الأحد 22-ديسمبر-1991
هل يولد كومنولث إسلامي في مواجهة الكومنولث المسيحي؟
- مع انهيار الاتحاد السوفياتي بقي الجيش هو
الورقة التي لم يعمل حسابها أحد.
- كازخستان في كل الأحوال هي التي ستحسم أمر
تكوين جمهورية إسلامية باعتبارها أقوى الجمهوريات الإسلامية.
- إذا كان الجيش يمثل رقمًا حاسمًا في أزمة
الجمهوريات السلافية فإن الجمهوريات الإسلامية تمثل عامل حسم آخر.
- سقطت الشيوعية فهل تسقط النصرانية.
من داخل أراضي جمهورية روسيا البيضاء وبالقرب من الحدود البولندية وبالتحديد من بلدة صغيرة تدعى «بريست» طل فجأة وبدون أي مقدمات رؤساء أكبر ثلاث جمهوريات ضمها الاتحاد السوفياتي «السابق» ليعلنوا للعالم نهاية الإمبراطورية الشيوعية «وانتهاء مفعول معاهدة 30 ديسمبر 1922م التي قام عليها الاتحاد السوفياتي» و«انتهاء وجوده بوصفه طرفًا في القانون الدولي وواقعًا جيوسياسيًا» وكذلك «إلغاء الدستور والقوانين والهياكل والمناصب الاتحادية كافة» وقد صاحب إعلانهم هذا لوفاة الاتحاد السوفياتي إعلان آخر بميلاد «أسرة الدول المستقلة» المكونة من جمهوريات روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء حيث تصبح هذه الجمهوريات منطقة اقتصادية واحدة ذات سياسة خارجية واحدة مما يعني في النهاية قيام كومنولث من دول ذات أصول سلافية وديانة مسيحية.
وقد استقبل العالم هذا الخبر بحذر شديد وترقب أشد فالإعلان كان مفاجأة، خاصة وأن رؤساء الجمهوريات السوفياتية كانوا يستعدون لمواصلة اجتماعاتهم للبحث في ميثاق ودستور غورباتشوف لتكوين اتحاد دول ذات سيادة كوريث شرعي للاتحاد السوفياتي، ولعل أول سؤال تدافع على الألسنة هو: ما مصير الأسلحة النووية؟
فهذه الجمهوريات بالإضافة إلى كازاخستان تتركز فيها الأسلحة النووية السوفياتية خاصة أن الرئيس الأوكراني المنتخب حديثًا صرح بأن رئيس الاتحاد السوفياتي السابق لن يضغط الزر النووي وأن الأمر بإطلاق الصواريخ سيتم من الآن وصاعدًا بالضغط على ثلاثة أزار إلا أن روسيا سعت إلى تهدئة المخاوف في شأن الأسلحة النووية فقد نفى وزير الخارجية الروسي «أندريه كوزيريف» أن يكون هناك أي خطر من وقوع أسلحة نووية سوفياتية في يد جهات غير مسؤولة خلال المرحلة الانتقالية إلى الكومنولث الجديد، وكان وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر قد صرح بأن الاتحاد السوفياتي في شكله السابق لم يعد قائمًا وأنه يواجه خطر الحرب الأهلية مثل يوغسلافيا مع خطر إضافي يتمثل في وجود أسلحة نووية في أراضيه.
أما الرئيس غورباتشوف فقد صدمه النبأ كما صدم الآخرين وإن كان يمثل له نهاية دوره كرئيس لدولة كانت عظمى إلا أنه أعلن: «مازلت في أول طريق النضال من أجل المحافظة على الاتحاد»! مما يعني أن مرحلة من الصراع سوف تنشب بين رئيس الاتحاد السوفياتي «السابق» غورباتشوف وبين الرئيس الروسي «يلتسين»، وفي معرض هجومه قال غورباتشوف: إن إعلان نهاية الاتحاد السوفياتي لا يكون إلا عبر المؤسسات الدستورية، ولذلك فإنه يأمل في أن يعقد مجلس نواب الشعب جلسة طارئة لبحث هذا الأمر لكن حتى مجرد انعقاده يحتاج إلى نصاب لا يعتقد أن بإمكان غورباتشوف حشده في ظل احتكار الجمهوريات الثلاث لحوالي سبعين بالمائة من مقاعد مجلس النواب، كما قد تقدم روسيا على منع انعقاد مؤتمر نواب الشعب على أراضيها باعتباره من الأطر الاتحادية المنحلة.
الجيش.. الرقم الحاسم
لذلك تسارع الطرفان يلتسن وغورباتشوف للاجتماع مع القادة العسكريين كل على حدة على أمل استمالتهم لهذا الفريق أو ذاك إلا أن الجنرال «فاليري مانيلوف» رئيس دائرة الإعلام في وزارة الدفاع كان حريصًا على أن يؤكد لوكالة تاس السوفياتية أن يلتسين وغورباتشوف قد أكدا بدورهما خلال اجتماعات مشتركة أنه لن يكون هناك تقسيم للقوات المسلحة ولا داعي لقلق الرأي العام العالمي من تفكك القوات وإفلات السيطرة على السلاح النووي السوفياتي كما أعلن الجنرال «فاليري مانيلوف» المتحدث باسم وزارة الدفاع السوفياتية أن القوات المسلحة قررت التزام الحياد في النزاع القائم بين الرئيس غورباتشوف وقادة السلافية وأن هذا الموقف اتخذ بعد اللقاءات المنفصلة التي أجراها القادة العسكريون مع كل من غورباتشوف ويلتسين.
لكن يبدو أن سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى الاتحاد السوفياتي «روبرت شتراوس» لا يرى أن مخاطر الجيش تكمن فقط في الانحياز إلى هذا الفريق أو ذاك عندما قال: «إن الجيش هو الورقة التي لم يحسب حسابها أحد» ذلك أن خطر الانقلاب على الفريقين أمر وارد جدًا، وقد قال أحد كبار المسؤولين في إدارة بوش: «إن ما يحدث.. ألا يثير أي جنرال أمضى حياته كلها مدافعًا عن الاتحاد السوفياتي بصيغته التي يعرفها». بل إن صحيفة «روسيا» الناطقة باسم البرلمان الروسي أشارت إلى أن قيادة الأركان العامة كانت تعد لانقلاب يوم الأحد الذي تم فيه توقيع اتفاقية أسرة الدول المستقلة في «ينسك» عاصمة روسيا البيضاء وذكرت الصحيفة أنه كان مقررًا أن يتزامن مع تحركات جماهيرية ضد إطلاق الأسعار يتزعمها «فلاديمير جيرينوفسكي» رئيس الحزب الديمقراطي الليبرالي اليميني والعقيد «فيكتور الكسنيس» أحد رؤساء كتلة «سويورز» في البرلمان قد ينجم عنها مجيء حكومة فاشية حقيقية والاستيلاء على السلطة بزعامة أحد الديماجوجيين الذين أعرف أنهم يعملون.
ومن جهة أخرى فقد ذكرت صحيفة «أزفيستيا» بتاريخ 9/12/91 أن مسؤولًا كبيرًا في وزارة الدفاع أبلغها أن القوات المسلحة ستكون في النهاية إلى جانب الطرف الذي يمولها، أي إن «الجيش لمن يدفع» وهو الأمر الذي استوعبه يلتسين بسرعة وأشار إليه الناطق الصحفي باسمه «باقل نوشانوف» الذي قال إن رؤساء روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء تفاهموا على عقد اتفاق ملحق في شأن القوات المسلحة «وتمويلها» بالتكافل فيما بينهم وقد ذكر أيضًا الجنرال «بيوتر تولستيكو» الذي شارك في لقاء يلتسين مع القيادات العسكرية «إن إعلان الرئيس الروسي استعداده للاهتمام بحاجات الجيش لقى وقعًا ممتازًا في نفوس الحاضرين».
الجمهوريات الإسلامية والخيار الصعب
وإذا كان الجيش يمثل رقمًا حاسمًا في أزمة الجمهوريات السلافية فإن الجمهوريات الإسلامية التي تجمعها حدود مشتركة مع هذه الجمهوريات تمثل عامل حسم آخر فإن انضمامها إلى هذا الاتحاد الجديد يمثل دعمًا له ترسيخًا لهذا الكيان الوليد ورفضها الانضمام يعني ببساطة أن حالة من التوتر ستجتاح المنطقة خاصة إذا توحدت هذه الجمهوريات الإسلامية مشكلة كومنولث إسلاميًا ذا أصول تركية في مواجهة الكومنولث المسيحي ذي الأصول السلافية، كما لا يمكن تجاهل وجود جالية روسية كبيرة في كازاخستان وقد صرح البروفيسور «ألكسندر تسيبكو» نائب عميد معهد الدراسات السياسية لجريدة الحياة أن الجمهوريات الإسلامية قد تشعر بأنها خذلت بإعلان رؤساء الجمهوريات السلافية إنهاء الاتحاد القديم من دون إبلاغ الأطراف الأخرى الأعضاء فيه ولم يستبعد إحياء فكرة «جمهورية تركستان» التي كانت في العشرينيات تضم جمهوريات آسيا الوسطى الخمس، لكن الأمر ليس بهذه البساطة فإذا كان هذا التكتل المسيحي سيؤدي إلى تعزيز المشاعر الدينية والقومية لدى الجمهوريات فإن العامل الاقتصادي ربما يكون عامل كبح فالجمهوريات السلافية الثلاث هي أغنى وأقوى جهوريات الاتحاد السوفياتي والجمهوريات الإسلامية وتعاني من بنية اقتصادية ضعيفة للغاية تعتمد على استيراد البضائع الجاهزة من الجمهوريات الأخرى وقد عمدت الشيوعية طوال حكمها إلى استنفاذ خيراتها وإبقائها أكثر الجمهوريات تخلفًا.
وفي كل الأحوال فإن الذي سيحسم الخيار بين الانضمام فرادى إلى هذا الاتحاد الوليد أو تكوين كتلة إسلامية متحدة فيما بينها ستكون كازاخستان التي تعتبر أقوى جمهورية إسلامية والجمهورية الرابعة التي تحتضن على أراضيها أسلحة نووية، كما برز اسم رئيسها نزار ناييف كسياسي نشط في الفترة السابقة إلا أن عنصر المفاجأة في إعلان الكومنولث الجديد يبدو أنه قد أربكه، فقد صرح في بداية الأحداث «أن أي كيان يقوم على الفكرة القومية أو العرقية هو من مخلفات القرون الوسطى»، إلا أنه عاد وقال إن جمهوريته لن تتخذ قرارها في شأن الاتحاد الجديد إلا بعد التشاور مع الجمهوريات الإسلامية الأخرى في آسيا الوسطى، في حين أعلن «جينادي بوربوليس» النائب الأول لرئيس الحكومة الروسية أن جمهورية قرغيرستان الإسلامية انضمت إلى أرمينيا في تأييد البيان الثلاثي، فيما أعلن رئيس أوزبكستان «إسلام كريموف» أن اتفاقية «مينسك» ذات طابع فوري «وإن كان توقيعها شأنًا داخليًا لهذه الجمهوريات»، كما تجدر الإشارة إلى أن اجتماع قادة هذه الجمهوريات الثلاث روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء كان من المفترض أن يشمل رئيس كازاخستان كذلك كاجتماع تمهيدي لاجتماع آخر مع غورباتشوف لكن الدعوة إلى الرئيس الكازاخي ألغيت في آخر لحظة كما يبدو أن واشنطن أدركت أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به الجمهوريات الإسلامية لذلك سارعت بإعلان أن الجولة المرتقبة لوزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر في الجمهوريات السوفياتية ستتوسع لتشمل كازاخستان وقيرغيزستان.
ورغم أن قرارًا حاسمًا لم يصدر بعد- والمجلة ماثلة للطباعة- عن الاجتماع الذي ضم رؤساء الجمهوريات الإسلامية الخمس في «اشخباد» عاصمة جمهورية تركمانيا إلا أنه يبدو أن العامل الإسلامي لن يكون نشطًا فقط مع الحدود التي تفصل بين هذا الكومنولث وهذه الجمهوريات الإسلامية بل ربما داخل روسيا نفسها، وقد كان إعلان جمهورية شيشان عن استقلالها قريبًا بوادر انفصال للجمهوريات الإسلامية التي تتمتع بالحكم الذاتي داخل جمهورية روسيا نفسها وكما أقدم الرؤساء الثلاث لهذا الكومنولث على اتخاذ قرار حاسم ومفاجئ بإعلان وفاة الاتحاد السوفياتي وانتهاء عهده فربما تتكرر نفس الفعلة داخل روسيا نفسها على يد مسلميها الذين طالما أذلتهم الشيوعية واستعبدتهم، وربما يتوقون اليوم إلى أن تعود روسيا كما كانت في القرون الوسطى «إمارة موسكو».
مقارنة بين الكتلتين المسيحية والإسلامية
(1) روسيا الاتحادية: 51. 4% من السكان – 73,4% من القوى العاملة الصناعية -76,3% من المساحة -48% من القمح -26% من الذرة -48% من اللحم البقري -55% من الدواجن -91% من إنتاج النفط والغاز -75% من إنتاج الغاز -55% من الفحم -63% من الكهرباء -80% من الآليات الصناعية الثقيلة -23% من المحركات -85% من الورق -60% من الأسمنت -18% من احتياجاتها السلعية من الجمهوريات الأخرى.
(2) أوكرانيا – 17,8% من السكان – 2,7% من المساحة -46% من قيمة الإنتاج الزراعي -25% من القمح -56% من الذرة -24% من اللحم البقري -22% من الدواجن -5%من االغاز.
روسيا البيضاء: 3.5% من السكان -9% من المساحة -6% من اللحم البقري -4% من الدواجن -13% من المحركات -تستورد 64% من احتياجاتها السلعية من الجمهوريات الأخرى.
الجمهوريات الإسلامية
(1) أوزبكستان -7% من السكان -3% من المساحة -60% من القطن -6% من الفحم تستورد 45% من احتياجاتها السلعية من الجمهوريات الأخرى.
(2) كازاخستان 5. 7 من السكان -12% من المساحة -20% من المساحة المزروعة 21% من القمح -4% من القطن -8% من اللحم البقري -6% من الدواجن -19% من الفحم. تستورد 42% من احتياجاتها السلعية من الجمهوريات الأخرى.
(3) أذربيجان: 38% من المساحة -2. 4% من السكان -تستورد 47% من احتياجاتها السلعية من الجمهوريات الأخرى.
(4) طاجكستان: 6. % من المساحة -2% من سكان -تستورد 53% من احتياجاتها السلعية من الجمهوريات الأخرى.
(5) كيرغيزيا: 8. % من المساحة -1. 5% من السكان -تستورد 50% من احتياجاتها السلعية من الجمهوريات الأخرى.
(6) تركمانستان: 1. 2% من السكان -3. 8% من المساحة -16% من القطن -12%من الغاز تستورد 52% من احتياجاتها السلعية من الجمهوريات الأخرى.
__________
المرجع: قضايا دولية (العدد 90).
- مع انهيار الاتحاد السوفياتي بقي الجيش هو
الورقة التي لم يعمل حسابها أحد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل