; المجاعة تأكل الصومال | مجلة المجتمع

العنوان المجاعة تأكل الصومال

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-أغسطس-1992

مشاهدات 64

نشر في العدد 1012

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 18-أغسطس-1992


·       الصومال: أرض الحرب والمجاعة.

·       عدد ضحايا الحرب وصل إلى نصف مليون قتيل وجريح ومليوني لاجئ.

·       هكذا وصل الحال بأطفال الصومال.

الملايين في انتظار الطعام.

الصومال دولة تَزول من على وجه الأرض بمدنها وقراها وسكانها، تدمرها الحروب، وتنهشها المجاعات حتى تحولت مدنها وقراها إلى أطلال، وأصبح الأحياء من سكانها هياكل عظمية، يعيشون عيشة هي أقسى من الموت، بل إنهم يقطعون مئات الأميال مَشْيًا على الأقدام يبحثون عن الحياة، إلا أنهم يجدون الموت ينتظرهم في نهاية المطاف.

 

جذور الأزمة: صراع على السلطة

منذ عام 1960 وحتى عام 1988 والصوماليون يَحْلمون بإعادة بناء الصومال الكبرى التي فتتها الاستعمار الغربي في نهاية القرن التاسع عشر إلى خمسة أقسام، هي: صوماليا الإيطالية، وصوماليا الفرنسية، وصوماليا البريطانية، وصوماليا الكينية، وصوماليا الإثيوبية، إلا أن فترة حكم سياد بري للصومال الذي حكم البلاد بالحديد والنار منذ أكتوبر 1969، وحتى هروبه من العاصمة مقديشيو في يناير 1991 انتهت بدخول البلاد في دوامة من الصراعات والحروب التي لا تزال قائمة، نتج عنها أوضاع مأساوية لا توصف لشعب مسلم يقتل بعضه بعضًا دون هدف واضح سوى الرغبة في السيطرة على مقاليد الحكم، في دولة تعتبر مقاليد الحكم فيها من أكبر الأعباء.

 

صراع الإخوة الأعداء: الطريق إلى الإبادة

كان سقوط سياد بري بداية الصراع بين من اتحدوا على إسقاطه وهم الجنرال محمد فرح عيديد رئيس المؤتمر الصومالي الموحد، والرئيس المؤقت علي مهدي محمد، وسرعان ما جمع سياد بري أشلاء بعض قواته، ودخل حلبة الصراع معهم مرة أخرى حتى دخلت البلاد في حرب من نوع خاص، تَقود الصومال إلى الإبادة من الوجود.

 

جهود دولية: فشل متكرر

ومنذ نوفمبر الماضي وحتى الآن بُذلت جهود وتحركات دبلوماسية من أطراف مختلفة لإيقاف الحرب الدائرة في الصومال، شاركت فيها وفود من الأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمتي الوحدة الأفريقية، والمؤتمر الإسلامي، وعُقدت هذه الوفود مؤتمرات ولقاءات مع أطراف الصراع، كانت في كل مرة تخرج منها باتفاقات وبنود سرعان ما تُنقَض بعد توقيعها، حتى أن الصومال أصبح بها ثلاث حكومات وعشرات القبائل، كل منها تُحكم قبضتها على جزء من البلاد؛ مما أدى إلى سقوط الصومال في هوة سحيقة، وأصبح استقرار الوضع في الصومال أملًا بعيد المنال؛ لأن كافة الحلول التي قُدمت لم ترتكز إلى الأصل الذي يجب أن تُحَل فيه الخلافات بين شعب مسلم يقتل بعضه بعضًا بدعوى العرقية تارة، والرغبة في الاستيلاء على السلطة تارة أخرى، ومن هنا نستطيع أن نقول إن كافة المبادرات التي بُذلت لم تكن مبادرات جادة، وكانت تستند إلى مصالح بعض الدول ومطامع دول أخرى، وإلا فإن هناك أطرافًا خفية تَمد الأطراف المتنازعة في الصومال بالسلاح، وتشارك في دمار البلاد وهلاك العباد على الشكل الذي يحدث الآن.

