; الافتتاحية .. من أجل أن يواكب الفقه مشكلات العصر. | مجلة المجتمع

العنوان الافتتاحية .. من أجل أن يواكب الفقه مشكلات العصر.

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-1989

مشاهدات 75

نشر في العدد 935

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 03-أكتوبر-1989

عالم اليوم عالم الثورات والتفجيرات والسرعات، في سائر مجالات الحياة، في العلوم الإنسانية، وفي التكنولوجيا وأنماط الصناعات التي فاقت كل تصور في جدتها وسرعتها وأهميتها، والمسلمون يشكلون جزءًا مهمًا في هذه الحياة وبين هؤلاء المخلوقات، ولا يستطيعون أن يعيشوا في عزلة عما يجري حولهم، وما يجري حولهم رهيب، هيهات لإنسان أو فئة أو أمة أن تغمض عيونها عنه، هيهات.

ولهذا نراها تنعكس على حياتنا وأنماط معيشتنا بسرعة تجعلنا لا نستطيع التأقلم معها أو التعايش سلبًا أو إيجابًا، ونبقى حائرين مترددين، لا نقوى على الإقدام إليها، أو الإحجام عنها، وشر ما تبتلى به الأمم، داء التردد والحيرة والذهول الذي قد يطول بها أمدًا، حتى تتعرض للعواصف التي تجتثها من الجذور، فتبقى في المهب ولا حول ولا قوة.

أنماط حياتنا وطرق معيشتنا تخضع في بعض جوانبها للتصور الإسلامي وقيمه وأحكامه المستمدة من شريعته الغراء، وتستدعي نشاطًا وجهدًا كبيرين من القائمين على الفكر الإسلامي والفقه، لمواكبة تلك التطورات والتفجيرات؛ كي لا يكون البون شاسعًا بين واقع المسلمين وبين المتغيرات، فيكون الخلل والتناقض والاضطراب، هذا من جهة، ومن جهة أخرى حتى لا يتهم الإسلام بالعجز عن استيعاب مشكلات الحياة الإنسانية ومستجداتها.

وهذا ما نلاحظه في العقود الأخيرة، حيث الجمود يلقي بثقله على الفقه، لتنوء به كواهل الفقهاء والمفكرين الإسلاميين، فلا يستطيعون النهوض بالدور المطلوب إزاء معطيات الحضارة الحديثة. وها نحن أولاء نرى أكثر الفقهاء ومن هم في حكم المجتهدين، يحجمون عن الإدلاء بآرائهم، والإفتاء بالقضايا الجديدة لأسباب منها:

1.   ورع بعضهم عن القول في دين الله ما يخشون عاقبته في دار الحساب.

2.   عجز بعضهم عن فهم الواقع ومشكلاته المتداخلة، وعن إعمال الفكر من أجل إيجاد الحلول الشرعية لكل منها، إما لأن مشكلات العصر عويصة وشائكة، وإما لأنهم لا يجدون لها مثيلًا في ما مضى من قضايا حلها الفقهاء والمجتهدون في ذلك العصر، من مثل الأزمات الاقتصادية أو قضايا المال والاقتصاد بشكل عام، إذ لم تعد هذه -كما كانت في الماضي- قائمة على التعامل بين الأفراد، وتحكمها أحكام الإجارة والبيوع وما إليهما، بل أصبحت اليوم تتعدى ذلك إلى كونها قائمة بين المؤسسات والأفراد، وبين المؤسسات والمؤسسات، إلى آخر ما هنالك من ألوان التعامل الاقتصادي الجديد كل الجدة على حياتنا وعلى فقه فقهائنا وفكر مفكرينا.

ولو أردنا أن نضرب الأمثلة على المشكلات الجديدة التي تأخذ بحجز الناس في هذه الأيام، لضاق بنا مجال هذه الافتتاحية التي تشير مجرد إشارة، ولا تلج في تفصيل ما تشير إليه من دقيق الأمور، كتكنولوجيا الطب الحديث من مثل أطفال الأنابيب، ونقل الأعضاء والدم، وعمليات التجميل، وأمور شتى كبيرة. وكالمستجدات في علم الاجتماع، من مثل انتقال المرأة بوسائل المواصلات الحديثة بلا محرم، مع وجود المحرم لو أرادت أو أراد لها ذووها، وغير ذلك كثير وكثير جدًا.

إننا نرى ونسمع ونقرأ بعض الفتاوى التي يدلي بها بعض المفتين، ولكن طموحنا يتعدى جهود هؤلاء الأفاضل، ليكون الإفتاء مهمة فريق متكامل من الفقهاء والمفكرين والمختصين في الشأن الذي يتطلب منا فتوى. فلم يعد من الجائز -في حال من الأحوال- أن نعتمد رأي الفرد، مهما كان ذلك الفرد في العلم والتقوى، لا بد من فريق عمل متكامل، وبينهم أصحاب الاختصاص، ولسبب مهم جدًا، فالفقيه من السلف الصالح كان ذا ثقافة موسوعية تلم بعلوم عصره كلها، فهو عالم في أصول الدين وفروعه، وهو عالم في الطب والكيمياء والفلك، وهو حجة في اللغة العربية وعلوم القرآن والحديث والرياضيات، ناهيك عن أن الفقه كان القانون العام للدولة، يعني أن الفقيه كان هو المرجع والمستشار في قوانين الدولة، أما اليوم، فإن الأمر يختلف اختلافًا كبيرًا، وليس في وسع عالم اليوم أن يلم بعلوم عصره، الأمر الذي يجعلنا نلح على العمل الجماعي المتكامل للفقهاء والمختصين في سائر شؤون الحياة، في الطب والاقتصاد والاجتماع وسواها.

إننا ندعو مجمع الفقه الإسلامي إلى أن يكون بين أعضائه أصحاب الاختصاص أولئك من الرجال الدعاة الثقات، وأن يتفرغ هؤلاء الأعضاء لبحث المستجدات والمتغيرات من خلال لقاءات دورية، ولها أوراق عمل وبرامج منهجية، وأمامها جداول بالجديد الذي يتطلب فتوى.

وبهذا تكون الحياة سمة المجمع، والقضايا المعاصرة شغله الشاغل، فتقر النفوس وتستريح إلى أنها تعيش الإسلام، وضمن أطر الفقه الإسلامي وأحكام الشريعة الغراء، وعندئذ يفرح المؤمنون بتوفيق الله ونصره.

 

 

الرابط المختصر :