; رواية جديدة في الغرب تدق ناقوس الخطر من الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان رواية جديدة في الغرب تدق ناقوس الخطر من الإسلام

الكاتب محمد عقاد

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يونيو-1989

مشاهدات 57

نشر في العدد 919

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 06-يونيو-1989

أنتوني بيرجس في روايته (1985): «المسلمون قادمون»

عن دار الزهراء للإعلام العربي صدرت الترجمة العربية لرواية أنتوني بيرجس المسماة (١٩٨٥) والتي قام بترجمتها أحمد صديق ومحمود عبد الحليم متمميْن عملهما بعد الترجمة باختيار اسم جديد لتلك الرواية هي «المسلمون قادمون».

 

يقع الكتاب في (۲۷۰) صفحة من الحجم الكبير وهو للمؤلف الإنجليزي الروائي الشهير «أنتوني بيرجس» المولود في مانشستر عام 1917، والذي يشغل العديد من المناصب العلمية ومن الأساتذة المثقفين الناطقين بالإنجليزية، وأفكاره تمثل بالضرورة تيارًا فكريًا أصيلًا لدى الغرب، فهو لم يأت بهذا الموقف من فراغ إذ لا يمكننا فصل الأديب عن مجتمعه وبيئته الفكرية تمامًا، و«كل ما هناك أن بيرجس هو أحد الذين يقولون بصوت عالٍ ما يهمس به بين الناس عادة».

 

(1985) رواية مكونة من جزأين، الأول هو رد ونقد وتعقيب على رواية «جورج أورويل» (١٩٨٤) وقد قام المترجمان باختصار هذا الجزء المكون من تسعة فصول نقدية اختصارًا نافعًا حسب ترتيبها.

 

في الجزء الأول يتحدث بيرجس معقبًا على كلام «أورويل» عن مناطق النفوذ فيتساءل قائلًا: اذن أين تكمن القوة؟ إن القوة الفعلية التي تقود الآلات هي حيث يوجد البترول الإسلامي.

 

 أن الإسلام إحدى الدول العظمى الحقيقية فهو يتمتع بأيديولوجية دينية قوية هيمن أصحابها الأولون على العالم المسيحي في العصور المظلمة، وربما عادت لتفرض نفسها على غرب جف في عروقه الإيمان القوي بفضل قرارات مجمع الفاتيكان التي تدعو بصراحة إلى تغيير الصورة التي رسمها المسيحيون عن المسلمين والتي كانت كاذبة وظالمة.

 

كتب المترجمان في المقدمة الهامة يشرحان حقيقية اهتمام العالم الغربي بما يسمى «الظاهرة العربية» وكيف أن الأمر تعدى ميدان التقارير السرية والأبحاث إلى المفكرين والأدباء الذين انطلقوا يدقون ناقوس الخطر من «غول» مسلم قادم. وقد اختلف الأدباء أولئك في موقفهم بين منذر قوم، وبين صاحب تلميحات وإشارات.

 

 رواية (1985) هي من النوع الأول.. صاحبها يعلن النذير مخصصًا صفحاتها بالإجمال للهجوم على العرب والمسلمين والتحذير منهم... وهي في الأصل معارضة روائية لرواية «١٩٨٤- لجورج أورويل» ورغم ذلك فهي لم تلقَ من كثير من المفكرين والكتاب والمترجمين أي اهتمام على الرغم من أن رواية (١٩٨٤) لأورويل لا تكاد تنطفئ لها شمعة في كلية أو مجلة أو جريدة أو كتاب كما أن «أنتوني بيرجس» مؤلف ذائع الصيت على المستويين الأدبي الفكري «أنتوني بيرجس» كاتب بريطاني متنوع المواهب، يملك غزارة في الإنتاج وتنوعًا في الأشكال الأدبية، مهتم بالنقد الأدبي والعلوم اللغوية الحديثة، ورواياته تنم عن مقدرة عقلية وقدرة على الابتكار.

