; مواقف خالدة.. فارس حطين | مجلة المجتمع

العنوان مواقف خالدة.. فارس حطين

الكاتب نصر الدين العديلي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-1972

مشاهدات 114

نشر في العدد 100

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 16-مايو-1972

 • كان الشرق الإسلامي في أواخر القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر الميلادي، في حالة من الفوضى والاضطراب لم يسبق لها مثيل، فالمسلمون قد اتسعت الهوة بينهم وبين تعاليم دينهم، فسادت الأهواء معظم تصرفاتهم وأعمالهم، حتى أصبحوا مطية طيعة لهواة الحكم والزعامة، مما شجع هؤلاء أن يسلكوا مسلكًا تخريبيًا قضى على أمن البلاد والعباد، وفصم عرى الوحدة والألفة بين أفراد الأمة الواحدة، وقسم الوطن الكبير إلى كيانات سياسية هزيلة، على رأس كل كيان ملك أو سلطان أو وزير، لا تربطه بدولة الخلافة في بغداد إلا دعوات يرددها الأئمة على المنابر، للخليفة الذي قعد به ضعفه أو قيده هواه عن معالجة هذه الأوضاع المتردية، بما يرضي الله ويحفظ على جماعة المسلمين أمنها وسلامة أحوالها و اعتراضها، ورد كيد الطامعين في احتلال بلادها ونهب خيراتها.

• وصدف في تلك الأثناء أن زار فلسطين بطرس الناسك من أوروبا، فشاهد ما شاهد من تردي أوضاع المسلمين وسمع الشيء الكثير عن هذا التردي، مما أغراه بالرجوع مسرعًا إلى أوروبا ليذكي نار الحقد في قلوب أبنائها، ويحثهم على احتلال بلاد الشرق بلاد السحر والجمال والخير الوفير، بلاد الرسل والأنبياء ومهبط وحي السماء، وأينما طاف الرجل على حماره تجمع جهلة أوروبا من حوله، يستمعون لخطبه النارية وآهاته الحزينة على أتباع المسيح «عليه السلام» الذين يذبحهم كفار المسلمين بزعمه!!

فانخدع القوم بمظهر وكلام هذا البطرس الحاقد، وثارت حميتهم وتحركت أطماعهم لخيرات الشرق وكنوزه فكانت حملة صليبية تلتها حملات، كل واحدة منها تريد تحرير قبر المسيح «عليه السلام» ويدفعهـا شوقًا لسفك الدماء، دماء المسلمين.

• عصف رياح الحقد الصليبي في ديار الإسلام، فكانت أصداؤها أنات المذبوحين، وصراخ الأرامل واليتامى والثكالى على أزواج بقرت بطونهم أو آباء ذُبحوا أو أطفال أبرياء داستهم الخيل فعجنت لحمهم بتراب الأرض، عصفت رياح الحقد الصليبي في ديار الإسلام فتهاوت الكيانات السياسية الهزيلة وذل ملوك وسلاطين، كانت قصورهم بالأمس تتلألأ في جنباتها الأنوار وتنبعث منها أصوات الغانيات، واليوم لا يرون إلا الظلام وتقرع أسماعهم قهقهات الحاقدين طربًا لهذه البطولات التي ستتحدث عنها الزوجات والخليلات في أوروبا، وتكون إلهامًا للشعراء والقصاصين تلهمهم قصصًا وأشعارًا يغذون بها نزعة الوحش في الإنسان الأوروبي!!

• وعاشت أمة الإسلام في كرب شديد قرابة قرنين، تكافح الظلم وتجاهد لدفع العدوان، وهي موزعة الجهود والطاقات بانتظار الفارس الذي سيقود مسيرتها لوقف نزيف الدماء المهدورة على مذبح الأنانية والخلافات الشخصية بين حكام ذلك الزمان، والتي ما كان لها أن تنزف بذلك الشكل المريع لو نسي أولئك الحكام خلافاتهم وتوحدوا أمام الخطر الداعم، وانتظرت الأمة الإسلامية وطـال عذابها، وحجبت سحائب الذل في سمائها شمس الحرية والعزة والكرامة، فغدت تسير في تيه لا يستقيم لها خطو، فأني لها ذلك وهي لا تسلك جددًا فطريقها موهه هواة التزعم بعد أن زرعوه بالمطبات السحيقة!!

