; «امرؤ القيس» الجاهلي «وقسيس» القرن العشرين | مجلة المجتمع

العنوان «امرؤ القيس» الجاهلي «وقسيس» القرن العشرين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-مايو-1981

مشاهدات 66

نشر في العدد 529

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 19-مايو-1981

 من النوادر المعروفة التي تُروى عن الشاعر الجاهلي امرؤ القيس ابن حجر الكندي الملقب بـ «الملك الضليل» و«حامل لواء الشعراء إلى النار»، أنه ذهب إلى إلهه (الصنم) الذي كان يعبده ليستشيره في الأخذ بثأر أبيه حجر ملك كندة بعد أن قتله شعبه، وأخذ يضرب بالقداح أمام الصنم متوقعًا من إلهه أن يشد من أزره ويشجعه على المضي في خطة الانتقام لوالده المقتول.. ولكن في كل مرة كان القدح المكتوب عليه «لا تفعل» هو الذي يخرج له، وبعد تكرار الاستقسام عدة مرات وتكرر خروج القدح «الناهي» استشاط امرؤ القيس غضبًا ورمى بالقداح في وجه الصنم، وقال له: «لو أبوك هو الذي قُتل لما نهيتني عن الأخذ بثأره»..

كان ذلك هو موقف الجاهلي المشرك الوثني من إلهه الحجر.. رمى القداح في وجهه وانصرف غاضبًا عازمًا على مخالفة أمره والمُضي في الإعداد لحرب بني كندة.

أما في القرن العشرين، وعلى أبواب القرن الحادي والعشرين، وفي معقل المسيحية «إيطاليا» فهناك موقف مشابه تتجلّى فيه «جاهلية» أشد عنفًا وسوءا.

فقد نشرت صحيفة «الوطن» الكويتية «6/1/1981م - ص20» خبرًا نصه:

«هاجم قسيس إيطالي تمثال مريم العذراء في كنيسة البلدة عندما يئس من استجابة مريم لصلاته ودعواته بشفاء اثنين من أطفاله الستَّة أصيبا بمرض السرطان، وبعد أن رأى الابن الثالث يقع فريسة للمرض نفسه، وكان الأب أنطونيو بيرتولينو «47 عامًا» قد دخل الكنيسة أول أمس وحاول هدم تمثال مريم العذراء».

إن «امرؤ القيس» لم يكن رجل دين ولا قسيسًا، بل كان «ضليلًا» عاش حياة مُنْحَلَّة بين الخمر والنساء، ومع ذلك كان أكثر أدبًا مع صنمه من ذلك القسيس مع (صنمه)، وكان امرؤ القيس ربيب بيئة وثنية لم تعرف غير الوثنية وأصنامها دينًا... أما القسيس «الأب» فالمفترض فيه أنه ابن القرن العشرين المتحضر، وأنه مسيحي يؤمن بالله أو حتى بثلاثة آلهة أو بإله مركب من ثلاثة.. فكيف ساغ له -وهو القيم على العقيدة المسيحية- أن يطلب الشفاء من تمثال العذراء.. التمثال الذي يعرف حق المعرفة أنه مادة صماء صنعتها يد بشر.. فما له يتوقع منه الشفاء.. ويثور عليه ويحطمه إذا لم يحقق له ما يريد؟ وكيف يسوغ في ذهنه أن يطلب الشفاء حتى من «مريم» نفسها -ولو كانت حيَّة- مادامت بشرًا وليست إلهًا؟

لقد كان العرب في جاهليتهم يقولون عن معبوداتهم غير الله: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفی» أما تصرف هذا القسيس فإنه يعكس عقيدة في قدرة «صنم» العذراء على تحقيق المعجزات.. فأي الجاهليتين أضيق أفقًا وأوغل في «الوثنية» و«المادية»؟!

ألا ما أروع الاسلام وأسماه وأظهره حين يقتلع من حسِّ المسلم ونفسه كل تلك التصورات والاعتقادات الوثنية ويمحض عبوديته الله وحده! لا يلجأ إلا إليه ولا يستعين إلا به ﴿ِإيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة:5)، ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (الممتحنة:4).

ألا ما أعظم حِكمة الإسلام حين حرم تحريمًا قاطعًا صنع التماثيل -أي تماثيل- واقتناءها، وحتى صور الإنسان والحيوان -على أرجح الآراء- إذا كانت هناك فتنة تعظيم أو تقديس! إن تلك التماثيل والصور باب واسع ينزلق منه الناس إلى الشرك والوثنية..

ولذا حكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على صانعها ومقتنيها بأنهم شرار الخلق عند الله يوم القيامة، وصدق الله العظيم: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:85).

بقلم: عبدالله عبدالشافي

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل