العنوان الأزهر.. بين الثقل التاريخي والدور المفقود
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-1989
مشاهدات 70
نشر في العدد 941
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 14-نوفمبر-1989
ساعد اهتمام المملكة العربية السعودية
بدراسات القرآن وعلوم الحديث على جذب طلاب العلم ما أدى إلى قيام منافس قوي لنهج
الأزهر
في أروقة الأزهر العتيقة بعد ضجة أثارتها في الآونة الأخيرة منشورات توزع تحت توقيع «حركة العلماء الأحرار»، وتتبنى الحركة المسماة -فيما تتبنى من أفكار ومشاريع- إزاحة حالة الركود التي تخيم على الأزهر منذ أمد ليس بالقليل، وتحذر في الوقت نفسه من محاولات الاستقطاب والتبعية لجهات خارجية، وأشارت بأصبع الاتهام إلى المحاولات الأمريكية.
وللإيضاح، فإن
هناك إثارات من قبل بعض العلماء منهم الشيخ د. زكريا البري تتعلق باستلام إدارة
الأزهر من بعض المؤسسات الأمريكية منحاً ومبالغ مالية مشروطة بالإنفاق في بعض
الأوجه التي لا تمت إلى رسالة الأزهر بصلة، ومنها المساعدة في تحديد وتنظيم النسل.
وعلى كل،
فالأزهر الجامع والجامعة منارة العلم التي ظلت تعطي دونما توقف، وتداولتها يد
الأيام، وشهدت فترات ازدهارها عماليق العلماء كانوا صوت الأمة وقادتها الحقيقيين
من العز بن عبدالسلام، إلى الشيخ الشرقاوي، والشيخ السادات اللذين دوخا عبقرية
نابليون العسكرية، فلجأ يسترضي استعلاءهما بإعلان إسلامه، والبقية معروفة في
القضية.
إن الأزهر ما
استجاب للمصانعة، وإنما قاد المقاومة حتى قتل سليمان الحلبي قائد الفرنسيين كليبر،
والأزهر التاريخ والثقل العلمي الذي لا يضاهى اعتورته لحظات الانحسار في بعض
أزمانه ومنه عصرنا هذا، وامتدت له الأيدي باسم الإصلاح طورًا، وباسم مركزية
التوجيه في الدولة الثورية طورًا آخر.
وبرزت في الساحة
الإسلامية مؤسسات علمية عديدة أثرت بدورها من وضعيته الفردية التي ظل الأزهر ردحًا
من الزمن يتمتع بها، وتطورت أساليب التعليم وتعرضت الأمة إلى هزات عنيفة أعادت
الثوابت الثقافية إلى دائرة النظر والاستكشاف، وطبيعي أن تنسحب تلك الظواهر
بإيجابياتها وسلبياتها على جامعة المسلمين الكبرى، غير أن الأزهر بدا كمن طالت
غيبته؛ ما دفع بعض مشايخه إلى استشعار ذلك، والدعوة من ثم إلى نفض غبار الركود حتى
يضطلع جامع الدعوة والعلم بدوره الإيجابي في حياة المسلمين.
القمة
لم ينل الأزهر
ما نال من رفيع المقام بوصفه مدرسة علوم دينية فحسب، وإنما بجانب ذلك لدور في
التعبير عن قضايا الأمة والمدافع عنها، وقد أدى رسالته العلمية والدعوية على مدى
قرون قدم فيها مرشدين أفذاذًا نهضوا بالدعوة الإسلامية في ديار المسلمين.
كما أثرى علماؤه
الدراسات الفقهية بالبحوث والشروح، وقد ساعد على ذلك مكانة مصر السياسية في العالم
الإسلامي، وحتى في فترات الانحطاط التي أغرقت العالم الإسلامي في الغفلة والضياع
ظل الأزهر يمثل إحدى القلاع الحصينة التي يمكن للمسلمين الاعتصام بحماها، وهو ما
ميزه على غيره من مدارس دينية تاريخية، كما في المسجد الأموي، أو جامع الزيتونة،
أو جامعة القرويين بفاس المغرب على الرغم من أن جامعة القرويين والزيتونة أسستا
على نظام المدارس، وظل الأزهر ينعم بالقمة في مجال العلم والدعوة حتى إذا جاء
الاستعمار إلى ديار المسلمين وجد الجامعة الأزهرية تمثل رمزًا رفيعًا في نفوس
المسلمين، غير أن مكانتها العلمية جمدت في نظام تقليدي لا يلقي بالًا للموضوعية
والأسس المنطقية في العملية التعليمية.
كما أن أكثر
المادة المتلقاة من قبل طلابه غلبت عليها لغة تمثيل إلى التعقيد الافتراضي، وتنأى
عن أصول العلوم إلى فروعها، وتمجد الإغراق في الغلو في التمسك المذهبي؛ ما دفع
ببعض المتنورين إلى نبذ تلك الشوائب التي كادت أن تحجب نفاسة الأصل، وكانت دعوة
الشيخ محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني إلى ضرورة اتباع أساليب جديدة في نهج
التعليم الأزهري، كما أن المستعمر أحدث أنظمة تعليمية ومؤسسات في ديار المسلمين،
تقدم كل فروع العلم تقريبًا في أسلوب حديث أكثر تقدمًا وملاءمة للفكر البشري.
المهام
الأزهر حتى
أواخر العهد المملوكي كان مناط التوجيه الجماهيري، وحينما جاء نابليون وجد تعلق
المسلمين بالأزهر أكبر مما آل إليه، هذا على الرغم من وجود علماء شجعان يتصل بهم
الجمهور، ويتواصلون معه، واستهدفت حملة نابليون فيما بعد إزالة المكانة القلبية
التي تحتل الأزهر، وعبر عنها عندما أدخل خيله إلى صحن الأزهر إمعانًا في تقليل شأن
هذا المكان، غير أن بعض النخوة انتقمت لذلك السلوك المشين.
والذي يهمنا أن
الأزهر في أوانه ذلك كان يحمل حلم الجماهير ورمز حصونها، وبخروج نابليون ومجيء
محمد علي ومشروعه في بناء إمبراطورية حديثة تقلص دور الأزهر ليقبع في مربع الثقل
التاريخي والمقام الفقهي، أما الدعوة فلم تنشط بنشاط الدولة الفاتحة التي استولت
على سواحل البحر الأحمر حتى كينيا، وشرق أفريقيا، وضمت السودان، وإرتيريا،
والصومال، وامتدت شرقًا في سورية الكبرى، والحجاز.
فلم يكن الدعاة
يتقدمون بين يدي الفتح لبناء نفوس قوية، وهو الأسلوب الذي اتبعه الاستعمار الحديث
بواسطة المستشرقين، كما أنهم لم يتبعوا الجيوش لبث الدعوة الإسلامية، ولو أن ذلك
انتشر ولو في أشكال بدائية لما كانت المسيحية قائمة في أوغندا، وإثيوبيا، وجنوب
السودان.
وأما في المجال
العلمي، فبالرغم من أموال الأوقاف الطائلة باسمه، فإن العملية التعليمية ظلت في
أطر ضيقة لا تعالج نواحي الحياة في مجالاتها الاقتصادية والسياسية والإدارية
والاجتماعية، بالرغم من أن رسالة الإسلام تعالج حياة الناس في مناحيها المختلفة،
وتنامت الصياغة النظرية لقضايا المسلمين على حساب الحياة الواقعية والنظر المستقبلي
في بناء حضارة إسلامية ذات أسس فكرية متقدمة، وبناء اجتماعي متماسك.
وربما العيب ليس
في المؤسسة، وإنما في المجتمع، غير أن العلم نور، ورسالة الإسلام لا تقبل التخلف
ولا تتعايش معه، ولذا عندما جاء تطور الأزهر جاء من الخارج؛ إذ إن الداخل كان شديد
المحافظة، وكان التطور فيه إيجابيات وفيه سلبيات.
المنافس
تعرض الأزهر
لمنافسة جادة وقوية حديثًا من عدة مؤسسات، وفي مجالي الدعوة والتعليم، ففي مجال
الدعوة نشأت الجمعيات الإسلامية، وقامت الحركة الإسلامية التي انطلقت تغير
المفاهيم التقليدية في تصور الحياة والدين، فالدين ليس معالجة شخصية ومسألة ذاتية،
وإنما هو دعوة مجتمعية تعتمد في سعيها على الفرد والمجتمع، وانتشرت دعوة الحركة
الإسلامية، واتخذت قنوات توصيلية أكثر حيوية فهي مع الشباب والشيوخ، وهي في
المدرسة والنادي، وهي في نظام الكشاف والجمعيات الخيرية، وهي انقلاب في التفكير من
الدفاع للمواجهة.
وأما في
المجالات التعليمية، فالمنافسة كانت في إطار التعليم المجتمعي الشامل، كما كانت في
إطار التعليم في الدراسات الإسلامية، فالتعليم الاجتماعي الحديث جذب إليه الآلاف،
وصار هو الأساس لما له من مصوغات موضوعية وأساليب بحثية متقدمة.
أما فيما يتعلق
بالتعليم في الدراسات الإسلامية، فقد نشطت الدراسات الإسلامية في المملكة العربية
السعودية، وقامت جامعات إسلامية تهتم في شؤون الدعوة الإسلامية اهتمامها
بالدراسات؛ مما يجعل ميزان الدعوة والتعليم يميل إليها، وساعد على ذلك اهتمام
الدولة السعودية بنشر القرآن وعلوم الحديث والفقه المقارن؛ ما جعل الشباب أكثر
ميولًا، كما أنها لا تركز كثيرًا على الخلاف الفقهي والتقيد المذهبي، وهو خلاف ما
درجت عليه الجامعة الأزهرية في سابق عهدها؛ حيث اهتمت بالمذهبية الفقهية بدرجة لا
تخلو من المغالاة، حتى إن الأوقاف كانت تخصص على المذاهب؛ ما نشط المذهب الحنفي في
مصر التي لم تعرف تاريخيًا غير المذهب المالكي والشافعي، ويبقى أن الأزهر يحظى
بالمكانة التاريخية.
ولعل مما جعل
الأزهر لا يجد روح ازدهاره السابق تلك الهيمنة التي فرضتها الحكومات على إدارته،
ولم يعد منصب شيخ الأزهر هو شيخ العلماء الذي يختاره العلماء، وتهتم الدول
الإسلامية بتصريحاته، فمنذ قيام نظام 23 يوليو ومنصب المشيخة رهن بإدارة الدولة
تقدم من الشيوخ من يحسن التفاهم معها، وبهذا افتقد المنصب مكانته السابقة، كما أن
العلماء أصبحت معاشاتهم تصرف من خزينة الدولة بدلًا من الأوقاف الخاصة بالأزهر؛ ما
أفقدهم كثيرًا من الاستقلالية، وبعد هذا هل تستطيع «حركة العلماء الأحرار» أن توقظ
بعض ذلك الجانب المفتقد، أم أن المسألة أكبر من ذلك؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل