العنوان بنيامين نتنياهو: إرهابي صهيوني؟ أم عميل للمخابرات الأمريكية؟
الكاتب عزام التميمي
تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1996
مشاهدات 87
نشر في العدد 1229
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 10-ديسمبر-1996
- نتنياهو تحول فجأة من بائع أثاث إلى مستشار سياسي ثم مساعد لوزير الخارجية، ثم رئيس للحزب فرئيس لوزراء إسرائيل.
- مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي لعب الدور الرئيسي في صناعة نتنياهو ومازال يحتفظ بعلاقات وثيقة معه.
ظهر بنيامين نتنياهو -رئيس الوزراء الإسرائيلي- على ساحة الأحداث بصورة مفاجئة قبل عدة سنوات، حيث انتقل فجأة من وظيفة بائع أثاث عام ۱۹۸۲م إلى مستشار سياسي لسفارة إسرائيل في واشنطن، ثم مندوبًا لإسرائيل في الأمم المتحدة، ثم ناطقًا باسم الوفد الإسرائيلي في مدريد عام ۱۹۹۱م، ثم رئيسًا لحزب الليكود، ثم رئيسًا لوزراء إسرائيل، وقد أذهل هذا الأمر كثيرًا من المراقبين بما فيهم الإسرائيليون -الذين تحسبهم جميعًا لكن قلوبهم شتى- فأخذوا يبحثون في تاريخ نتنياهو وخلفياته وصعوده المفاجئ في سلم الدرجات السياسية العليا حتى أصبح رئيسًا لوزراء إسرائيل ويبدو من ممارسات نتنياهو أنه يسير على نفس النهج الذي سار عليه الزعماء الصهاينة وعلى رأسهم تيودور هرتزل و همر شليد وبن جوريون، وأبا إيبان، وبيجن، ورابين، وشامير، وغيرهم من المجرمين الصهاينة، لذلك فقد سعينا للبحث والتنقيب وراء هذا الصهيوني المجرم ليتعرف المسلمون على حقيقة هذا الوجه الكالح، ويعرفوا المزيد عن تاريخه ومن صنعه وساهم في وصوله إلى زعامة إسرائيل على غرار ما صنع ويصنع زعماء كثيرون، وقد اكتشفنا أن بعض الكتاب والسياسيين الإسرائيليين قد ساهموا في كشف كثير من المعلومات عن الحياة السرية لنتنياهو، كما عرضنا جانبًا هامًا من أفكاره من خلال كتابه «مكان تحت الشمس»، الذي يكشف جانبًا من حياته وتصوراته للصهيونية وللأمة العربية المسلمة.
وكما عودنا القراء دائمًا على تقديم الملفات المتميزة نأمل أن يضيف هذا الملف معلومات مميزة إلى قراء المجتمع.
هل هو إرهابي؟ أم مجرم؟ أم عميل للسي آي إيه؟
من هو بنيامين نتنياهو؟
لندن: عزام التميمي
منذ أن بدأ يصعد نجم بنيامين نتنياهو، ورغم أنه أصبح رئيسًا لوزراء الكيان الصهيوني في فلسطين، لم تتوقف التساؤلات حول ما يعتبره كثير من الإسرائيليين ظاهرة غامضة، فهذا الرجل الذي تزعم حزب الليكود وانتخب رئيسًا للوزراء، دون أن يتقلد منصبًا وزاريًا واحدًا، توجد في حياته محطات مبهمة كثيرة، دفعت صحفيين إسرائيليين ملتزمين إلى محاولة تحري ماضيه الغريب.
ومن ضمن ما كتب في هذا الموضوع مقال نشرته في عددها الأخير مجلة ذي واشنطن ريبورت أون ذا ميديل إيست «أي تقرير واشنطن حول الشرق الأوسط» بقلم نيف غوردن الذي كان حتى وقت قريب يشغل منصب مدير منظمة غير حكومية تعرف باسم «أطباء إسرائيليون وفلسطينيون لحقوق الإنسان» ويحضر الآن لدرجة الدكتوراه في العلوم السياسية بجامعة نوتردام، يتساءل غوردن في مطلع مقاله عن هوية نتنياهو الذي استقبله الكونجرس الأمريكي بكثير من القعقعة والجعجعة، والذي بات واضحًا أن الرئيس الأمريكي بيل كلينتون -الذي اتخذ في الانتخابات الإسرائيلية موقفًا مؤيدًا لخصمه «شيمون بيريز»- قد تبدل الهوى لديه فيما يبدو وأخذ يفصح لنتنياهو عن قدر غير متحفظ من الود، ويتساءل أيضًا: لماذا تتقبل النخبة السياسية في الولايات المتحدة نتنياهو بكل هذا الدفء؟ وتصديقًا للمثل القائل: إذا عرف السبب بطل العجب، يمضي كاتب المقال في تبيان عدد من الحقائق المهمة حول نتنياهو وغاياته -والتي يجزم بأن الإعلام الأمريكي تعمد إغفالها- حتى يكشف المخفي ويحل اللغز.
