; القراءة الصحيحة للوقائع واجبة !! | مجلة المجتمع

العنوان القراءة الصحيحة للوقائع واجبة !!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 06-أغسطس-2011

مشاهدات 59

نشر في العدد 1964

نشر في الصفحة 43

السبت 06-أغسطس-2011

عزائي عظيم للذين لا يقرؤون الوقائع بوعي ودهشتي أكبر للذين لا يفقهون الحوادث بعمق ولا يستطيعون قراءة خطاب العصر بتجرد أو يعقلون سنن الحياة وأسباب الحوادث ببصيرة، إنني في ساعات كثيرة أشفق على أقلام كثيرة؛ لأنها تكتب بتقيحات آسنة لا بمداد مضيء، وبسطحية تدعو إلى الرثاء، لا بعمق يدعو إلى الفقه والتأمل لقد كثر الخبط العشوائي في الحوادث وفي النوازل بنية حسنة تدعو إلى التعجب من ضحالتها ، وبسوء نية في بعض الأحوال تدعو إلى الغثيان، تجد مثلا إنسانا يشخص الكثرة على أنها جريمة، وآخر يقيم الحماس للإصلاح على أنه تطرف وفتنة، وثالث يتربص بأصحاب الرأي والمنطق، ورابع يحذر من الإبداع، ويخوف من النبوغ وخامس يصف الحرية بالفوضوية، والمنادين بها بالخارجين على القانون وهكذا.

أترى هذا إذا فسر تاريخا للنضال، كيف سيقول ؟ وإذا قيم المسيرة لأية أمة ماذا سيفعل؟ إذا سيبتر الأسباب عن المسببات، ويتنازل عن مصالح الأمة في سبيل أهواء الأشخاص، وماذا سيكون عمله؟ وإذا ألقى الخطاب التاريخي مقلوبا وقرأ سطوره بمنطق المنافق أو الخانب، أو الصائد في الماء العكر، كيف سيكون قلمه، أو يخط مداده، أو تسود صحيفته ؟ إنها تكون بلاشك كارثة وطنية وفكرية ونكبة من نكبات الأمة، وحادثة أليمة من حوادثها ولكني:

تعودت مس الضر حتى ألفته                       وأحوجني طول البلاء إلى الصبر 

وقطعت أطماعي من الجهل آيسا            لعلمي بصنع الله من حيث لا أدري

 بعد هذا أريد أن أقف معك ولو للحظات عند كلمة التطرف، أو العمل القومي في تاريخ الكفاح الوطني ضد الفساد والظلم والعمالة الأجنبية أنقلك ولو قليلا إلى حقبة من حقب هذا الكفاح في الشرق، وأريد لك أن تلاحظ معي كمية القهر التي وقعت على الأحرار في تلك الفترة، وكمية النفاق والعمالة التي كانت تصاحب الفساد وتمدحه وتهيم به، ثم بعد ذلك خبرني عن شعورك بدون تحيز. 

السلطة المحتلة كانت تحتل البلاد وتقهرها وتأخذ خيراتها، وتقتل وتحاكم وتشرد الوطنيين في بلادهم، وتقهر كل من يطالب بإصلاح أو حرية ثم تشتري ضعاف النفوس وترفعهم إلى أعلى المناصب، وتخلع عليهم الرتب والنياشين وتولي الحكام والملوك وتعزلهم إذا أرادت. وسأضرب أمثلة وأريك لقطات ومناظر حتى يتعمق الفهم والرؤية: « الجنرال اللنبي» كان سفاح عصره، وحاقد أمته وصليبي القرن، ومندوب بريطانيا السامي في القاهرة، يقوم بحملة قهر منقطعة النظير، ثم يذهب إلى فلسطين ويذيق أهلها الهوان، ويقتحم القدس في الحملة الصليبية الثامنة والأخيرة وتنشر الصحف البريطانية صورته، وتنقل كلمته عند الاقتحام حيث يقول: « اليوم انتهت الحروب الصليبية »، ثم يرجع إلى مصر، ويخرج سعد زغلول ورفاقه منفيين من مصر، ويطلق يد الإجرام من مباحث، وسلطات القمع لتذيق الناس الهوان، ثم تكتب صحف القاهرة بعد أن تنشر صوره الضخمة في صدر صفحاتها، وتتهافت الأقلام القذرة في مدحه وإعلانه، تكتب أكبر مجلة أسبوعية في مصر وهي «اللطائف المصورة »الصادرة في يوم الإثنين 9 ديسمبر عام ۱۹۱۸م قائلة: «من أجمل المشاهد التي شهدها سكان القاهرة، وأبهاها منظرًا دخول فخامة« الجنرال اللنبي» في يوم الأحد ٢٤ نوفمبر إلى مدينة القاهرة عائدًا من ميدان الحرب في سورية وفلسطين، بعد أن أنهى مهمته العظيمة الشأن، وختم فعاله الباهرة التي كللت بالنصر التام، وقد هب كبار رجال الدولة وأعيان مصر من وطنيين وأجانب لاستقبال فخامته على رصيف المحطة عند وصوله بالسلامة، وخرج الناس عن بكرة أبيهم من أهل العاصمة للإشتراك في الأستقبال بالأعلام والزينات، واحتشدوا على جانبي الطريق، ووقفوا في الشرفات وعلى السطوح والبنايات التي تطل على الطريق بالورود وبعد أن توقف القطار، وصافح مندوب الملك ورجال السلطة ثم ركب «أتومبيلًا» جميلًا وسط «موتوسيكلات» . الحراسة والنساء تلقي عليه الورود في الطرقات وتحوم الطائرات على الموكب، ولا غرو ففخامته حامي الديار المصرية، وفاتح الديار والأمصار».

هذا والله هو ما كتبه الكتاب المنافقون العملاء وهم أهل الفكر وأصحاب الأقلام، فماذا سيفعل الشعب المسكين والأحرار الوطنيون ؟ ثم ماذا كان شأن السلطة التي تحكم مصر في ذلك الوقت؟ أكانت مع الشعب والأمة، أم كانت مع المستعمر وتأتمر بأمره؟ لا نتجنى على أحد. ولكن ننظر إلى خطاب سلطان مصر وملكها الذي أرسله إلى «ياور» جلالة ملك إنجلترا لنحكم على الرجل. يقول الكولونيل «دي ستريورك» : إن سلطان مصر قال له: « إن بريطانيا أخذتني كالبرتقالة ومصتني، ثم تريد أن ترميني فبعد أن وقفت معها، وتسببت في كراهية المصريين وعداوتهم، وقمت بقمعهم، أصبحت أشعر أنني صفر على الشمال»، ثم يقول الكولونيل بعد كلام السلطان :أصبحت أرثي له ويجب ألا نتخلى عنه لأنه موثوق به !! ولنر منظرًا آخر للسلطان «فؤاد»  حاكم مصر لما ذهب إليه أحد أعضاء الوفد المصري المفاوض للإنجليز طلبًا للإستقلال وهو «محمود بك فؤاد» يطلب مساندته قال له السلطان بالحرف الواحد: «أنتم تطلبون الاستقلال التام والإنجليز الأمة العظيمة الكبيرة، كيف تخرج من هنا؟ نحن يرضينا ٥٠% من حقنا أو حتى ٥٤% »، وكان ذلك في ۱۷ مارس ۱۹۲۰م، ثم شرع الملك بجمع توقيعات الناس ضد الوفد المفاوض وضد الإستقلال، فما رأيك أيها القارئ الهمام ؟! ثم شرع الملك والسلطة البريطانية تطلق على كل من نادى بالإستقلال أو الإصلاح كلمة« المتطرف». 

ونشرت جريدة «التايمز» تحذيرًا للمتطرفين تقول بالحرف الواحد: «إن لديها وثائق تثبت أن المتطرفين في مصر يحاولون قلب نظام الحكم». ثم تبعتها وكالة«رويتر» في يناير ۱۹۲۰م بتقارير وزعت على جميع الصحف في العالم هذا نصها: «أن هناك وثائق تثبت أن قلب نظام السلطة سيكون أولى نتائج انتصار المتطرفين في مصر»، ولكنها للأسف لم تنشر أية وثيقة كل هذا كان يدعو إلى فقد الأعصاب عند الوطنيين المصريين خاصة أن جريدة «التايمز» كانت تصف سعد زغلول وغيره من المصلحين بزعماء المتطرفين ولقد كان سعد زغلول جريئا بحق في مقابل السلطة العميلة حيث كان يخاطب الشعب فيقول: «إن السلطان فؤاد جندي بريطاني، ويجب أن يخرج مع جيوش الاحتلال، لأنه باع نفسه، ويريد أن يبيع شعبه، فكيف يكون هذا قائد أمة وحاميها وعصبها وراعي نهضتها وتطلعاتها ؟».

 يا خاسرا هانت عليه نفسه                           إذ باعها بالغين من أعدائه

 لو كنت تعلم قدر ما قد بعته                    لفسخت ذاك البيع قبل وفائه 

أو كنت كفؤا للرشاد وللهدى                 أبصرت لكن لست من أكفائه

 فهل يستطيع مفكرونا اليوم القراءة الصحيحة للحوادث، وخاصة بعد أن وجدوا الدولارات الأمريكية تنهمر على كثير من مثقفينا الذين يمارسون الصناعة الوطنية بحماس منقطع النظير ويتصدرون المواقف اليوم، ويمارسون التحليلات والتصريحات في القنوات الفضائيةحتى يظن الرائي أنهم فرسان الحلبة.. قليلًا من الحياء ياسادة حتى يتمكن رواد النهضة من صياغة المشروع الحضاري المرتقب فتنهض الأمة ويسلم الجميع، ولا نهلك أنفسنا وطاقاتنا في صراعات لا ناقة لأحد فيها ولا جمل وأظن أن حلبة هذا «السيرك»التائه أصبحت لا تخفى على الناس وأضحت لا تخدع حتى السذج، نسأل الله أن يصلح ويوفق الجميع أمين.

الرابط المختصر :