العنوان الإمام البنا ..الـشهيد الحي
الكاتب د. جمال نصار
تاريخ النشر السبت 12-فبراير-2005
مشاهدات 56
نشر في العدد 1638
نشر في الصفحة 36
السبت 12-فبراير-2005
في مثل هذه الأيام اغتالت الأيدي الأثمة الإمام الشهيد حسن البنا في ١٢ من فبراير عام 1949 م الموافق ١٤ ربيع الآخر 1368 هجرية، وكان هذا الاغتيال جزءاً من المؤامرة على الإسلام، لأنّ الذين دبروا اغتياله كانوا يظنون أنّ في القضاء عليه قضاءٌ على جماعة الإخوان المسلمين التي أسّسها، وكان أول مرشد لها، ولكن خاب ظنهم !!
ولم يكن اغتيال الإمام الشهيد مفاجأةً له، ولا للإخوان لأنّه - رضي الله عنه- تنبّأ بكلّ ما لاقتْه الجماعة من محن وتحديات، وأيقن يوم صدور قرار حلّ الجماعة، واعتقال الإخوان أنّهم سيقتلونه.
وقد اتخذت الحكومة وقتئذٍ عدة إجراءات لتسهيل عملية اغتيال الإمام البنا منها :
-1 اعتقال الإخوان وإيداعهم السجون وترك الإمام البنا خارج السجن.
-2 سحب الجندي المكلف بحراسته، رغم أنّه عرض عليهم التكفّل براتبه، واعتقال أخيه اليوزباشي عبد الباسط الذي أحسّ بالمؤامرة على أخيه وجاء ليحرسه
-3 اعتقال كل من ذهب لزيارة الإمام البنا في هذه الفترة، وإذا سلم عليه شخص في الطريق أثناء سيره اعتُقل حتى ولو كان من غير الإخوان المسلمين.
-4. سحب السيّارة الخاصة بالإمام البنا، وعدم السماح له بمغادرة القاهرة أو السفر إلى أي مكان آخر.
من قتل حسن البنا ؟
تُعتبر القوى الاستعمارية المتمثلة في إنجلترا وأمريكا وفرنسا الفاعل الأصلي وصاحبة المصلحة الكبرى في قتل الإمام البنا، حيث كشفتْ الأحداث عن خطر جماعة الإخوان المسلمين على الاستعمار وعملاء الاستعمار ومصالح الاستعمار، وأصبحتْ الجماعة عقبةً كؤوداً في طريق تنفيذ المؤامرة التي اشتركتْ فيها قوى الباطل في الداخل والخارج، فقرروا التخلص من الجماعة ومرشدها، لأنّ كل الجهود التي بُذلت في التضييق على الجماعة وتشريد أعضائها لم تأتِ بنتيجة، فسلسلة المحن التي وقعت للجماعة واشتركتْ فيها كل الحكومات الحزبية لم تحقق الهدف الذي كانت قوى الباطل ترجوه
قرار حل الجماعة
وفي ٨ ديسمبر عام ١٩٤٨م أصدر محمود فهمي النقراشي -رئيس الوزراء- أمراً عسكرياً رقم 63 بحل جماعة الإخوان المسلمين وشعبها أينما وُجدتْ، وبِغلْق الأماكن المخصصة لنشاطها، وبضَبط جميع الأوراق والوثائق والمجلات والمطبوعات والمبالغ والأموال وكافة الأشياء المملوكة للجماعة.
وعندما سُئل الإمام البنا عن الأسباب التي يعتقد أنها كانت سبباً مباشراً في حل الإخوان قال:
هناك عاملان: أحدهما خارجيّ، والآخر داخليّ، فأمّا العامل الخارجي فهم الإنجليز والأمريكان واليهود، ولقد فطِن هؤلاء إلى أنّ الإخوان هيئة قوية منظمة يُؤمِن أفرادها برسالتهم إيماناً قوياً، وأنّ من أسس رسالتهم تحرير وادي النيل وبلاد العرب حتى يستعيدوا مجدهم السّالف، وآمنوا بأننا الهيئة العامة التي تحول بينهم وبين تنفيذ رغباتهم ونزعاتهم، وقد اختبروا شكيمتنا فوجدونا لا نلين .
والعامل الداخلي: هو اعتزام الحكّام الرضوخ والاستسلام لهؤلاء القوم ويقينهم بأنّ نشاط الإخوان وخاصة في السنوات الأخيرة هو الذي حال بينهم وبين ما كانوا يعتزمون فعله..
. موعد مع الشهادة.
