; في فلسطين.. عادت المساجد إلى دورها الجهادي | مجلة المجتمع

العنوان في فلسطين.. عادت المساجد إلى دورها الجهادي

الكاتب نضال عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1988

مشاهدات 61

نشر في العدد 858

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 15-مارس-1988

إن للمسجد من الجهاد مكانة عظيمة، يرتبط به وينطلق منه مستمدًا منه شحنات تكفل له الاستمرار، ويكون له محورًا يمده بأيدٍ متوضئة تحمل راياته وتذب عن حياضه وتعلم المتخاذلين صناعة الموت، وتعطي للذي أصابه الوهن دروسًا في الإقدام وطلب الشهادة.

والتاريخ يثبت هذه العلاقة التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحرص على إبرازها، فكان ينطلق بجيوشه من المسجد ويتجه أول ما يعود إلى المسجد ويرسل رسل الجهاد من المسجد، ويأتيه المخلفون متعذرين في المسجد ويكفي أن نعلم بأن أول عمل أنجزه الرسول العظيم بعد نزول الآيات ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج:39)

وهي الآيات التي شرع فيها الجهاد وقد نزلت في الهجرة قبل وصول المدينة بمرحلة قصيرة – كان بناء المسجد في قباء الذي استمر حتى زمن الخلفاء الراشدين وبعد ذلك منطلق الحملات الجهادية، تلك الحملات التي هوت بعروش الظلم والكبت التي جثمت على صدر البشرية ردحًا طويلًا من الزمن، مانعة النور أن يدخل فيه.

ومن أعظم أمثلة الجهاد المسجدي في هذا القرن وأخلصها هو ذلك الذي أعلنه شهيد فلسطين العظيم «عز الدين القسام» الذي هرب من حكم بالإعدام أصدرته ضده السلطات الفرنسية المحتلة في سوريا ليواصل جهاده الذي دوخ الغاصبين على أرض الإسراء معلنًا أن الجهاد لا يعترف بحدود ولا تحصره أقطار اصطنعها أناس ليسوا من جلدتنا ولا يكنون لنا إلا كل حقد وتربص. ووصل المسافر العظيم عز الدين القسام حيفا، وأعلن من مسجدها جهاده، ليأخذ هذا المسجد بعد ذلك مكانه من صفحات تاريخ الجهاد المشرق في فلسطين، وكان القسام يتخذ ككل مجاهد من قبله المصحف شعارًا له وكان ينادي من على منبر المسجد المصحف في يد والبندقية في اليد الأخرى وسرعان ما أصبح «القساميون» بجهادهم الذي كان يسميه الإنجليز كابوس رعب للجنود الإنجليز في فلسطين يقضون مضاجعهم بجهادهم الذي كان يسميه الإنجليز «وحشية».

وعندما رأى القسام أن الإنجليز جادون في طلبه، كما جد من قبل أقرانهم الفرنسيون راح يحث المجاهدين معه على أن يتخذوا من أحراش يعبد في جنين منطلقًا لهم ومستقرًا حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

وأخذ الجنود الإنجليز يتساقطون الواحد تلو الآخر، فهذا تقتله رصاصة من بنادق القساميين، وذاك يطعن بسكين ترديه، وثالث تخنقه أيدٍ متوضئة بعد أن خلصت منه سلاحه، حتى جن جنون الإنجليز وعرفوا أنه لا بد من إطفاء هذه الشعلة قبل أن تحرقهم فجردوا جيشًا لإطفائها، وحاصروا القسام وإخوانه في أحراش يعبد، والقساميون يصلونهم بالرصاص، واستمرت المعركة ست ساعات كاملة والشهداء يتساقطون من حول القسام، والعشرات من الإنجليز يسقطون برصاصه ورصاص إخوانه وعندما شعر القسام أن الشهادة قد دنت وبدأت تتراءى له المكارم التي أعدها الله لشهدائه التفت إلى الباقين معه وكانوا ستة، وقال بصوت اليقين «موتوا شهداء» وفار الدم بالعروق ولكن الكثرة غلبت شجاعة القساميين، فسقطوا شهداء في يوم 1935/11/25.

ووجد الإنجليز على صدر القسام ورفاقه مصاحف كانت آخر عهدهم بالدنيا الفانية، وأول عهدهم بدار الخلود وكان هذا العام الذي قتل فيه القسام - وهو عام 1935/1936 عام نقمة على القتلة المجرمين وأعلن الإضراب العام حدادًا على الشهيد ورفاقه وهو الإضراب الذي لم تشهد فلسطين أطول منه إلى الآن، حيث استمرت أكثر من ستة أشهر ولم تمت أساليب القسام ودعوته معه كما كان يتمنى المحتلون بل استمر المجاهدون خلال هذا الإضراب القيام بعمليات قسامية من ذلك النوع الذي خطط له القسام ورفاقه؛ الأمر الذي أرعب الإنجليز وجعلهم يبدأون في إصدار الوعود والتنازلات، فأصدر الاحتلال «الكتاب الأبيض» الذي حاول فيه امتصاص غضبة الجماهير الفلسطينية الثائرة بتقييد الهجرة اليهودية إلى فلسطين، التي كانت بإشراف الصهيونية العالمية على أشدها ثم أوحى إلى «أصدقائه» العرب في ذلك الوقت إصدار بيان يطلبون فيه من الثائرين: «الإخلاد إلى السكون وأن يتركوا الأمر لهم يسوونه مع الصديقة العظمى «بريطانيا» - كما نص البيان ـ وقد أرسل هذا البيان في يوم 1936/10/25 والثورة الفلسطينية على أشدها- والتاريخ يعيد نفسه، فإن أحد المشاريع المطروحة حاليًا يحتوي على بند يطلب وقف الجهاد الدائر في فلسطين لمدة ستة أشهر مقابل موافقة اليهود على عقد ما يسمى بالمؤتمر الدولي- وغيرها من التنازلات التي لا مجال الآن لذكرها.

إن الطريق الذي سار عليه القسام العظيم والدرب الذي سلكه برفاقه هو وحده الذي يضمن للسائرين عليه النصر، وأن أي دروب أخرى لن تصل بالسائرين عليها إلا إلى الضياع وإلى التشتت واليأس المميت، الذي يدفعهم في نهايته إلى التخلي حتى عن أشرف مبادئهم، والتنكر لأمتهم ويأبى الله ورسوله والمؤمنون إلا شعارًا واحدًا، وهو ذاك الذي رفعه القساميون، «المصحف في يد والبندقية في اليد الأخرى» والذين يعجزون عن حمل هذا الشعار لا يجوز لهم -إن كانوا فعلًا مخلصين لقضيتهم- أن يخذلوها، فالذي لا يستطيع الزواج لا يباح له الزنا.

واليوم تشهد فلسطين حلقة أخرى من حلقات جهاد المساجد ولعلها هي الأولى منذ أربعين عامًا، منذ عبدالقادر الحسيني وأحمد عبدالعزيز وأمين الحسيني ومحمد فرغلي ومعروف الحضري، ومصطفى السباعي، الذي لبس كفنه ودخل الحدود من سوريا إلى فلسطين هو ورفاق له ونيته طلب الشهادة والدفاع عن مسرى الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم. وهذه النية نفسها هي التي تعمر اليوم قلوب المصلين الثائرة، فأبشري يا فلسطين فالقيد قريبًا سينكسر، واليوم قد اقترب، ذاك اليوم الذي يقاتل فيه المسلمون اليهود حتى ينطق الحجر فيقول يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي تعال فاقتله.

فأبشري يا فلسطين فقد عاد الحجر ليأخذ دوره بأيدٍ يبللها ماء الوضوء وأبشري فإن الحجر الذي أدخل اليهود أول مرة فلسطين والذي قتل به داود القوي بإيمانه الضعيف بعدته، جالوت القوي بعدته وعتاده هو نفسه الذي سيقتل به المسلم القوي الإيمان الصهاينة بعدتهم وعتادهم، وهو نفسه الذي سيخرج اليهود من فلسطين كما أدخلهم أول مرة فيها.

إن أقل ما يطلبه الضمير الإسلامي من كل مسلم الجهاد وفتح الحدود للمجاهدين - وخصوصًا تلك التي تحيط بفلسطين - ليشاركوا في جهاد المساجد والتاريخ لن ينسى للدول المحيطة بفلسطين إن فعلت ذلك هذا الموقف أبدًا ولنترك الحلول المقيتة، والتي تحمل في طياتها الصفح الذليل عن المجرمين.

إن شعب فلسطين ينزف دمًا وهو مقبل على الشهادة، وإن روح الجهاد قد استيقظت في النفوس بعد نوم طويل، وستستمر هذه الروح الجهادية إن شاء الله ولن تموت لأنها تستمد حياتها من الله والله حي لا يموت. فهل يعي هذه الحقيقة أولئك المترددون والخائفون؟

 

خواطر من وحي الانتفاضة

الانتفاضة على طريق التحرير

كعادة الشعب الفلسطيني على أرض الإسراء في صموده ومقاومته للاحتلال، جاءت الانتفاضة المباركة لتعيد إلى الأذهان أشهر وأطول إضراب في التاريخ، الذي قام به الشعب الفلسطيني في عام 1936، خلال الانتداب البريطاني، احتجاجًا على سياساته الاستعمارية ولتثبت أيضًا أن جهاد هذا الشعب ضد أعدائه والمتآمرين عليه لم ولن يتوقف حتى يتم النصر والتحرير لكامل الأرض المقدسة. وجاءت الانتفاضة المباركة أكثر عزمًا وتنظيمًا وشمولًا، بعيدة كل البعد عن التخطيط الخارجي المسبق، ولذا فقد فاجأت الكثيرين حتى أبناء فلسطين أنفسهم - خارج الوطن المحتل - حيث لم يتوقع أحد أن تستمر حتى شهرها الثالث! فقد انطلق أبناء فلسطين من كل المساجد والحارات والأزقة، ليقفوا صفًا واحدًا بنفوس صادقة، وقلوب مؤمنة وصدور عارية في وجه قوات الاحتلال. ولو لم تكن هذه الانتفاضة أكثر عزمًا وتنظيمًا وشمولًا، لما عمت كافة أرجاء الوطن المحتل، فلم يبق بيت إلا وقدم شهيدًا أو سجينًا أو جريحًا، وتنسم ريح الجنة على الرغم من قنابل الغاز المسيل للدموع، ولم يتأخر عن المشاركة فيها أحد من أبناء فلسطين البررة شيوخًا وشبانًا، رجالًا ونساء، صغارًا وكبارًا على اختلاف أفكارهم وتوجهاتهم فشق الأمر على قوات الاحتلال حتى باتت وقد أسقط في يدها لا تدري ماذا تفعل أمام هذا الطوفان الهادر الذي أثار الرأي العام العالمي فوقف ضدها.

والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان تلقائيًا هو: كيف سيكون الوضع لو أن حجارة فلسطين تحولت في أيدي أبطال الانتفاضة إلى بنادق ومقاليعها إلى مدافع؟! وكيف سيكون الوضع لو أن إحدى دول المواجهة فتحت حدودها أمام الشعوب المسلمة لتخوض حرب التحرير وتطهر أرض الإسراء من رجس يهود وأعوانهم؟! لعل الجواب على هذين السؤالين واضح للجميع؛ أما والحال على ما هو عليه الآن فإن العمل واجب لإحياء هذه الأمة من جديد حتى تستطيع أن تواكب الأحداث وتغير هذا الوضع الأليم، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ﴾ (الرعد:11)

أبو أيوب

 

الرابط المختصر :