح الوضع العالمي العام اليوم.
وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها إسبانيا لإجراء حوار بين حلف شمال الأطلسي، وبلدان حوض البحر الأبيض المتوسط، فإن التقرير التحليلي المذكور مازال يرى وبوضوح قضية التطرف الديني والإسلامي منه بشكل خاص، أحد المصادر الرئيسية والأساسية لتهديد السلام العالمي داخل وخارج مناطق حلف شمال الأطلسي، وإنه لمن دواعي الاستغراب التام أن يعمد حلف شمال الأطلسي إلى تعميم تقرير تحليلي إستراتيجي بهذا الشكل الفاضح إلى درجة اعتباره بيانًا عامًا تم توزيعه على الشعب الإسباني، لا تقريرًا سريًّا مخصصًا لإدارات القواعد العسكرية في حلف شمال الأطلسي.
ولعله لا يخفى على المراقب كذلك أن حلف شمال الأطلسي الذي فقد مبرر وجوده كحلف عسكري تأسس لدفع شرور الشيوعية في أوروبا يريد اختراع، أو البحث عن عدو وهمي يبرر من خلال الإعداد له استمرار وجوده، بل إعادة النظر في هياكله السياسية والعسكرية وتحديث أساليبه وعدده وعتاده والالتفاف من جديد على هدف يضم الحلفاء، ويزيدهم تماسكًا، وتعاونًا، ودعمًا.
فبلد مثل إسبانيا مثلًا، تقوم حكومته اليمينية المتخفية بقناع الوسط المحافظ، باتخاذ تدابير اقتصادية جعلت الشعب يئن إلى درجة القيام باستماتة مظاهرة احتجاج في يوم واحد فقط من الأسبوع المنصرم ... يخرج فيه وزير الدفاع ليعلن عن تكاليف دخول إسبانيا حلف شمال الأطلسي، والتي ستبلغ ۱۷۰ مليون دولار سنويًا، عدا تطوير أسلحة الإنذار المبكر، وإعادة تسليح الجيش، وتجهيز القوة العسكرية الجوية الإسبانية بما يجعلها في سوية جيوش الحلفاء، وكلفة ذلك لا تقل عن بليوني بيسيئة إسبانية (كل دولار يعادل ١٢٠ بيسيتة).
ولا يستطيع شعب كالشعب الإسباني، ومهما بلغت قدرته على التطور، ورغبته في النمو الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، لا يستطيع استيعاب مثل هذا التغيير الجذري التاريخي في تاريخه وإرادته ومصيره ومستقبله ومهمته في هذا النظام العالمي الجديد القديم، ولذلك فقد كانت ضرورة ملحة أن تعمد أجهزة الإعلام التي تدعم الحكومة اليمينية وسياساتها إلى نشر مثل هذه التقارير السرية التي لا هدف منها إلا تسريب الخوف إلى نفوس الشعوب الآمنة، وإقناعها عن طريق الخوف كذلك بالانضمام إلى التكتلات الاقتصادية السياسية، أو العسكرية التي تأخذ أهمية قصوى في عالمنا اليوم، وبالتالي صرف طاقاتها المتعددة لخدمة أهداف غير واضحة تنشرها جهات غير منظورة، في عالم تائه، ضائع يهيم على وجهه وباسم السلام، وعمليات حفظ السلام، تعد العدة للحرب والدمار وفتح أسواق جديدة لتصريف صناعة أسلحتها هنا وهناك.
إن حلف شمال الأطلسي الذي تستوي في نظره أسلحة الدمار الشامل مع نزوح حركات هجرة البشر المكثفة نحوه، سيبذل قصارى جهده؛ ليكسو التهديدات الشبحية التي يركز أبحاثه حولها أجسادًا تجعلها تهديدات حية يبرر من خلال إثارة الخوف منها القيام بمهماته الجديدة، ومن ثم ليستطيع الحلفاء العودة إلى هذه المنطقة من العالم. والتي لم تستطع شعوبها الاستفادة من الفرصة الذهبية التي أتيحت لها خلال الأعوام الخمسين الأخيرة؛ حيث سعر الغرب غزوه الثقافي لهذه الأمة، فألقت أسلحتها، وفشلت في فرض سيادتها على أرضها وحاضرها، كما تأخرت في البحث عن هويتها الأصلية، والتي فيها الوسيلة الوحيدة للخلاص الحقيقي لها، ولغيرها من شعوب العالم المخدوعة والمضللة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل