; رسالة الأرض المحتلة- هدوء القدس ينذر بالعاصفة | مجلة المجتمع

العنوان رسالة الأرض المحتلة- هدوء القدس ينذر بالعاصفة

الكاتب أبو خالد

تاريخ النشر الثلاثاء 10-فبراير-1987

مشاهدات 61

نشر في العدد 804

نشر في الصفحة 21

الثلاثاء 10-فبراير-1987

الانتفاضة الجماهيرية العارمة التي عمت الأرض المحتلة خلال الأسابيع الماضية لم تنطفئ جذوتها، فمازالت النار تحت الرماد قابلة للتوهج مرة أخرى مع أول هبة ريح رغم كل محاولات التهدئة الصهيونية الملفعة مرة بعبارات ملساء والمشفعة مرة أخرى بإجراءات قمعية عنيفة.

فقد نشرت صحيفة «دافار» الصهيونية حديثًا لرئيس بلدية القدس الصهيوني «تيدي كولك» في 18/ 12/ 19786 قال فيه: إن هدوء القدس الحالي ينذر بالعاصفة. ولذلك قرر أن تبقى شوارع القدس مضاءة طوال الليل حتى ولو كلف ذلك البلدية مبلغ 500 ألف دولار مصاريف زائدة. ومن المعروف أن شوارع القدس كانت خلال السنوات الماضية تضاء حتى منتصف الليل فقط اختصارًا للمصاريف، ولكن نشاط المقاومة الإسلامية المسلحة في الأرض المحتلة، وفي مدينة القدس بالذات، والذي كان من أبرزه عملية البراق المشهورة التي أتت على أكثر من 60 صهيونيًّا من القوات الخاصة بين قتيل وجريح وذلك بعد الانتهاء من الاحتفال بتخرجهم.

ومن جهة أخرى فإن بعض المسؤولين الصهاينة يحاولون تصوير الانتفاضة الجماهيرية الفلسطينية وكأنها انتهت، وأن الإرهاب الرسمي ضد المواطنين الفلسطينيين لا يعدو کونه حالات فردية. فقد أعلن الكيان الصهيوني أن «معسكر أنصار رقم الذي أقيم في قطاع غزة قد أُخلي من المعتقلين وعددهم 212 شابًّا فلسطينيًّا بعد أن لاقوا أبشع صنوف التعذيب وغرموا بغرامات باهظة. وقال أحد الضباط الصهاينة: إن وسائل الإعلام تضخم في أمر هذا المعسكر الذي افتتح لاحتجاز المتظاهرين، وأن كل شيء قد انتهى الآن، وأن «كل الجنود تصرفوا بشكل جيد سوى واحد تصرف بخشونة زائدة»!

المصادر الصهيونية تقول إن حصاد الانتفاضة قتل شابين وطفلين وجرح قرابة 80 مواطنًا فلسطينيًّا.

ومع أننا نخجل إزاء مقارنة ما يفعله الصهاينة بأهلنا في الأرض المحتلة مع ما يفعله بعض العرب في لبنان ضد مخيمات الفلسطينيين، إلا إننا نؤكد أن الهدف واحد والمحرك واحد، ولا فرق بين أن يقتل الفلسطيني على يد اليهود أو يقتل على يد العرب فالنتيجة واحدة، ولكن الذي يؤلم النفس أن يزعم القاتل في لبنان أنه مسلم وأنه يقتل الفلسطيني من أجل القضية الفلسطينية!

والأغرب من ذلك أن يظهر على الملأ في الأرض المحتلة جماعة نسبت نفسها إلى «أبو الزعيم»، وعقدت مؤتمرًا صحفيًّا في فندق الأميركان كولوني في القدس تحت حراسة مشددة من الشرطة الصهيونية تعلن فيه حرصها على القضية الفلسطينية ومصلحة الشعب الفلسطيني، وتدعو إلى قبول القرار 242 والتفاوض مع الكيان الصهيوني من أجل إيجاد حل سلمي عادل للقضية الفلسطينية. إنها مهزلة «روابط القرى» التي فشلت، تتكرر مرة أخرى في صورة أخرى تفوح بالعمالة والمذلة، ولا شك أنها ستمنى بالعزلة الجماهيرية والفشل شأن سابقتها «روابط القرى». ولقد كان الفأس الإسرائيلي هو أول من هوِيَ على رأس هذه المجموعة وما تمثله من رموز وأفكار، حين أعلن «شامير» أنه لن ينسحب من أي شبر من الضفة والقطاع مقابل «السلام» باعتبار الضفة والقطاع من «أرض إسرائيل»، وأن «التنازلات» التي قدمها الكيان الصهيوني في اتفاقيات كامب ديفيد هي نهاية المطاف.

هذا الموقف الرسمي للكيان الصهيوني يقابله موقف رسمي عربي مفكك متهالك على ما يسمى بالتسوية السلمية مع هذا العدو الإرهابي، ومع التناقض التام بين الموقفين الرسميين العربي والإسرائيلي فإن هناك موقف مواجهة مستمرة ومتصاعدة، بين المستوطنين الإرهابيين اليهود المدعومين رسميًّا من حكومتهم -وإن أخفت ذلك في بعض الأحيان- وبين المواطنين الفلسطينيين العرب المسلمين المجاهدين بالحجارة والسكاكين وما تقع عليه أيديهم من وسائل المواجهة غير المتكافئة مع عدو يملك أفتك الأسلحة المتطورة مدعوم عالميًّا. بينما إخوتنا في الأرض المحتلة يواجهون من طعن الأصدقاء في الظهر أكثر مما يواجهون من طعن الأعداء من أمامهم. وأمثلة إخواننا الفلسطينيين واضحة أكثر ما تكون في لبنان، أما في داخل الأرض المحتلة فإننا نسوق هذه الأمثلة:

في انتخابات الكنيست الإسرائيلي عام ١٩٨٤:

حصلت حركة «كاخ» الإرهابية المتطرفة التي يتزعمها الحاخام اليهودي «مئير كاهانا» على 31 ألف صوت من أصل قرابة مليوني صوت، أي بنسبة 1.5% من أصوات الناخبين اليهود.

حصل حزب «هتحيا» الإرهابي المتطرف على 83 ألف صوت، أي بنسبة 4٪ من أصوات الناخبين.

حصل حزب «مارشاه» الإرهابي أيضًا على 33 ألف صوت، أي بنسبة 1.6٪ تقريبًا.

هنالك إذًا قرابة 7٪ على الأقل من المستوطنين الصهاينة ينتسبون إلى منظمات إرهابية رسمية ويمارسون الإرهاب ضد المواطنين الفلسطينيين علنًا وبحماية الأجهزة الرسمية. وهؤلاء الإرهابيون اليهود يبلغ عددهم قرابة 150 ألف إرهابي لهم من يمثلهم داخل الجهاز الحاكم. وهم يمارسون الإرهاب علنًا ضد أهل البلاد ويطالبون بطردهم من ديارهم، أو الخلاص منهم بالقتل وهدم البيوت والاستيلاء على الممتلكات وإقامة المستوطنات اليهودية.

زيادة في التوضيح نقول:

- يوم 86/12/19 ظهر «مئير كاهانا» أمام شاشة التلفزيون الإسرائيلي يدعو إلى تشكيل عصابات إرهابية لقتل العرب وطردهم من ديارهم. وفي نفس اليوم قام هذا الإرهابي الرسمي بزيارة المدارس اليهودية التي أقيمت في القدس المحتلة بعد عام 1967 من أجل تشكيل هذه العصابات، أو من أجل رفد العصابات القائمة بعناصر جديدة من المراهقين المهووسين.

وحين كان مئير كاهانا يلقي خطابه المجنون أمام الطلاب اليهود «التائبين» في مدرسة «شوفو بنيم» في عقبة السرايا بالقدس القديمة، كان المواطن الفلسطيني المقدسي الحاج عبد أبو هدوان يكتشف قنبلة مفخخة أمام باب منزله وقنبلة مفخخة ثانية تحت سيارته. فالدعوة للإرهاب لم تكن كلامًا حماسيًّا فقط وإنما كانت فعلًا تطبيقيًّا، وكان الخطاب الحماسي أمام الطلاب مقرونًا بعمل إجرامي قائم فعلًا ويحتاج إلى تعزيز، ولكن عين الله لا تغفل عن المجرمين.

يقول الحاج عبد أبو هدوان: كنت على سطح منزلي حين لاحت مني التفاتة إلى الباب فرأيت خيطًا يمتد من الباب إلى حوض للزهور قريب منه، شككت في الأمر ونزلت إلى الشارع بعد أن طلبت من أهلي عدم فتح الباب، ثم اتجهت نحو سيارتي فوجدت تحتها شبكة أسلاك. اتصلت بالشرطة الإسرائيلية ولم تحضر إلا بعد ساعات عديدة حيث فككت القنبلة التي تحت السيارة وفجرت القنبلة الثانية.

لم تكن هذه العملية الإجرامية مجهولة الفاعل، فقد تركت حركة «كاخ» التي يرأسها «كاهانا» منشوراتها حول العملية ولم يستدع «كاهانا» للتحقيق؛ ذلك أنه يقوم بعمل مرسوم ذي أهداف محددة وضعها مسؤولون في الحكومة والكنيست، و«كاهانا» أحد أعضاء الكنيست الذي رفض رفع الحصانة الدبلوماسية عنه وبالتالي لا يجوز استجوابه. ولماذا نحسن الظن في حكومة يرأسها «إسحق شامير» الإرهابي الأول؟ بل كيف نحسن الظن في «کنیست» اسمه يدل على مضمونه؟ فقد ارتبط اسم هذا البرلمان بالكنيس اليهودي و«كاهانا» حاخام، والطلاب الذين ذهب «كاهانا» ليحرضهم على الإرهاب هم طلاب مدارس دينية. وبعد ذلك يحاول البعض أن يتعامل مع اليهود كأمة متحضرة لها حق الحياة في فلسطين وأنها دولة «ديمقراطية» تحترم الإنسان وتريد العيش بسلام!

ويعلق رئيس الكيان اليهودي حاييم هرتزوغ على حادث القنبلتين المفخختين بأنه «حادث صغير» لا داعي للاهتمام به. ونحن لا ننسى أن «هرتزوغ» نفسه هو الذي أصدر عفوًا عامًّا عن الإرهابيين اليهود من حركة «کاخ» الذين أجريت لهم محاكمات شكلية بعد أن قاموا بعدة عمليات إرهابية منذ عدة سنوات، حيث حرقوا السيارات ووضعوا القنابل في المساجد، وحاولوا اغتيال رؤساء بلديات نابلس ورام الله والبيرة.

وإمعانًا في التضليل قامت الشرطة الصهيونية «باقتحام» مدرستي شوفو بنيم و«تفتسوك» وقالت إنها لم تجد أسلحةً أو موادَّ متفجرة ولذلك لم تعتقل أحدًا!

إن المجاهدين الفلسطينيين في الأرض المحتلة لا يطلبون الحماية من عدوهم وهم يعلمون تمامًا حقيقة الصراع الدائر على أرض فلسطين، إنما الذي يقض مضاجعهم هذا التخاذل العربي إزاء العدو الصهيوني، وبدلًا من أن يحزموا أمرهم لمواجهته والقضاء عليه يفتعلون الصراعات الجانبية الهامشية ويقدمونها على الصراع الحقيقي والأساسي بينهم وبين الكيان اليهودي، والأنكَى من ذلك وأمرّ تهالكهم على الصلح معه، بل تنافسهم على تقديم الدم الفلسطيني قربانًا على مذابح رضاهم وما هم براضين عنهم، وما هم ممن يؤمن جانبهم حتى يقضوا على هذه الأمة وعلى عقيدتها أو يحولوا هذه الأمة إلى قطعان من «الجوييم» وهذه العقيدة إلى شكل بلا مضمون واسم بلا مسمى وطقوس بلا معنى. ألا شاهت وجوههم وذل من اتبعهم، والحمد لله على نعمة الهداية.

والآن ندع الكلام للجبهة الإسلامية لتحرير فلسطين التي تقود جانبًا من الجهاد الإسلامي في الأرض المحتلة. تقول في أحد بياناتها الذي صدر مؤخرًا:

انطلقت مسيرة الجهاد والنضال والتحرير لشعبنا الفلسطيني المسلم معبرة عن حقه المشروع في تحرير وتطهير أرضه المقدسة المغتصبة، وعن آماله وتطلعاته وإرادته في الحرية والاستقلال وتقرير مصيره بنفسه ومدافعة عن وجوده وهويته وحقوقه الوطنية.

أيها الإخوة الأعزاء: إن ثورتنا الفلسطينية لتعبر من خلال انطلاقتها المجيدة عن إرادة وآمال وتطلعات شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والإسلامية، وإن هذه الانطلاقة المباركة تُعد ميلاد أمة كادت أن تندثر وفتحت جميع أبواب الإيمان والجهاد والنضال والحرية والأمل والعزة لجميع العرب والمسلمين ولكل الشعوب المقهورة والمضطهدة في العالم.

أيها الإخوة المسلمون: يا للعار أن تكون هذه حالة الشعب الفلسطيني والعرب والمسلمين! ويا للعار أن نبقى نعيش حالة التشرذم والانقسام والتناحر والمذلة وشعبنا الفلسطيني المسلم وثورته العظيمة يتعرضان لكل هذه المؤامرات، وأن يبقى شعبنا يطارد ويقتل ويلاحق من قبل أنظمة عربية وإسلامية، مع العلم أن هذه الأنظمة أول من تصدى لانطلاقة ثورتنا الفلسطينية.

إننا نعيد ونؤكد أن الطريق الصحيح والمستقيم إلى تحرير فلسطين وإلى وحدة وعزة وكرامة العرب والمسلمين هو طريق الإسلام فقط لا غير.

أيها الإخوة: إن أوضاع أهلنا ومقدساتنا في أرضنا المحتلة شديدة الخطورة وصعبة للغاية، وإن حالة أمتنا العربية والإسلامية غير مرضية وفي تدهور مستمر، والمؤامرات كثيرة جدًّا والأخطار عظيمة وجسيمة والمسؤولية كبيرة.

ثم تتقدم الجبهة الإسلامية بعدد من المطالب، نذكر منها:

- دعم انتفاضة وصمود شعبنا الفلسطيني وثورته في الوطن المحتل وفي مخيمات لبنان وفي كل مكان.

- فتح كل الجبهات العربية أمام ثوارنا البواسل، والعمل على إيجاد وتجهيز جيش الخلاص الإسلامي، ووضع كل الإمكانات والطاقات في خدمة معركة تحرير وتطهير فلسطين.

- العمل على رص الصفوف وتوحيد الأمة وترك حالة الانقسام والتشرذم والفرقة ونبذ الخلافات.

- رفض كل المشروعات والمخططات الاستسلامية والتمسك بالخيار العسكري لأنه الخيار الوحيد لنا أمام أعدائنا.

وتختم بيانها بالقول:

أيها الإخوة المسلمون: إن الجبهة الإسلامية تدعو جميع العرب والمسلمين للمشاركة الفعالة في تحرير وتطهير فلسطين وفرض الحل الإسلامي الصحيح بالقوة والجهاد المقدس. وكذلك الوقوف مع شعبنا وثورتنا الفلسطينية ومع حركات التحرير والجهاد العربية والإسلامية والعمل على دعمها بكل الإمكانات، وكذلك التصدي لكل المؤامرات والمخططات الصهيونية التي تستهدف إنهاء قضيتنا وشعبنا وأمتنا العربية والإسلامية.

أيها الإخوة المسلمون: إننا في الجبهة الإسلامية لتحرير فلسطين سنبقى مع الله وسنبقى على العهد، ونسأل الله عز وجل أن يوفقنا لإعلاء راية الإسلام، وأن يتوج مسيرتنا الجهادية المباركة بالنصر والتحرير وتحقيق آمال وتطلعات شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والإسلامية المجيدة، وإقامة دولتنا الفلسطينية الإسلامية فوق أرضنا الفلسطينية المباركة.

وإنها لإحدى الحسنيين، إما النصر وإما الشهادة.

الرابط المختصر :