; لغة الضاد بين حُماتها وخصومها | مجلة المجتمع

العنوان لغة الضاد بين حُماتها وخصومها

الكاتب نور الدين التومى

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-1989

مشاهدات 74

نشر في العدد 925

نشر في الصفحة 54

الثلاثاء 25-يوليو-1989

 استقطب اهتمامي في العقد الأخير تلك الحملات المسعورة المصطنعة على لغة «الضاد» وحماة لوائها الميامين. والمتمعن لحقيقة هذه الحملات الكاسرة يدرك أنها ليست وليدة الساعة بل تعود في أصولها إلى جذور الماضي السحيق حيث كثر الضجيج والعجيج في تقبيح وتجريح لغة القرآن من لدن أقطاب الفكر وأعمدة الأدب.

أرى كل يوم بالجرائد مزلقًا *** من القبر يدنيني بغير أناة

أيهجرني قومي؟! عفا الله عنهم *** إلى لغة لم تتصل برواة

فهذا يهمز ويلمز ويشير بأصبع الاتهام إلى أن سبب تأخر العرب عن قافلة المدنية يعود بالدرجة الأولى إلى تشبثهم بصولجان لغة «الضاد» وآخر يصرخ ويصرح بلا خجل ولا وجل أنه لا جرم أن يحمل محمد حقيبته بإسلامه وعربيته ويهجرهم إلى الأبد. ويتجه صوب الفيافي والصحاري عقابًا وفاقًا للابن التائه لأنه أدرك مدى خطورة وشكيمة اللغة العربية في نفوس الألوف المؤلفة من صفوة أنصارها، وذاك باحث طائش تستحق يمينه قطع الأنامل «خربش» فأجاد «التخربيش» فثارت ثائرته وأقام الدنيا وأقعدها، وسلك طرقًا ملتوية خسيسة من أجل كسر شوكة لغة «الضاد» وخفض جنبها بعد أن قدحها حتى الثمالة. وفي آخر مطاف أعماله البذيئة باءت محاولاته المضنية بالفشل الذريع، حينئذ أسلم للأمر الواقع وتجارب التاريخ أن اللغة العربية تبوأت مكانًا عليًّا في قلوب محبيها، فعجز عن دحضها بمختلف الطرق والوسائل الاستشراقية، وغدت ثرثرته ولغوه كمن ينقش في الماء ولن تزول روح الضاد من الأنفس الغيورة بها مهما عملوا؛ لأنها راسخة في القلوب المؤمنة بها. ولغة القرآن المحفوفة بالعناية الإلهية التي لا تشوبها شائبة التبديل والتحويل لأنه وعد الله الحق والله لا يخلف الميعاد وفي هذا يقول سبحانه وتعالى﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر: 9) ولقد دخلت لغة الضاد في حروب طاحنة مع دعاة الفرانكفونية المرتزقة الضالة وخرجت منها ظافرة معززة مكرمة لا يعتريها غبار الذل والمسكنة. ولم تزدها هذه الافتراءات المفتعلة إلا قوة وحنكة ومهابة، والجدير بالملاحظة أنه مما زاد الطين بلة أن هذا السم الزعاف يتبناه أبناء جلدتنا وأهل ملتنا المنتمين إلى حظيرة العرب، ويقترف هذا المخاض المفجع في وضح النهار باسم حرية الدراسات العلمية الأدبية، ولقد وقفت اللغة العربية مواقف جريئة سجلها التاريخ بمداد من ذهب اتسمت بعظمة التجلد والنفس الطويل في مواجهة التحديات الضروسة الداخلية منها والخارجية التي ما فتئت تنخر كيانها وتحط بها إلى الحضيض، وفي معرض هذا الحديث تحضرني مقولة مصطفى صادق الرافعي الحسنة عن الذين يتربصون بالضاد الدوائر ويرمون جل من يتمسك بحبلها المتين بالرجعية! فأردف يقول: «فتراهم إذا وهنت فيهم هذه العصبية يخجلون من قومهم، ويتبرؤون من سلفهم وينسلخون من تاريخهم. وتقوم بأنفسهم الكراهة للغتهم وآداب لغتهم ولقومهم وأشياء قومهم».

وصفوة القول: لا حياة سعيدة مشرفة للبلاد العربية بدون الإسلام واللغة العربية، اللذين أقاما للعرب وزنًا وكيانًا وعروبة بعد أن كانوا في جاهليتهم الغابرة لا يساوون جناح بعوضة فما وهنت وهانت لغة قوم إلا أهينوا وذلوا، وإذا أنكر أهلها جميل معروفها وثمين أصدافها فقد أوشكت أن تَدْلَهِمَّ عليهم الخطوب والكروب من كل صوب وحدب، والأمة بلا لغة أصيلة ليست بأمة! ولا يسعني في هذه الخاتمة إلا أن أردد ما قاله شاعر النيل على لسان اللغة العربية.

إلى معشر الكتاب والجمع حافل ***    بسطت رجائي بعد بسط شكاتي

 

الرابط المختصر :