• ومضى عام تلته عشرات الأعوام على هذا الحال البائس وصيحات الإنذار تنطلق هنا وهناك تهيب بالناس الرجوع إلى الله والتقيد بأحكام دينه عساه سبحانه يهيئ لهم من يقودهم للخلاص من هذا البلاء

﴿إنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ. (سورة الرعد: آية 11)

وفعلًا بدأت الأمة تتجه إلى الله فجاءها بالفرج، وتحققت آمال الساهرين وأثمرت تضحياتهم،  لقد ظهر الفارس من بين جموع الإيمان أمل كل جيل وعنوان رفضه أنه فارس نبيل، ها هو يمهد السبيل فيردم المطبات ويسوي الحفر، يضمد الجراح ويعالج الصدور، برفق وبدون ضوضاء يوحد الممالك ويدني المخلصين والركب تعاظم، لقد كثر الوافدون من كل جنس ولون، تعددت الأجناس والألوان، لكنها اتحدت على دين واحد وهدف واحد، لقد أخلصت عبادتها لله وحده فتحررت من عبادة « الطواغيت » فهي جموع مؤمنة، هدفها الجهاد في سبيل الله لتحرير بلاد الإسلام، وليس الاقتتال للحفاظ على مصالح وزير أو سلطان.

• ولكن هواة التزعم مثيري الفتن، لعنة كل جيل هل يتركون ركب الإيمان يسير لغايته دون أن يضعوا العراقيل في دربه؟ إنهم في الحقيقة لا يتورعون عن هذا العمل الخسيس، ولكن الصبح إذا أسفر آوت الهوام إلى جحورها فكيف والشمس في رابعة النهار؟

لقد بانت حقيقة الفارس لرواد الحرية والكرامة فبينه وبين هؤلاء الأقزام كما بين الثريا والثرى، فلتكن المطبات قبورًا لهم، والبلاد التي حولها الصليبيون إلى أطلال ستصبح حصونًا شامخة، وليل العذاب الذي دام قرابة قرنين سينجلي.

• لله در صلاح الدين من بطل، أحس بقلبه الكبير مشاكل أمته فوعاها، وأدرك ما به بحل هذه المشاكل، لقد بعث في الأمة روح الجهاد والاستشهاد في سبيل الله فكان لها النصر في بضع سنين نصر أعد له المخلصون عدته، طهروا القلوب من الحقد والنفاق وحب الزعامة والتزعم حتى غدا الناس إخوانًا متحابين هدفهم الأول والأخير رضى الله الذي علم صدقهم فأثابهم فتحًا قريبًا، فتحررت الأرض وصين العرض، وكانت بطولات لا زالت تدوي في سمع الزمن، حطين إحداها وتحرير القدس وتطهير الأقصى تاجها.

• والآن، أين نحن من ذلك الفارس وأولئك الأحرار؟ هل سنقف مثل مواقفهم الخالدة؟ هل سترتفع إلى آفاقهم وترفع الراية التي رفعوا؟، أم ترانا في عداد من عناهم الكواكبي بقوله «لفظتكم الأرض لتكونوا على ظهرها وأنتم حريصون على أن تنغرسوا في جوفها، النبات يطلب العلو وأنتم تطلبون الانخفاض، البهائم تود لو تنتصب قاماتها وأنتم من كثرة الخضوع كادت تصير أيديكم قوائم»؟

• إن تلك البطولات الإسلامية وغيرها تهتف بنا لتذكرنا بأيام الله، وتشرح لنا كيف يكون النصر ويهزم الأعداء، فهل تصيبنا نفحة من بدر، أو القادسية أو اليرموك أو حطين وعين جالوت لنحرر الأرض ونصون العرض؟

·     ما أقرب ذلك وما أيسر تحقيقه شريطة أن يكون الله غايتنا ومحمد -صلى الله عليه وسلم- قدوتنا، والقرآن منظم جميع نشاطاتنا، وحينئذ نشعر برعاية الله لنا ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا(سورة العنكبوت: آية ٦٩).

وفي هذا الجو من الطمأنينة والعمل المخلص نتوقع نصر الله، ولا بد أنه آت بعونه تعالى حيث لا يخلف لعباده وعدًا ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. (سورة النور:آية ٥٥).

نصر الدين العديلي

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل