; المجاهد الصومالي أحمد بن إبراهيم جران (۲-۲).. صفاته ومناقبه | مجلة المجتمع

العنوان المجاهد الصومالي أحمد بن إبراهيم جران (۲-۲).. صفاته ومناقبه

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 18-مايو-2013

مشاهدات 59

نشر في العدد 2053

نشر في الصفحة 46

السبت 18-مايو-2013

  • شجاع مقدام لا يهاب الموت.. حسن الصلة بالله تعالى فقد كان يدعو الله في ساحات الجهاد بالنصر أو الشهادة
  • تميز بالإنفاق في سبيل الله وتجهيز المجاهدين حتى أنه لم يكن يبقي سهمه من الغنيمة
  • وقفات مع حماسته في الجهاد وغزواته في بلاد الحبشة
  • المؤرخون الصليبيون الأوروبيون والأحباش أغفلوا تاريخ هذا المجاهد العظيم لأنه فعل بهم الأفاعيل

 ذكرت في العدد الماضي ولادة هذا الإمام على أرض الصومال ونشأته فيها، وتبوُّؤَه مراكز عسكرية متقدمة حتى صار أميرًا لمقاطعة، ثم إمامًا يقاسم السلطان الصومالي سلطته، ثم جهاده الطويل للأحباش وهزيمتهم أمامه في ٩٨٪ من المعارك!

إلى أن استعان ملك الحبشة بالبرتغاليين، وتمكن الحلف الصليبي من القضاء على الإمام وإنهاء ذلك الجهاد الرائع الطويل، وإنا لله وإنا إليه راجعون. 

صفات «الإمام»

«الإمام» هو اللقب الذي عُرف به هذا المجاهد الصومالي، الذي كان له جزء من السلطة مع سلطان هرر، كما بينت في المقال الماضي، لكن كان له القيادة الدينية الشعبية.

وقد كان للإمام صفات جليلة منها الشجاعة والإقدام، فما كان يهاب الموت بل يهجم عليه فـي مـظـانّـه، ويثبّت عسكره من المجاهدين، أو يردهم إذا أرادوا الهرب في المعارك العظيمة، ويعدهم ويمنيهم، فكان أكبر عامل من عوامل النصر في الجيش بعد طاعة الله تعالى، فكم خوف من قوة الحبشة فلم يخف ولم يرجع عن جهادهم يرحمه الله تعالى.

حماسة في الجهاد

ومن صفاته: الحماسة في الجهاد، والرغبة في التوغل في بلاد الحبشة حتى أنه في إحدى المرات التي توغَّل فيها في بلاد الحبشة أراد الغارة على الملك نفسه فلم يطعه أكثر العسكر وأرادوا الرجوع فرجع بهم، لكنه بكى بكاء شديدًا بسبب قلة موافقتهم له آنذاك، ثم بعد ذلك كان عسكره يثنونه عن التوغل في أرض الحبشة إذا أراد فعل ذلك، ويحتجون عليه بأن ذلك لم يكن من فعل أسلافهم، بل كانوا يغيرون على الأحباش فإذا انتصروا عادوا إلى بلادهم بالغنائم ولا يبقون فلم يكن الإمام يملك إلا أن يطيعهم وقلبه مليء بالحسرة.

الإنفاق بسخاء

ومن صفاته الإنفاق في سبيل الله وتجهيز المجاهدين حتى أنه لم يكن يُبقي سهمه من الغنيمة بل كان ينفقه راضية بذلك نفسه، بل كان - أحيانًا- ينفق ذهب نسائه ويبيع أثاث بيته لينفق على المجاهدين.

وكان الإمام حسن المداراة لعسكره ولمن مَلّ الجهاد من قواده، بل كان يعفو عنهم إذا أخطؤوا، وبلغ من حسن مداراته لهم أنهم تمالؤوا مع السلطان عمر دين - الذي نصبه الإمام أحمد بنفسه - على خلعه؛ لأنه أراد أن يصرف أموال الزكاة في مصارفها الشرعية وهم قد اعتادوا أكلها، فلما علم بمؤامرتهم أحبطها لكن لم يعاقبهم وعفا عنهم. لكنه كان حازمًا في موضع الحزم ولا يتهاون.

صلته بالله

ومن صفاته: حسن الصلة بالله تعالى فقد كان يدعو الله تعالى في ساحات الجهاد بالنصر أو الشهادة، وكان قد وطن نفسه ألا يبقى في عاصمته هرر كثيرًا، بل يندفع للجهاد بعد أن يستريح من غزوة سابقة شهرين أو أقل أو أكثر، وكان من عادته أن يأتي بمن يذكر الجيش ويقرأ عليهم القرآن ويحضهم على الجهاد إذا التحمت الصفوف فيهجم المسلمون على الكافرين مكبرين مهللين، وإذا كان الجيش مستعدًا للقتال لكن الصفوف لم تلتحم بعد فإن العسكر يقرؤون القرآن ويدعون الله تعالى، وهذا هو على التحقيق سر النصر. وكان كثير المشاورة لقواده لا يبرم أمرًا إلا بالرأي الذي تستريح له الأغلبية. 

رباطة الجأش

ومن صفات الإمام أيضًا: ثباته الكبير ورباطة جأشه في أصعب المواقف، قال أحد رواة معاركه: «رأيت ليلة عظيمة الريح والمطر، أظلمت السماء واحلولك الظلام وغابت النجوم، وجاءنا ريح ومطر، كأفواه القِرَب، فلقد رأيت الريح تنقل الخيمة من الأرض وتطير بها فوق الخيمة التي تليها، ولقد رأيت الإمام ورجلين من أصحابه ماسكين الخيام وهم يصيحون بالتهليل والتكبير كأنهم أيقنوا هلاكهم في ذلك المكان، فرفع الله عنهم الظلام والمطر والريح، واجتمع المسلمون عند الإمام وهم يقولون: كيف كانت هذه الليلة؟ فقال ناس: هذا طوفان نوح». 

وكم صادف الإمام من الصعاب العظام والمصائب الجسام في غزواته الكثيرة فما لان ولا استكان بل ظل على ثباته يرحمه الله تعالى.

اللين مع الأصحاب

ومن صفاته أنه كان هادئًا لينًا مع أصحابه وأهله، ومن الطرائف أن الإمام اصطحب زوجه دلونبرة بنت الأمير محفوظ معه في إحدى المعارك في بلاد الحبشة فقال له العسكر: لا نذهب إلى بلاد الحبشة إلا إذا أرجعت زوجك إلى بلاد الإسلام، والأمراء الذين من قبلك ما خرجوا بزوجاتهم معهم، فرفضت الزوجة الرجوع ومضت مع زوجها الإمام للقتال، وكان الطريق صعبًا حتى أنه في إحدى الممرات الضيقة حملت الزوجة على رقاب بعض الرجال من شدة تعبها من الطريق.

ومرّ المسلمون بموضع من أرض الحبشة يسكنه مسلمون يؤدون الجزية إلى ملك الحبشة، فأكرموا الإمام وجيشه وأعطوه عشرين مثقالًا من الذهب، فأراد أمراء العسكر أن يعطوا الذهب لزوج الإمام لكنه رفض واشترى به سلاحًا وقال للأمراء: لا يحل لها، هذه معونة للإسلام ولا أعطيها منه شيئًا.

 ثم خرجت زوجه معه في غزوة أخرى وكانت حاملًا، لكنها ولدت في الطريق غلامًا سموه «محمدًا»، وتخلفت عن الجهاد بسبب ولادتها.

إغفال تاريخه

هذا الذي استطعت الوقوف عليه من أخبار المجاهد الصومالي أحمد بن إبراهيم الغازي الملقب بـ«جران»، رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأعلى درجته في عليين (1)، وذلك أن أخبار هذا المجاهد العظيم قد أغفلها المؤرخون الصليبيون سواء أكانوا أوروبيين أم أحباشًا، بل إنهم لم يسمحوا بتداولها ونشرها دهرًا طويلًا؛ وذلك لأن هذا المجاهد العظيم قد فعل بهم الأفاعيل، وفتح أكثر بلاد الحبشة ورد العدوان الصليبي المتكرر على بلاد الصومال، وأفشل مخططات أعداء الإسلام فيها، فلا ريب أن الحنق عليه كان عظيما والتعتيم على أخباره كان شاملًا، لكن أبى الله إلا أن يُظهر من أخباره ما كان مكتومًا، ويبين من أعماله ما كان سرًا مكنونًا، فاللهم لك الحمد.

آخر الفتوحات

قال المستشرق «رينيه باسيه»: «إن فتوحات أحمد جران تعتبر آخر الفتوحات الإسلامية لبلاد الحبشة، وهي من أشهر أحداث الحبشة التاريخية التي وعتها ذاكرة الغرب، فقد كادت هذه الفتوحات أن تسحق المسيحية، وتودي ببلاد الأحباش إلى مثل ما كانت عليه البلاد النوبية في ذلك الوقت». 

وقال السفير الصومالي بالمملكة العربية السعودية الأستاذ عبد الله آدم: «واقع الأحداث في هذه المنطقة في ذلك الوقت يختلف تماماً عما يصوره المؤرخون غير المحايدين، وبخاصة ما كتبه المستشرقون، فالحقائق التاريخية أن موجات الجهاد المتصلة لسلاطين المسلمين في هذه المنطقة إنما كانت بقصد الدفاع عن أرضهم وقيمهم الإسلامية، وعقيدتهم التي كان يُغار عليها في الفينة بعد الفينة، ولم يكن هناك مفر من مواصلة الجهاد».

الهامش

(۱) استخلصت هذه الدراسة من كتاب «تحفة الزمان» في فتوح الحبشة لشهاب الدين أحمد بن عبد القادر بن سالم بن عثمان الجيزاني الشهير بـ«عرب فقيه» الذي شاهد أكثر معارك الإمام وسجلها في كتابه هذا، ومن هنا تنبع أهمية هذا الكتاب، وهو من جزأين، لكن الجزء الآخر مفقود، ولعل المصنف ذكر فيها تفاصيل نهاية جهاد هذا الإمام العظيم فاستكملت هذه الدراسة من بعض المصادر الموجودة على الشبكة العنكبوتية، والله أعلم.


الرابط المختصر :