; لماذا غضب الملك؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا غضب الملك؟

الكاتب عبدالله الصالح

تاريخ النشر الثلاثاء 27-مارس-1984

مشاهدات 69

نشر في العدد 664

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 27-مارس-1984

  • في أسبوع واحد الملك حسين يهاجم السياسة الأمريكية أربع مرات.
  •  أمريكا منحازة لإسرائيل، ولا تملك أن تكون وسيطًا أمينًا في عملية السلام.

شن الملك حسين في حديث مع صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية يوم (١٥) الشهر الجاري هجومًا مريرًا على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، واصفًا إياها «بالازدواجية» في المفاهيم، «والتحيز» في تأييدها لإسرائيل، الحال الذي يصعب أن يتصور أحد أن تتم فيه مفاوضات بين العرب وإسرائيل، وأوضح أنه يرفض سياسة ريغن الهادفة إلى تشجيع الأردن وعناصر فلسطينية معتدلة على الدخول في مفاوضات مع إسرائيل. 

     وجدد الملك انتقاداته للسياسة الأمريكية بعد أربعة أيام فقط من حديثه للنيويورك تايمز في مقابلة تلفزيونية مع محطة سي بي إس الأمريكية يوم ۱۹ مارس الجاري، ومقابلة أخرى مع راديو لندن بث يوم (۲۰) مارس الجاري، وحديث مع الواشنطن بوست الأمريكية في نفس اليوم.

  • انتقادات مريرة:

     وصراحة الملك في انتقاده للسياسة الأمريكية ومن خلال وسائل إعلامية أمريكية في فترة زمنية قصيرة- توحي بأن الملك الذي لم ينكر حفاظه على الصداقة الأمريكية بات غضبان من هذه السياسة ولم يطق سكوتًا، ومع أن تصريحات الحسين تبدو أحيانًا متشائمة، وأحيانًا أخرى أقل تشاؤمًا -على حد تعبير جون هيوز الناطق باسم الخارجية الأمريكية- إلا أنها هذه المرة تحمل في طياتها غضبًا وانتقادات سماها الأمريكيون أنفسهم «مريرة»، فلماذا غضب الملك الأردني؟ وهل سيطول هذا الغضب؟ وهل سيذهب الأمر بالأردن إلى حد «الانعتاق» من الصداقة الأمريكية؟ 

     الأمر الذي أجمع عليه المراقبون العرب والأجانب أن سياسة الولايات المتحدة التي كان الحسين بليغًا وصريحًا في انتقادها، تريد من الأطراف العربية الصديقة أو «الحليفة» -كما هو الله معروف للجميع- أن تمشي في الطريق الذي ترسمه لها أمريكا مهما كان هذا الطريق محفوفًا بالمخاطر، ويؤدي بمصالح الحلفاء إلى الهاوية، فأمريكا تريد من الحسين -منذ عهد كارتر، كما صرح مضر بدران رئيس الوزراء الأردني السابق- أن يدخل في كمب ديفيد الأصلي أو المعدل المسمى (مبادرة ريغان)، ومع أن الحسين أحيا الروح في مبادرة ريغان كما ذكر المحطة سي. بي. إس. إلا أن إسرائيل قبرتها وهي في الرحم، وبدأت في إجراءات الضم الفعلي للضفة الغربية من تهجير السكان إلى الأغوار، وبناء المستوطنات، وتطبيق القوانين الإسرائيلية، كل ذلك يتم بمعونات ومساعدات أمريكية مادية وسياسية، ومع ذلك تصر أمريكا على الملك أن يدخل في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، فكيف يدخل الملك في مفاوضات مباشرة مع طرف قوي ليس عنده استعداد للتنازل عن أية قطعة من الأرض؟

  • مطالب:

     وعندما تصل الأمور إلى أكثر من ذلك يحق للملك أن يغضب معاتبًا، وأن يجهر في صوته؛ فالملك الذي دخل في مفاوضات مع منظمة التحرير حاول تشكيل وفد مشترك للدخول في مفاوضات لحل أزمة الشرق الأوسط، معرضًا ذلك سياسته لمخاطر النقد والمعارضة من بعض الجهات العربية والفلسطينية، كان يأمل من الحليف الأمريكي كقوة دولية كبرى أن يستجيب لبعض مطالبه بخصوص الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية ولكن الملك الذي زار واشنطن قبل شهر، وتلقى في حينها تطمينات من الرئيس ريغن، لم يلبث وهو يراقب تراجع السياسة الأمريكية في لبنان أن صدم بعدم استجابة الإدارة الأمريكية لبعض مطالبه.