أحسّ الإمام البنا بالجو المريب الذي يحيط به، ورأی شبح الموت يحدّق به، حيث استيقظ من نومه يوم استشهاده ورأى سيدنا عليّ بن أبي طالب -كرّم الله وجهه - في منامه، وفسّر هذه الرؤية لنفسه بأنّه ربما يستشهد اليوم.. فنادى على كبرى بناته وأخبرها برؤياه وتفسيره لها وأوصاها بإخوتها وأخيها خيراً !!
وأبقت الحكومة - الأداة المنفذة للجريمة - على لعبة المفاوضات بينها وبين الإمام البنا على أنّ يقوم بترتيب ذلك محمد النّاغي عضو جمعية الشبّان المسلمين، والذي كان على صلةٍ بالإمام البنا بعد أن التقى إبراهيم عبد الهادي- رئيس الوزراء المصري في حينها - وحمل منه رسالةً للإمام البنا وتم تحديد الساعة الخامسة مساءً فبراير سنة ١٩٤٩م موعداً للقاء محمد الناغي في جمعية الشبان المسلمين مع الإمام البنا
يقول الأستاذ عبد الكريم منصور المحامي وصهر الإمام البنا ورفيقه ليلة الحادث:
، صحبت الإمام الشهيد في ذهابه إلى دار جمعيّة الشبان المسلمين الساعة الخامسة مساءً في سيارة أُجرة ولاحظتُ أنّ أحد رجال البوليس السرّي كان يتعقبنا في سيارة أجرة، وعندما وصلنا إلى دار الجمعية انفرد المرحوم الشيخ حسن البنا بالأستاذ محمد الناغي.
وفي الساعة الثامنة انصرف الناغي وبعد قليل أبدى المرحوم الشيخ حسن البنا رغبته في العودة إلى المنزل فأرسل في استدعاء السيارة ثم هبطنا معاً من الدور العلوي ومعنا رسول الناغي الذي أرسله إلى الشيخ البنا والذي أبى إلّا أن يوصلنا، وما كدنا نستقرّ في السيارة حتى انهالت علينا الطلقات النارية من الناحيتين اليُمني واليسرى.. وبعد انتهاء الضرب ترك المرحوم الشيخ البنا السيارة وحاول تعقّب الجناة ولكنهم أعادوا إطلاق النارعليه فعاد إلى السيارة.
. وأضاف عوض صالح، ساعي جمعية الشبان المسلمين
رأيت الشيخ حسن البنا يعود إلى دار الجمعية مصاباً، واتجه نحو التليفون، وحاول الاتصال بدار الإسعاف، فأدار قرص التليفون مرة ولكنه أُجهد فلم يستطع إتمام المكالمة وعاد إلى السيارة. وبعد ربع ساعة من وقوع الحادث كان الأميرالاي محمد وصفي -وكيل حكمدار القاهرة والمشرف على البوليس السياسي في مكان الحادث- وسبق المصابين إلى دار الإسعاف ودخل غرفة العمليات وكان يرتدي الملابس المدنية.
وبقي الإمام حسن البنا ورفيقه الأستاذ عبد الكريم منصور وجروحهما تنزف دون إسعاف، حتى فاضت روحه إلى ربه شهيداً محتسباً، وقد أثبت الطبيب الشرعي في تقريره أنّه شاهد بجثة الإمام البنا سبعة . جروح الإصابة بسبعة مقذوفات نارية، وشاهد نزيفاً بعضلات الصدر بالجهة اليمنى، ونزيفاً خفيفاً بتجويف الصدر الأيمن ونزيفاً بالكتف الأيمن وتمزقاً بأوردة الإبط ونزيفاً بعضلات الفخذ الأيسر، كما شاهد كسراً بعظمتي الساعد الأيمن في ثلثه السفلي مع نزيف بالأنسجة.. وهكذا فعلت الأيدي الآثمة بالإمام البنا، وحالوا دون اشتراك أحد في تشييع جنازته، فلم يشيعه إلا أبوه وأمه وزوجته وإخوته وخرجوا حاملين نعشه في صمت في ساعة مبكرة من الصباح، وحظرت الحكومة العزاء فيه فلم يكن يتقدم بالعزّاء أحد. إلا سارعوا بالقبض عليه، كما منع نشر كل ما يتصل بالجريمة إلا في أضيق الحدود.
. رحم الله الإمام البنا وجزاه الله خيراً على ما قدم لدينه، ودعوته التي انتشرت في الآفاق على طول العالم العربي والإسلامي