أسماء نتنياهو الأربعة
لقد عاش نتنياهو ما مر من سنين عمره بالتناوب ما بين فلسطين المحتلة والولايات المتحدة، بعد أن أتم العامين الأولين من دراسته الابتدائية في مدرسة إسرائيلية، انتقل إلى الولايات المتحدة وقضى فيها عامين، ثم عاد ليستقر في القدس إلى أن أتم السنة الثامنة من الدراسة الابتدائية، ثم قفل راجعًا إلى أمريكا حيث أنهى دراسته الثانوية في إحدى ضواحي فيلادلفيا، ليعود إلى فلسطين لأداء الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي، وبعدها توجه إلى أمريكا والتحق بجامعة ماساشوسيتس «إم أي تي» حيث حصل على الليسانس ثم الماجستير، وكان طوال تلك الفترة يحمل الجنسيتين الإسرائيلية والأمريكية، مما أهله للتنقل بحرية بين البلدين، والدراسة في أمريكا والحصول على قروض حكومية لتغطية تكاليف دراسته في «إم أي تي»، ثم ليمارس العمل في الولايات المتحدة بشكل قانوني.
وكأي مواطن أمريكي، كان لنتنياهو رقم ضمان اجتماعي وحساب بنكي والعديد من الملفات في مختلف الدوائر الحكومية، إلا أن ملفات نتنياهو لم تكن كملفات غيره من المواطنين العاديين، وهذا ما كشفت النقاب عنه صحيفة ها عير الإسرائيلية الأسبوعية، حين اكتشف مراسليها وجود أربعة طلبات مختلفة تحت رقم ضمان اجتماعي رقم ٤٣٧ – ٣٦ – ٠٢٠ للحصول على قرض، وكان كل طلب قد قدم باسم مختلف فكان الأول باسم بنيامين نتنياهو، والثاني باسم بنيامين نيتاي، والثالث باسم جيه سوليفان والرابع باسم جون سوليفان جونيور «أو الصغير»، والأسماء الأربعة لشخص واحد بنيامين نتنياهو حامل الرقم المشار إليه أعلاه.
وتوضيحًا لهذه المعضلة، يقول نيف غوردن بأن بنيامين نتنياهو هو الاسم الذي منح لرئيس وزراء إسرائيل الحالي حين ولادته، وهو الاسم الرسمي الذي يستخدمه الآن، ويذكر عن الاسم الثاني أن نتنياهو حينما كان يدرس في جامعة «إم أي تي» تقدم في يونيو «حزيران» ۱۹۷۳ بطلب لدى محكمة بوسطن لتغيير اسمه من نتنياهو إلى نيتاي، لأنه كان يفضل اسمًا قصيرًا، أو على الأقل هذا ما كتبه بيده في ورقة الطلب، «ولا ندري إن كان قد خشي منذ ذلك الحين أن تسخر الصحافة المصرية يومًا منه مختزلة اسمه الطويل على طريقتها الخاصة إلى نتن – يا هو!».
المهم في الأمر أن المحكمة وافقت على طلبه وبذلك يتبدد الغموض المحيط بالاسم الثاني ويظل الإسمان الثالث والرابع أحجية عجز الفضوليون حتى الآن عن فك ألغازها، خاصة وأن العنوانين المرافقين للاسمين يفترض أنهما المكانان في ماليبو بولاية كاليفورنيا، ولكن في الحقيقة لا وجود لهما على أرض الواقع، فمن هو جون جيه سوليفان؟
هل كان عميلاً للسي آي إيه؟
حاول صحفيان من أسبوعية هاعير التحقق من الأمر، فبدأ بالمعاملة الخاصة بالقرض الذي كان نتنياهو قد تقدم بطلب للحصول عليه، وكان من المفترض أن يحتوي الملف الخاص بهذا الحساب على معلومات حول الحسابات المصرفية والقروض، كمًا وتاريخًا، وبطاقات الائتمان، وما إلى ذلك، إلا أنهما وجدا الملف فارغًا تمامًا، كما لو أن نتنياهو لم يكن في يوم من حياته مدينًا، أو لم يحصل إطلاقًا على قرض، أو كان يسدد كل التزاماته وما عليه من فواتير نقدًا وفي الحال.
ثم حاول الصحفيان التدقيق من ملف الضمان الاجتماعي الخاص به، فلم يسمح لهما وإن كانا تمكنا من الحصول على معلومة مهمة مفادها أن ملف نتنياهو يحمل تصنيفًا مختلفًا عن معظم الملفات الأخرى، كما أدركا أنهما منعا من الوصول إلى الملف ليس فقط بناء على قانون الخصوصية لعام ١٩٧٤ ، وإنما لأن الملف يحمل تصنيف «سري للغاية»، وعادة ما ينطبق مثل هذا التصنيف على أربعة أنواع من الناس العاملين في أي من الوكالات الفيدرالية الثلاث الـ إف بي أي «مكتب التحقيقات الفيدرالي» الـ سي أي إيه «وكالة المخابرات الأمريكية»، أو الـ إي أر إس« مصلحة الضرائب».
ولا يبقى بعد ذلك سوى الإرهابيين أو المجرمين، ولما كان من غير المحتمل أن تعتبر الولايات المتحدة شخصًا كنتنياهو إرهابيًا أو مجرمًا، ونظرًا لأنه من المستبعد أن يكون موظفًا في مصلحة الضرائب، فلابد أن يكون من المحسوبين على واحدة من الدائرتين الأمنيتين الإف بي أي أو السي أي إيه.
ومما يبعث على فضول الصحفيين الإسرائيليين، أنه لا يوجد ما يثبت أن نتنياهو تخلى عن جنسيته الأمريكية على الرغم من أن القانون الإسرائيلي يشترط على كل من يرغب في ترشيح نفسه للكنيست البرلمان الإسرائيلي التخلي عن الجنسية الأخرى، رغم ادعاء نتنياهو أنه تخلى عن الجنسية الأمريكية عام ۱۹۸۲م، إلا أنه لا يزال يرفض السماح للصحافة بالاطلاع على ملف تحتفظ به السفارة الأمريكية في تل أبيب، وهو الملف الذي يحتوي على معلومات تتعلق بوضع جنسيته كمواطن أمريكي، وقد تأكد فعلًا أن وضع ملفاته في الولايات المتحدة لم يتغير، وبذلك فهو طبقًا للقانون فيها مواطن أمريكي.
محطات وعلامات غامضة
لقد أثار تسلق نتنياهو السريع فضيلة كل مراقب، إذ مازال لغزًا يستعصي على الحل تسلسل حياته الوظيفي، ففي عام ۱۹۸۲ ترك العمل كبائع للأثاث ليلتحق بالسفارة الإسرائيلية في واشنطن في منصب مستشار لشؤون السياسة العامة، ثم يصبح ناطقًا باسم الوفد الإسرائيلي في مؤتمر مدريد، ثم مساعدًا لوزير الخارجية في حكومة الليكود، ثم رئيسًا للحزب فرئيسًا لوزراء إسرائيل، ولئن كانت تلك المسيرة مبهمة إلى حد ما، فإن أهداف نتنياهو السياسية لم تعد غامضة، بل تزداد وضوحًا يومًا بعد يوم.
يرى بعض الإسرائيليين بأن أفضل طريقة لفهم نتنياهو هي اتباع المثل الإسرائيلي القائل: «إذا ما أردت فهم شخص فلتنظر في أهداف أصدقائه». ومن هنا يأتي الاهتمام البالغ في أوساط الصحافة الإسرائيلية بتحري شبكات علاقاته الماضية والحالية، كمدخل لاستيعاب أهدافه السياسية من خلال التعرف على معارفه ومموليه.
كان على رأس هؤلاء -كما تكشف صحيفة هاعير- شخص يسمى روبين ماثيوس، وهو الذي كان إلى ما قبل وفاته في العام الماضي قد تبرع بملايين الدولارات للحزب الفاشستي التابع للحاخام منير كاهانا وملايين أخرى من الدولارات لصالح مشاريع الاستيطان اليهودي في الخليل، كان هذا الملياردير الصهيوني من أهم ممولي نتنياهو، ويأتي في نفس السياق مارفين جوزفين، رئيس شركة أي سي إم ICM إحدى أكبر شركات النشر في الولايات المتحدة ليس جديدًا أن جوزفين هو أهم ممولي حزب الليكود، وإنما الجديد أنه زاد من تبرعاته ودعمه المالي.
وتشمل قائمة الممولين باري سلوتنيك، وهو محام مختص في الدفاع عن عصابات المافيا الروسية والإيطالية، وكان صديقًا حميمًا للحاخام كاهانا، بل ويعتبره واحدًا من أعظم الأبطال في التاريخ اليهودي، أما تيد أريسون، الذي يملك عدة خطوط شحن بحري في الولايات المتحدة فليس مجرد صديق وإنما من الندماء المقربين لنتنياهو، وتطمح مجموعته التجارية «كلاريدج – اريسون» في شراء ثاني أكبر مصرف في إسرائيل «بانك هابوليم».
أما المتبرعين له من أستراليا -ومن بينهم جوزيف بریندار بیرنارد موس مارك بيسان وجاك مينديل- فإنهم يرغبون في الاستثمار في سوق العقارات الإسرائيلي وفي صناعة المنسوجات الإسرائيلية، ومما يتردد في أوساط الصحافة الإسرائيلية أن مينديل يسمح لنتنياهو باستخدام عمارته الفاخرة الكائنة في تل أبيب بينما يضع ساندي ايسنشتات -الذي يمتلك شركة نفط وغاز إسرائيلية- عمارته الكائنة في القدس تحت تصرف نتنياهو كلما احتاج إليها، وفي لندن كثيرًا ما يحل نتنياهو ضيفًا على روبرت ميردوخ اليهودي الأسترالي الذي يملك أكبر إمبراطورية صحفية في العالم.
وأخيرًا يتحدث الإسرائيليون عن حليف مهم لنتنياهو في أمريكا هو رونالد لاودر صاحب واحدة من أكبر شركات مستحضرات التجميل في العالم «إيست لاودر»، ومؤسس ورئيس وممول معهد شاليم في القدس، والذي يتوقع له أن ينظر لما قد يعرف في المستقبل بالنتنياهوية على غرار الريجانية «نسبة إلى الرئيس الأمريكي الأسبق ريجان» والتاتشرية «نسبة إلى رئيسة الوزراء البريطانية السابقة تاتشر» اللتين لهما في أمريكا وبريطانيا معاهد متخصصة تنظر لهما.
ماذا يعني ذلك؟ الإجابة على مثل هذا السؤال تتلخص في عبارة لأحد صحفيي يديعوت أحرونوت مفادها أن دين نتنياهو هو الخصخصة «بيع مؤسسات القطاع العام إلى الخاص»، فألفاظه ووعوده ومسوحه أرثوذكسية، إلا أن أحلامه وطموحاته ووسائله كلها علمانية نفعية من الدرجة الأولى، وهذا بالضبط ما يحيله في أعين كثير ممن لا يعرفون خلفيته وأهدافه إلى ما يشبه اللغز، ويجعله في أعين رجال الأعمال الأمريكيين والأستراليين جسرا للعبور إلى المنطقة.
يؤكد الدارسون لظاهرة نتنياهو بأنه لا يكاد يوجد بعد تاتشر من يضاهيها سواه في انتهاج سياسة خصخصة عنيفة، وقد ذكر نتنياهو لبعض الصحفيين صراحة أن من المسؤوليات الكثيرة التي أخذها على عاتقه عدم تركيز السلطة وإنما تحريرها، وهذا ما فسره الصحفيون على أنه العزم على بيع كل ما هو مملوك للدولة من أراض وشركات واتصالات لمستثمرين من أرجاء العالم، ولذلك فلا غرابة أن يكون محبوبًا ومفضلًا لدى المؤسسات العالمية الكبرى، وهذا يفسر -ولو جزئيًا- حماس النخبة السياسية في الولايات المتحدة له، كما يفسره اتخاذ نتنياهو من السياسات الاقتصادية البريطانية والأمريكية خلال الثمانينيات «تاتشر – ريجان» نموذجًا وعد بأنه يسعى جاهدًا إلى محاكاته.
أسئلة بحاجة إلى إجابات
رغم كل محاولات التوضيح، تظل بعض الأسئلة بلا أجوبة، هل كان لوكالة الاستخبارات الأمريكية دور في تهيئة نتنياهو للوصول إلى ما يشغله الآن من منصب أعلى حتى يقوم بدفع الاقتصاد الإسرائيلي نحو مزيد من الانفتاح على اقتصاد السوق وعلى المنظومة الليبرالية؟ وهل يكون دوره مكملًا لدور سلفه شيمون بيريز في صنع شرق أوسط جديد، ولكن بدرجة أعلى من التأمرك أي على الطريقة الأمريكية، بمعنى أن مجيئه إلى السلطة لا يعني على الإطلاق تراجعًا عن خط بيريز، وإنما استئنافًا له ولكن بصورة أكثر راديكالية، بحيث تعطى الأولوية في الترتيب الجديد للشركاء الكاو بوي على حساب الشركاء العريان؟ وهل تشهد حقبة نتنياهو تحويل الكيان الصهيوني إلى سوق حرة غربية يتنافس فيها المليارديرية الأمريكان و الاستراليون؟