 

وهكذا «فبيرجس»- وإن لم يكن صادقًا في مسيحيته- يهاجم المسلمين من منطلق ديني.. «على أولئك الذين يعرفون مسيحيتهم ألا يأمنوا جانب أناس يؤمنون بالحياة الآخرة» وهو يرى الدين مجرد وسيلة لجمع بني جلدته ضد الغرباء.

 

 والحقيقة الأساسية التي لابد من قولها أن هناك تشابهًا كبيرًا بين شكل رواية (١٩٨٤) ورواية (١٩٨٥) فهناك في كلا الروايتين «الأخ الأكبر» أو «القائد» وهناك في كلتيهما استخدام اللغة الجديدة، أو لغة العمال والتي تختصر فكرتها في «أن الحاكم يريد ابتكار شكل جديد من أشكال اللغة يتم إحلاله تدريجيًا محل اللغة القديمة» وتتضمن هذه اللغة- عن طريق تقليل المفردات إلى أقل عدد ممكن- تضييق أفكار الإنسان بحيث لا يمكنه التفكير في المفاهيم التي لا تود السلطة أن يفكر بها، ذلك أن اللغة تشكل الأفكار التي تدور بذهن الإنسان، والإنسان يفكر بكم المفردات التي لديه وكلما زادت المفردات ازدادت المفاهيم التي يفكر بها المتكلم، وكذلك فإن التشابه قائم في عدد من التفاصيل الأخرى كاعتقال بطل الرواية، ومحاولات تغيير فكرته وليس تعذيبه فحسب، غير أن رواية «أورويل» ترى أن كابوس القرن العشرين هو الشيوعية الشمولية التي ستكتسح العالم بينما يرى «بيرجس» أن العرب هم كابوس القرن، فهم يملكون المال والبترول والعقيدة التي تدعوهم لنشرها.

 

 وقبل أن أوجز الرواية سأحاول أن أمر على بعض فصولها مقتطعًا للقراء مشاهد التأثير فيها ونقاط الكراهية من خلالها.

 

في فصله الأول: وتحت عنوان «حريق الميلاد» يفتتح المؤلف روايته بالقول: «الأسبوع الأخير قبل أعياد الميلاد.. ظهر الاثنين.. أصوات المؤذنين في غرب لندن تتعالى معلنة أنه لا إله إلا الله.. أشهد إلا الله إلا الله.. أشهد لا إله إلا الله... شق «البطل» طريقه عبر حشود المشترين متعددي الجنسيات.. السوبر ماركت المبهرج بزينات العيد.. والحانة القديمة التي أصبحت الآن وكالة سياحية متخصصة في تنظيم الرحلات إلى مكة.

 

في فصله الثاني يتحدث الكاتب عن أرض «تاكلاند» ببريطانيا، وتفاصيل صراع البطل مع نقابات العمال التي أصبحت إلهًا جديدًا في حياة الناس.

 

إن مجلس النقابات قام بتأجير هذا المبنى من العرب... ترى ماذا يكون حال تاكلاند بدون العرب؟ النفط الذي لا يتوقف سعره الباهظ عن الارتفاع يتدفق من أرض الإسلام، وبفضله تظل معامل تاکلاند تعمل، وأرض الإسلام لم تعد مجرد الصحراء الحارة بل المحيط البارد أيضًا، فقد رهنت تاكلاند بترول بحر الشمال للعرب مقابل قرض للحكومة حينما أغلق صندوق النقد الدولي خزائنه في وجه بريطانيا نهائيًا.

 

وتمت المطالبة بقضاء الدين وحبس الرهن، وأصبحت الأهلة على رايات بريطانيا، فهم يملكون «العديد من الفنادق» ومنعت المشروبات في البارات، كما منع لحم الخنزير في المطاعم. إن العرب يملكون أشياء لا يعرف الناس أنهم يملكونها بما في ذلك معامل التقطير ومصانع البيرة، وقريبًا جدًا سيقوم في شارع «جريت سميث» المبنى الذي يرمز لقوتهم.. سيقوم «مسجدالحرم» أو مسجد لندن الكبير.. وحتى يذكروا بريطانيا أن الإسلام ليس دين الأثرياء فقط، يتدفق كثيرون من العمال الكادحين من مسلمي الباكستان وشرق أفريقيا إلى بريطانيا بغير عوائق، فقد تم تعديل قوانين الهجرة «التي كانت سابقًا ذات بنود صارمة» لصالح الشعوب الإسلامية»، وهذا التعديل نتيجة سياسة حتمية لإحسان العرب المالي على بريطانيا.

 

رائعة تلك الرواية دون شك فهي بتفاصيلها المتنوعة وبوثائقها الحساسة تجد نفسك بين حدين من الخوف والفزع هل ستنزلق الإنسانية إلى هذا الحد؟.. الأمر الذي تعرف أننا في الطريق إليه لو استمر الحال «تسلط الإنسان على أخيه الإنسان وابتعاده عن منهج الله سبحانه» ورغم ذلك نرى المؤلف قاصدًا، يحشر الإسلام وكأنه أحد مساندي تلك الوحشية القذرة الناتجة عن تطور المدنية وسيطرة الإنسان الظالمة وبعده عن منهج السماء، ففي فصله الثالث تراه يحشر الإسلام مرة في طريقة الأكل «يأكلون البلح ويقشرون الجوز» ومرة في الأعمال الإخبارية «وحينما حان موعد الساعة العربية حولا الجهاز إلى قناة أخرى» ومرة قبل الفجر «حين بدأ من مسجد تشنرويك أذان أول وقت من أوقات اليوم».

 

تستمر الفصول وهي تحمل غمزات متنوعة ولمحات لا تخلو من فهم سليم للإسلام مع محاولة واضحة لوضعه كابوس أوروبا وأنه لآتٍ لا محالة بأشكاله وأمواله وعقيدته وأساليبه «ستبلغ الحركة المسيحية المسكوفية غايتها أي أن الكاثوليكية ستكون قد تحولت «بروتستانتية» والبروتستانينية إلى اللاأدرية. وسيظل الشباب يجرون وراء ما هو غريب وغامض من معتقدات وزعماء حالمين لا يمكن تصورهم، لكن الإسلام لن يكون قد فقد شيئًا من صلابته.. وسيأتي انتشار الإسلام بموت المؤسسات المسيحية التقليدية.

 

في فصله الثالث عشر يتحاور البطل مع سائق عابر فيكتشف أنه من الهند وأنه مسلم ويعمل في بناء المساجد في بريطانيا وينقل عنه قوله عندما سأله عن جنسيته «تستطيع أن تقول إنني «إسلامي» الجنسية.. فالإسلام هو وطني، تمامًا كما أن تاكلاند هي وطنك».. إن الأفكار والمعتقدات تصنع الأوطان والفرق بين الإسلام والدول المادية النقابية هو الفرق بين «الله» و«زجاجة بيرة».

 

الإساءة الواضحة للعرب والمسلمين التي حشرها الكاتب عندما تحدث عن البريطانيين الأحرار، إساءة محشورة في الغالب، وتنم عن رغبته في تنفيس بعض ما في نفسه.. «الملابس العربية، الزي الإسلامي, التعابير الإسلامية، منع البيرة، الشيخ العربي «الحرملك»، اللون الأخضر الإسلامي، السخاء الإسلامي.. وعندما يسأل «بف»«بطل الرواية» قائد «البريطانيين الأحرار» هل العرب قادمون؟ يجيبه: «لقد جاء العرب بالفعل».. إنه الثأر القديم، هل تعتقد أن الحرب المقدسة انتهت في العصور الوسطى؟ إن المخرج الوحيد من مشكلات بريطانية هو العودة إلى المسؤولية والانتماء إلى الدين. العودة إلى الله.. ومن الذي سيهدينا إلى الله الآن؟ المسيحيون؟ لقد انتهت المسيحية بفضل المجلس الثاني للفاتيكان، وهم الآن يعبدون إلهًا قبليًا دمويًا، لقد عشت عشرين سنة واحدًا من المستشارين العسكريين وظللت طوال الوقت محافظًا على عقيدتي الكنسية، ثم رأيت كيف أن الإسلام يحوي كل شيء، وهو مع ذلك دين بسيط وقاطع.. لم أحلم أبدًا بثورة إسلامية في بريطانيا وإنما بتحول بطيء يدعمه تسلل إسلامي يتمثل في الثروة الإسلامية والتأثير الأخلاقي.. تسلل بطيء بطيء.. تأثير البيرة التي يشربها العامل يضعف تدريجيًا، لأن كثيرًا من معامل البيرة تملكها أيدٍ عربية تحت أسماء مستعارة. إن الإنسان لا يستطيع أن يفرض التحريم عن طريق قانون مفاجئ.. لحم الخنزير يتزايد سعره حتى يكاد يختفي تدريجيًا من الأسواق.. وهكذا فالخطر الإسلامي زاحف «لقد اشترى المسلمون بريطانيا» ولندن جزء من أرض الإسلام.. بل هي العاصمة التجارية للإسلام.

 

حتى أسماء الأسلحة والطيارات صارت إسلامية «بندقية نمر الآلية» طائرة الوزة، الطائرة النفاثة «نسر» ومفتي وسط لندن يقول: «إن الوعد قد أعطي للعالم الإسلامي بأسره بأن المسجد العظيم بلندن، المعبد الإسلامي الرئيسي في منطقة الغرب كلها، سيفتتح في احتفال مهيب في أول شوال». وعندما يكتشف العرب واقعهم في بريطانيا ينقل المؤلف عن زعيم عربي قوله «إنه يعلم بعدم شعبية العرب والمسلمين بصفة عامة في بريطانيا، لكن الإسلام عرف العداء عبر وجوده الطويل، ولا توجد نية لسحب الوجود العربي، كثير من الأموال العربية موظفة في العقارات البريطانية»

 

«وربما يتولى السلطة اتحاد إسلامي تحت قيادة سلطان أو خليفة أو رئيس بما يتماشى مع تعاليم الرسول، وذلك لغرس راية الإيمان في بلاد المشركين».. ثم هو ينقل بعد ذلك خبرًا عن احتلال بعض الجزر البريطانية بقوة جزائرية تدعمها أموال السعودية.. وكيف فرضت تلك القوة القانون الإسلامي بالقوة: إغلاق البارات، سكب البيرة والخمر في الشوارع، تحريم لحوم الخنزير وسائر منتجاته، تحويل الكنائس الكبرى إلى مساجد، تحويل المسيح إلى عيسى النبي آخر الأنبياء العظام قبل محمد. أ.ه. أما الملك الإنجليزي الذي وقف يخطب في الناس مؤكدًا حق العمال في الإضراب عن بناء المسجد فهو يقول:

 

المسجد قد يكون مكانًا مقدسًا، لكنه وهو لا يزال حجارة وبلاطًا لا يختلف عن أي سوبر ماركت أو حمام عربي، وإن كان أكبر منها بالطبع؟!!

 

وكتابة الرجل وغمزاته تنم دون أدنى ريب عن فهم عميق لهذا الدين ولأسسه ومنطلقاته وعقيدته، ولأجل ذلك لا يعتبر المؤلف واحدًا من الذين يخلطون بين التصرفات العربية أو الإسلامية التي تسيء إلى هذا الدين، وبين الدين ذاته، وهو لا يحاكم تلك التصرفات أو يستخدمها لخدمة غرضه إلا قليلًا، مفرغًا كامل جهده لطرح صورة الإسلام الصحيحة في الإطار الذي يريده، وذلك بجعله كابوسًا قادمًا على أوروبا كلها، وأنه سيملك مواطئ أقدام الناس جميعًا، وأنه سيفعل في أوروبا ما يتمم تاريخ الحروب السابقة.. كل ذلك في حشد كامل لجعل هذا الدين مصدر الفزع الأكبر لأولئك.. وهو بهذا يقدم تحذيرًا لأبناء جلدته من القوة القادمة الكامنة.

 

كاتب الرواية خبير بالإسلام وبأهله وقد غرس بخبث التخويف منه في مقاطع الرواية الكثيرة.