 

هول المأساة: حرب الجياع

هذه الحربالضروس التي يمكن أن نسميها «حرب الجياع» لا لشيء إلا لأن المجاعة التي تَأكل الصومال الآن لم تقف عند حد الأطفال والنساء والعجائز والأدغال البعيدة، وإنما وصلت إلى حاملي السلاح أيضًا الذين تحول كثير منهم إلى عصابات تقوم بالسطو على المساعدات الغذائية البسيطة التي لا تكفي لهَول تلك المأساة الكبرى في البلاد.

أما هول المأساة في الصومال فقد أصبح يفوق الوصف، ويكفي أن تقف أمام أم لِتَرى ولدها يلفظ أنفاسه الأخيرة على صدرها جوعًا، أو طفلًا صغيرًا يجلس وإلى جواره جثة أمه التي كانت تحمله منذ قليل تبحث له ولها عما يسد رمقهما ويجعلهما يواصِلان حياتهما، والمسكين لا يعرف أنها قد فارقت الحياة، ففي تصريح لوزير الصحة الصومالي المؤقت الدكتور عبدي عيديد نشرته «كونا» في الخامس من أغسطس الجاري ذكر فيه أن خمسة آلاف صومالي يموتون جوعًا في الصومال كل يوم، وبلغ عدد ضحايا الحرب نصف مليون قتيل وجريح، ومليوني نازح، وفي السادس من أغسطس الجاري وصف وزير الشئون الإنسانية الفرنسي برنار كوشنر الوضع في الصومال بعد عودته من زيارة إليها قائلًا: «لقد وجدت في أعماق الصومال أطفالًا يموتون في أحضان أمهاتهم في أشد المشاهد هولًا في العالم» وأضاف قائلًا «إن ما يحدث في الصومال جحيم على الأرض».

وعلاوة على هذا الوصف المخيف فقد أكد ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في الصومال محمد سحنون في أول أغسطس الجاري «أن هناك مليونًا ونصف مليون صومالي معرضون للموت جوعًا في الشهور المقبلة، وأن مدينة بربرة التي تعتبر من أكبر المدن الصومالية ستصبح خلال أسابيع مجرد سراب لا أثر للحياة فيها؛ لأن من بقي من السكان فيها ينتظرون الموت ليس إلا».

ووصفًا لتحول طبيعة القتال في كثير من المناطق في الصومال فقد وصف الوزير الفرنسي «كوشنر» بعض صور القتال فقال: «إن الجوع دفع بالكثيرين إلى القتال من أجل الحصول على الطعام، وليس شيئًا آخر».

وقد وصف مراسل صحيفة «لو بوان» الفرنسية في تقرير نُشر مؤخرًا الفوضى التي خلفتها الحرب في الصومال قائلًا: «يمكن القول إن معالم الصومال وحدوده قد تلاشت إلى حد كبير، ولم تعد البلاد خاضعة لأي نظام أو أمن أو سيطرة؛ حيث أصبحت مفتوحة لكل أنواع التجارة الممنوعة والتهريب».

 

أبعاد المأساة: الثمن الباهظ

إن شعب الصومال وحده هو الذي يدفع الثمن، لكنه ثمن باهظ لأبشع حالات الموت وهو «الموت جوعًا» في عالم يدعي أنه نظام عالمي جديد، أما شعب الصومال الذي يموت جوعًا فهو شعب مسلم، تَخلّى عنه شعوب مسلمة، تستطيع أن تسد جوعته وتنقذه من براثن الموت ومخالب المجاعة.

وإذا كان مراسل «الصنداي تلغراف» نقل في تقرير له نشرته صحيفته مؤخرًا مذكرة رفعها أحد الصوماليين إلى مسئول مكتب الأمم المتحدة في مقديشيو قال له فيها: «إننا لسنا بحاجة للغذاء والدواء، وقد شاء الله -سبحانه وتعالى- أن نعاني من هذا التمزق والجوع؛ لأننا هجرنا القرآن، ولم نتبع تعاليمه السمحة» فهذه المقالة أوجزت أبعاد مأساة الصومال، وسبب ما يدور فيها، إلا أنها لا تعفي الدول العربية والإسلامية من أن تقوم بواجباتها على كافة الأصعدة لإنقاذ شعب مسلم ينتظر الموت جوعًا، لا سيما وأن كثيرًا من التقارير قد أشارت إلى أن الجامعة العربية تملك كثيرًا من الأوراق بخصوص ما يحدث في الصومال، فمتى نتحرك لإنقاذ شعب الصومال؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل