; هندسية التأثير.. السحر الحلال | مجلة المجتمع

العنوان هندسية التأثير.. السحر الحلال

الكاتب د. علي الحمادي

تاريخ النشر السبت 06-مايو-2006

مشاهدات 109

نشر في العدد 1700

نشر في الصفحة 60

السبت 06-مايو-2006


نعم، إنه اللسان، ذلك العضو بالغ التأثير، ولعلنا لا نبالغ إذا ما وصفناه ووصفنا ما يحدثه من تأثير عندما يتصف بالفصاحة والبلاغة والحكمة بأنه سحر، وهذا السحر قد يكون سحراً حلالاً وقد يكون سحرًا حرامًا، وذلك يعتمد على استخدامه الحسن أو السيئ، وبهذا يكون التحليل أو التحريم.
وبقوة اللسان وفصاحته ينقلب الحق «في أعين كثير من الناس» إلى باطل والباطل إلى حق، ويعظم الحقير، ويقدر الصغير، ويرتفع الوضيع، ويقدم الجاهل الفصيح على العالم العيي.
يقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله (في الإحياء 3/118) مبيناً خطورة اللسان وأهميته: «إن اللسان من نعم الله العظيمة ولطائف صنعه الغريبة، فإنه صغير جرمُه، عظيم جرمه، إذ لا يستبين الكفر والإيمان إلا بشهادة اللسان، وهما غاية الطاعة والعصيان.
ثم إنه ما من موجود أو معدوم، خالق أو مخلوق، متخيل أو معلوم. مظنون أو موهوم، إلا واللسان يتناوله ويتعرّض له بإثبات أو نفي، فإن كل ما يتناوله العلم يُعرِب عنه اللسان، إما بحق أو باطل، ولا شيء إلا والعلم متناول له، وهذه خاصيّة لا توجد في سائر الأعضاء، فإن العين لا تصل إلى غير الألوان والصور، والآذان لا تصل إلى غير الأصوات، واليد لا تصل إلى غير الأجسام، وكذا سائر الأعضاء.
واللسان رحب الميدان، ليس له مرد، ولا لمجاله منتهى وحد، له في الخير مجال رحب، وله في الشر ذيل سحب، فمن أطلق عذبة اللسان، وأهمله مرخي العنان، سلك به الشيطان في كل ميدان، وساقه إلى شفا جرُف هار، إلى أن يضطره إلى البوار، ولا يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم.
ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع، فلا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدنيا والآخرة، ويكفه عن كل ما يخشى غائلته في عاجله وآجله.
وعلم ما يحمد فيه إطلاق اللسان أو يذم: غامض عزيز، والعمل بمقتضاه على من عرفه ثقيل عسير.
وأعصى الأعضاء على الإنسان اللسان، وقد تساهل الخلق في الاحتراز عن آفاته وغوائله، والحذر من مصائده وحبائله، وإنه أعظم آلة الشيطان في استغواء الإنسان». (انتهى كلام الغزالي).
وصدق الشاعر حين قال: 
وَأحْفَظْ لِسَانَكَ وَاحْتَرِزْ مِنْ لَفْظِهِ
فَالْمَرْءُ يَسْلَمُ بِاللِّسَانِ وَيَعْطَبُ
وزنِ الكلامَ إِذا نطقَتَ ولا تكنْ
ثرثارةً في كلِ نادٍ تخطبُ
ولطالما رأينا أناساً يفشلون في أعمالهم ويهزمون في معاركهم ويذيقون أمتهم الويل ويردونها المهالك، ثم يخرج أحدهم متلاعباً بلسانه مستغلاً فصاحته، فيخطب خطبة عصماء تلهب المشاعر وتثير العواطف، فتنقلب الجماهير الغاضبة إلى جماهير هاتفة بحياة هذا «البطل الهمام» الذي كان قبل قليل فاشلا مهزوماً أو خائناً عميلًا.. فيا للعجب!!
من أراد أن يصنع التأثير فعليه أن يعتني بلسانه، ويرفع من مستوى فصاحته، ويزيد من تراثه اللفظي، ويدرس النحو والبلاغة، ويتأمل قبل ذلك في كتاب الله الذي هو مصدر البلاغة والفصاحة، ويحفظ الشعر، ويطلع على النثر.
يقول صفي الرحمن المباركفوري «الرحيق المختوم ٤٦٤»: ولو تأملنا كلام النبي ﷺ وكيف كان يخاطب الناس ويحاورهم ويتكلم معهم لوجدنا أنه كان يمتاز بفصاحة اللسان وبلاغة القول، وكان من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل، سلاسة طبع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل قبيلة بلسانها، ويحاورها بلغتها، اجتمعت له قوة عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها، إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان كلام رسول الله ﷺ كلاماً فصلاً يفهمه كل من يسمعه».
وانظر إلى الخطاط ابن مقلة الذي كان ألثغ لا يجيد نطق الراء، فأرادوا إحراجه أمام الأمير، فطلبوا أن يقرأ رقعة، وجعلوا ضمن سطورها عبارة كل كلمة فيها تحتوي على حرف الراء، وهي «أمر أمير المؤمنين أن تُحفر بئر على قارعة الطريق ليشرب منها الشارد والوارد»، فقرا ابن مقلة العبارة قائلًا: «حكم حاكم الحكام بأن يُجعل جب على حافة الوادي ليستقي منه الغادي والبادي»، فلله دره كيف نجا من هذا الموقف العصيب؟! إنه اللسان الذي لا يستهين به من أراد أن يكون رقمًا صعبًا، ولا يستصغره من له مثقال ذرة من عقل أو وعي أو حکمة.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2101

939

الثلاثاء 01-نوفمبر-2016

شيء من الترويح!

نشر في العدد 1122

117

الثلاثاء 25-أكتوبر-1994

المجتمع الثقافي 1122

نشر في العدد 1121

94

الثلاثاء 18-أكتوبر-1994

المجتمع الثقافي (1121)