  • المطلب الأول كان رفض الإدارة الأمريكية التعاون في التوصل إلى قرار دولي يدين سياسة إسرائيل إزاء المستوطنات في الضفة الغربية، وطلب إيقافها.
  • المطلب الثاني كان رفض الضغط على إسرائيل لكي تسمح للفلسطينيين الأعضاء في المجلس الوطني الفلسطيني بالخروج من الأرض المحتلة لحضور اجتماعات المجلس، المتوقع انعقادها في إبريل القادم، الأمر الذي يرجح سياسة جناح عرفات المؤيد للكونفدرالية الأردنية الفلسطينية.

     ومع أن المسؤولين الأمريكان اعترفوا في أحاديثهم الخاصة أنهم كانوا يترنحون من تصريحات الملك حسين، التي قال فيها إن واشنطن لا تفي بالتزاماتها في الشرق الأوسط وأنها بانحيازها لإسرائيل لا يمكن أن تقوم بدور الوسيط الأمين في عملية السلام.

  • لا صواريخ:

     وأن هذه التصريحات كانت سببًا في اتخاذ ريغان قرارًا بسحب طلبه من الكونغرس الخاص بتزويد الأردن والسعودية بصواريخ ستينغر التي تحمل على الكتف، إلا أن الإدارة الأمريكية -على لسان ريغان ووزير الخارجية جورج شولتز الذي عقد مؤتمرًا صحفيًا خاصًا- أصرت على أنها لا تزال على سياستها المرتكزة على أساس مبادرة ريغان، وأنحت باللائمة على الحسين والمعتدلين العرب الذين لم يجدوا الشجاعة الكافية بعد لعقد مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

     ولذلك أشار الملك الأردني في حديثه مع محطة سي. بي. إس إلى أن الأردن والعرب عمومًا لا يملكون التأثير على الرأي العام الأمريكي وعلى الكونغرس كما تملك إسرائيل، كما لا يملكون التأثير على إسرائيل لتجميد الاستيطان والتخلي عن الضفة الغربية، كما تملك الولايات المتحدة التي لم تكلف نفسها عناء الضغط على إسرائيل، بل إنها تسوغ موقف المسؤولين اليهود، وتطلب منا التفاوض على لا شيء.

     والذي يقرأ تصريحات الملك الأخيرة يشعر كم هو متأثر ومتألم من سياسة الحليف الأمريكي.

      ولكن إشارة الملك إلى احتمال أن يلجأ إلى الاتحاد السوفياتي للتزود بالسلاح فيما إذا أخفقت الإدارة الأمريكية بتلبية رغباته، فإنه سبق للملك أن هدد به أكثر من مرة، ولكنه تجنبه دائمًا بالفعل، فالملك مهما غضب من السياسة الأمريكية إلا أنه بحكم حاجته للمساعدات الأمريكية والمالية، وضعف موقفه العسكري إزاء إسرائيل أو أية أطماع إقليمية أخرى، وبحكم تكوين تسليح الجيش الأردني- لا يملك أن ينعتق كلية من طوق الصداقة الأمريكية.

  •  
  • حلف جديد: 

     ومن إدراك هذه الحقيقة، بالإضافة إلى تعويل الولايات المتحدة على الأردن في حلف عربي جديد، يضم مصر، والأردن، والعراق، والسعودية- ذهب بعض المراقبين وبعض الأطراف السياسية العربية المناوئة للنظام الأردني إلى أن تصريحات الملك لا تعدو عن كونها دورًا في مسرحية، يعدها محور الاعتدال العربي للمضي قدمًا في خدمة المخطط الأمريكي، فقد هاجمت صحيفة تشرين السورية تصريحات الملك حسين، وأكدت أنه لا يمكن لسوريا أن تتعاون مع النظم العميلة بحسب وجهة نظرها، وأنها بعد توصلها إلى تسوية في لبنان ستضغط بكل وزنها من أجل استعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ومن أجل إحباط اتفاقيتي كمب ديفيد، وإعادة مصر داخل الأمة العربية.

     وهذا التعليق الموجز لصحيفة تشرين السورية الناطقة باسم نظام الحكم السوري تشير إلى موضع الجرح بصورة غير مباشرة، الجرح المقصود هو جرح الملك حسين، الذي بدأ يؤلمه إلى حد الجهر بالنقد المرير للسياسة الأمريكية، ولقد كانت صحيفة لوموند الفرنسية محقة عندما قالت: إن تصريحات ملك الأردن أشارت من طرف خفي إلى أن الملك الذي استشهد بتخلي أمريكا عن الرئيس اللبناني أمين الجميل، وانتصار سياسة سورية في لبنان فأن له الحق بأن يفكر مرتين قبل الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة في مفاوضات تعارضها سوريا».

  • خطر:

     ومن هنا فإن المراقب المتأمل لأحاديث الملك للصحافة الأمريكية التي أشارت للخطر السوري باقتضاب، وباستذكار تصريح رئيس الوزراء الأردني السابق مضر بدران الذي أوضح فيه أن إدارة كارتر ضغطت على الأردن بشدة للدخول في كمب ديفيد، لا يسع المراقب إلا أن يستنتج أن السبب الرئيسي لغضب الملك الأردني هو الخوف على أمن الأردن من جهة إسرائيل، التي يرى رئيس وزرائها أن الأردن هو الوطن البديل للفلسطينيين وسوريا التي آلت على نفسها محاربة التقارب الأردني الفلسطيني، وربما يأتي في هذا السياق إقدام سوريا على نقل قوات المنشقين إلى الحدود السورية الأردنية.

     وثمة معلومات من مصادر مطلعة تقول بأن المسؤولين الأردنيين باتوا مقتنعين بأن النظام السوري يشكل خطرًا على أمن الأردن، وكإشارة على هذه القناعة كما تقول المصادر؛ عاد الأردن للتنسيق مع أعداء النظام من جديد بعدما طلب منها سابقًا وقف نشاطها من الأردن. 

     ومما يؤيد ما ذهبنا إليه الثناء المتواصل على النظام السوري من قبل الإعلام الأمريكي بشكل خاص، وتسريب معلومات عن أطماع سورية في الأردن من خلال طرح مصطلح «جنوب سوريا» في الوقت الذي يشير فيه ريغان إلى خطر سوري إيراني على الأردن بشكل خاص، ومحور الاعتدال بشكل عام.

     ولا شك أن النظام السوري الذي نجح في الحفاظ على لبنان بقيادة المارونيين، والمدعوم عسكريًا من الاتحاد السوفياتي، ولازال النظام فيه مستقرًا بالرغم من كل الرياح التي هبت عليه- قادر على أن يكمل المشوار، ولعل الملك حسين يشير إلى ذلك بقوله: «إن هنالك تطابقًا في المصالح بين إسرائيل والذين يعارضون مفاوضات السلام من العرب»، وإلى هذا أشار عرفات كذلك في مقابلته مع الوطن العربي في الأسبوع الماضي.

     وما دام الأمر كذلك، فأن «الاعتدال» والتطرف في السياسة العربية بالرغم من بعض الحق الذي يستندان إليه، إلا أنهما على أية حال لعبة يتقنها العرب لتكون النتيجة لصالح أعداء الأمة على حساب الشعوب المستضعفة، المغلوبة على أمرها، يجذبها هذا الطرف أو ذاك.

فمتى تتعظ الأمة، ويرجع المسؤولون فيها إلى الحق؟ يا قوم: «أليس منكم رجل رشيد»؟

الرابط المختصر :