لقد تعرض بيرجس لكثير من النقاط الفكرية الأخرى دون شك حيث عالجها في بعض المواقع في إطار من الخطابية المباشرة والصريحة، إلا أنها كانت نقاطًا حساسة، وذات بعد في الكيان الحضاري الإنساني الذي أراه يتردى وهو يسير بهدى المادية المطلقة التي لا تجاوز يومه وأمسه، وهذا ما تحصده الإنسانية من ويلات.

 

الرواية

 

بعد هذا العرض لأهم النقاط المثيرة التي حفلت بها الرواية أقدم للقارئ العزيز ملخصًا موجزًا عن الرواية التي حفلت بأشياء كثيرة ونقاط ساخنة متنوعة رائعة في كثير من المواقع:

 

 تسيطر على بريطانيا التي تصبح «تاكلاند» نقابات العمال، التي يصبح قانونها هو القانون السائد.. وهو الإضراب.. «بف» مدرس تاريخ.. استقال من وظيفته وعمل في مصنع للشيكولاتة لأنه رفض استبدال اللغة القديمة باللغة العمالية التي تستخدم مفردات محددة، إلا أن موقفه ذلك بدأ يضعه في خانة المعارضة، ولما أدخلت زوجته المستشفى ماتت أثر حريق شب حيث لم تتدخل قوات الإطفاء لأنها كانت وقت ذاك في حالة إضراب.. وطلبت الزوجة من زوجها الانتقام قبل موتها بدقائق، ومن يومها بدأ خط المعارضة.. حاول العودة للعمل.. غير أن رئيس المعمل فصله من عمله لآنه خالف قانون الإضراب.. ابنته التي صارت متخلفة عقليًا وهي فتاة مراهقة، لا تمل من الجلوس على التلفزيون، وهي لا تعرف شيئًا سوى ما يقدمه لها هذا الجهاز الخبيث، ولم تستطع أن تفهم هذه الفتاة ما يريد والدها أن يفعله رغم كثرة حديثه لها عن حقيقة ما سيصيبه بعد ذلك.. قدسية القانون وحرفيته لم تسمحا له حتى الحصول على معونة البطالة.. إنها الديمقراطية عندما تتحول إلى غول مفزع حيث تصير آلهة جديدة.. «إنك خارج على القانون.. إن عضوية النقابة شرط أساسي لحقك الانتخابي.. أما أنت فلم تعد ممثلًا في البرلمان».. يطرد «يف» من منزله.. وتوضع ابنته في مدرسة لرعاية الفتيات.. يتشرد.. وخلال ذلك يلتقي بالعصابات التي يجد أن بعضها ليس أكثر من ناقمين مثله على النظام والدولة.. من الرافضين لحالة التسطيح الفكري والسياسي فينضم إليهم جزئيًا وتدفعه حالة التشرد إلى السرقة من محل السوبر ماركت ويكتشف أمره فيقاد إلى السجن حيث يلقى هناك نوعًا من المعاملة التي تجمع بين القساوة والاحتقار.. ويحاكم البطل لأنه باختصار وكما يرى هو بالذات «إنسان حرم من عمله لأنه التزم بمبدأ، ورفض أن يكون خروفًا في قطيع النقابة.. ويكون الحكم أن يعاد تأهليه في «عزبة» أو «مصحة» بعيدًا عن لندن.

 

هناك تتوضح له أبعاد أخرى من المأساة.. لقد أصبحت النقابة دينًا وآلهة جديدة ينبغي الانصياع لها ولأوامرها.. هناك يكتشف كيف أن العلم كله سخر لخدمة الفكرة تلك، وأن الأمور بالتالي تجري في مساق واحد.. العالم عندهم عالمان: داخلي أنت حر فيه وخارجي هو الحاكم وينبغي أن يسيطر على العالم الداخلي.. إنها حرية ليس لها أبعاد.. ثم هناك المساواة التي يجب أن تعم في كل شيء من الثقافة حتى الجنس.

 

 في المصحة يكتشف البطل «بف» كيف يعاد تأهيل البعض، وكيف يمسخ القسم الباقي، وكيف تبتكر الوسائل لجعل الناس يقتنعون، وكيف أنه قاوم ورفض حضور الدروس فأنه سيحظى بنوع من العذاب خاص.. يقول أحد الذين أعلنوا توبتهم «لم أكن أؤمن باتباع صفارة رئيس العمل لكنني بعد ذلك اهتديت بل وكأنني سمعت صوتًا من السماء يقول: إن يديك هما اللتان تمسكان بالصفارة، وأنفاسك هي التي تنفخ فيها، ليس هناك شيء اسمه عامل فرد.. کلکم جسد واحد كبير.. ولا يمكن أن نتصور عضوًا من الجسد قد قرر أن يستقل لنفسه».. الآخرون الذين دخلوا المصحة أعيدوا إلى أماكنهم إلا أنه بقي النزيل الوحيد بالمركز كله، ورغم الجهود العديدة التي بذلت معه لإثنائه أو لاعترافه من أجل عودته إلى موقعه في النقابة والعمل إلا أنه رفض ذلك فهدد بالسجن المؤبد الذي عنى، كما قال له مدير «العزبة» «والأمر يمثل تطويرًا بالنسبة لأوضاع الحبس الإجباري.. وليس قصدي أن تتحول المصحات العقلية إلى سجون، ولكن العكس هو الذي يحدث».

 

 بعد عدد من الإرهاصات يتكون في بريطانيا «تاكلاند» جيش البريطانيين الأحرار الذين ينضم إليهم «بف» بعد خروجه من المصحة وهناك يحصل على عمل كمحرر لجريدة الجيش ويتصل بهم اتصالًا وثيقًا، وهناك يفقد ابنته التي أخذها أحد الأثرياء العرب «كمحظية» معه إلى بلاده.. الجيش هذا كما يبدو ينشأ من تمويل إسلامي ويدخل المقر السياسي في محاربة الإضراب العام وسياسة النقابات وتحدث نقطة الفصل حين يرفض عمال «مسجد الحرم» في لندن الإضراب ويصرون على الاستمرار في العمل رغم الإضراب العام الذي أعلنته النقابات جميعها، ويحدث الصدام. ويستخدم «البريطانيون الأحرار» السلاح في قتل بعض المتظاهرين وتتفجر البلاد ويضرب أخيرًا عمال المسجد.. وفي اليوم الثالث عشر للإضراب العام يحرق مبنى «الثقافة الإسلامية العامة في الاستراند» وتسفر المعركة عن وجهها وكأن الإنجليز يتوحدون عند ذلك، تراهم كلهم يجتمعون في اليوم الخامس عشر في «ميدان ترافالجار» يحثهم دافع خفي للتجمع لا أحد يتكلم فيه إلى أن يظهر الملك الذي يأمر الجميع بالعودة إلى العمل، ويخبر الجميع بأن الإشكالات مع العرب قد حلت. الأمر الذي يهيئ فيما يبدو لعودة الأمور إلى سابق عهدها، غير أن «بف» الذي ترك العمل عند البريطانيين الأحرار عندما استخدموا العنف، لا يلبث بعد خطاب الملك أن يكتشف أن غول النقابية عائد لا محالة، فيعود شريداً متسولًا ويلقى القبض عليه بتهمة السرقة، ويكون الحكم عليه بالأشغال الشاقة «المصحة العقلية» التي يجد فيها بعض السلوان إذ يقوم بتدريس التاريخ الإنجليزي القديم لحلقة من نزلائها، ثم يكتشف أن ابنته لن يردها له الشيخ العربي الذي أخذها إلى بلاده، وعندما ينهي تدريس التاريخ القديم لإنجلترا، يكشف عن صدره ويقتحم سور الأسلاك الشائكة المكهربة التي تحيط بالمصحة «منسحبًا من نقابة الأحياء لينضم إلى إضراب الموتى».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

298

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 17

188

الثلاثاء 07-يوليو-1970

هذا الأسبوع - العدد 17

نشر في العدد 18

146

الثلاثاء 14-يوليو-1970

الترقب والانتظار!