العنوان تركيا: «تحالف وطني» بين العدالة والتنمية والحركة القومية
الكاتب د. سعيد الحاج
تاريخ النشر الخميس 01-فبراير-2018
مشاهدات 75
نشر في العدد 2116
نشر في الصفحة 36
الخميس 01-فبراير-2018
تشكيك البعض بالتزام «الحركة» بدعم التعديلات الدستورية لم يقلل من ثقله السياسي بجوار العدالة والتنمية
التغير الكبير في سياسات «الحركة» يمكن التأريخ له بالمحاولة الانقلابية الفاشلة عام 2016م
المحاولة الانقلابية أعطت رئيس «الحركة» فرصة لالتقاط الأنفاس ومواجهة خصومه الداخليين وإخراجهم من الحزب
«الحركة» بحاجة لتحالف انتخابي ليضمن تحصيل العتبة الانتخابية في نوفمبر 2019م
سياسات العدالة والتنمية تروق لـ»الحركة» مثل مكافحة العمال الكردستاني ووحدة تركيا وتطهير مؤسسات الدولة
وفق المعطيات الحالية سيكون العدالة والتنمية والحركة القومية ضمن التيار الأول الذي تقدّر نسبة ناخبيه بـ65%
على عادته مؤخراً، فجر رئيس حزب الحركة القومية «دولت بهجلي» مفاجأة سياسية من العيار الثقيل، حددت الأجندة السياسية والإعلامية الداخلية في تركيا بشكل واضح، حين أعلن أن حزبه لن يقدم مرشحاً خاصاً به في الانتخابات الرئاسية نهاية عام 2019م، وأنه سيدعم الرئيس الحالي «رجب طيب أردوغان»، مرشح حزب العدالة والتنمية في تلك الانتخابات.
منذ تسلمه الحكم في تركيا نهاية عام 2002م وحتى العام الماضي، قامت حكومات حزب العدالة والتنمية المتتالية بتسعة تعديلات على دستور عام 1982م المطبق في البلاد، الذي صاغته القيادة العسكرية لانقلاب عام 1980م، لكن كل ذلك لم يكن كافياً على المدى البعيد، وكان مهدَّداً بالضياع أدراج الرياح إن لم تتم صياغة دستور مدني جديد للبلاد.
ولما كان مصير لجنة صياغة الدستور المكونة من الأحزاب الممثلة في البرلمان في الدورة التشريعية الماضية الفشل، كان لا بد من تعديل دستوري واسع النطاق لتجاوز المشكلات البنيوية في الدستور، لكن الحزب الحاكم كان يفتقر إلى أغلبية الثلثين في البرلمان التي تؤهله لحسم الأمر أو إلى أغلبية 60% التي تمكنه من عرضه على استفتاء شعبي، وهنا جاء دور «بهجلي».
فاجأ زعيم الحركة القومية «دولت بهجلي» الأوساط السياسية في تركيا بدعوته حزب العدالة والتنمية لتقديم مشروعه إلى البرلمان، وأعلن عن استعداد حزبه لدعمه، لفض الاشتباك القانوني والتداخل في السلطات بين مؤسستي رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة وفق الدستور، دعمُ الحزب القومي لمشروع التعديل الدستوري المتضمن لتحويل نظام الحكم في البلاد إلى رئاسي كان كافياً لعرضه في استفتاء شعبي في السادس عشر من أبريل الماضي، الذي دعا أنصاره لتأييده، وهو الاستفتاء الذي مرَّ بنسبة تأييد بلغت 51.4%.
موقف الحركة القومية
قيل الكثير حول نتيجة الاستفتاء الشعبي على التعديل الدستوري، خصوصاً فيما يتعلق بعدم التزام غالبية كوادر وأنصار حزب الحركة القومية بدعمه، من خلال تحليل النتائج التفصيلية للاستفتاء، لكن ذلك لم يقلل أبداً من الثقل السياسي الذي مثله وما زال يمثله حزب الحركة القومية وزعيمه «دولت بهجلي» في المشهد السياسي الداخلي إلى جانب العدالة والتنمية، لدرجة أن حزب المعارضة الأكبر -الشعب الجمهوري- يتهمه بأنه تحوَّلَ من حزب معارضة إلى حزب موالاة للحكومة.
يمكن تأريخ التغير الكبير في رؤية وسياسات الحركة القومية بالمحاولة الانقلابية الفاشلة في يوليو 2016م، حيث كان الحزب قد رفض المشاركة في حكومة ائتلافية مع العدالة والتنمية بعد انتخابات يونيو 2015م التي فقد فيها الأخير أغلبيته البرلمانية، تقول قيادة الحزب: إنه يستشعر، بعد الانقلاب الفاشل، المرحلة الخطيرة والحساسة التي تمر بها تركيا، وأن حملات استهدافها وإسقاطها تجري على قدم وساق؛ مما يحتم عليه أن يقدّم المصلحة الوطنية العامة على مصلحته الحزبية الخاصة، وأن يقف إلى جانب الحكومة التركية في هذه المعركة.
ثمة جانب كبير من الصواب في هذا الكلام، لكنه لا يبدو كافياً وحده كإطار تفسيري للتغير الدراماتيكي في توجه الحركة القومية؛ ولذا فمن الضروري البحث عن أسباب أخرى وعوامل إضافية ساهمت وتساهم في بلورة موقف الحزب.
وهنا يمكن ذكر التالي:
أولاً: المشكلات الداخلية التي عانى منها الحزب قبل الانقلاب الفاشل بخروج عدد من القيادات ضد رئيسه ومطالبتهم بهيئة عمومية استثنائية تنتخب رئيساً جديداً وترشح بعضهم في مواجهته، صحيح أن المحاولة الانقلابية أعطت «بهجلي» فرصة لالتقاط الأنفاس ومواجهة خصومه الداخليين وإخراجهم من الحزب، لكنهم ما زالوا يشكلون خطراً عليه بعد أن انشقوا وأسسوا حزباً جديداً اسمه «İYİ PARTİ» (الحزب الجيد) برئاسة القيادية السابقة في الحزب ووزير الداخلية الأسبق «ميرال أكشنار»، وهو ما يمثل تحدياً مهماً لـ»بهجلي» يستعين عليه بالتعاون مع الحزب الحاكم والحكومة.
ثانياً: نتيجة لما سبق وعوامل أخرى إضافية، يبدو الحزب قلقاً من احتمالية فشله في تخطي العتبة الانتخابية في الانتخابات البرلمانية المقبلة في نوفمبر 2019م، وهي نسبة 10% المطلوبة من أي حزب لدخول البرلمان وإلا بقي خارجه؛ وبالتالي فهو بحاجة إلى تحالف انتخابي أو سياسي يساعده على تخطي العتبة والتمثّل في البرلمان، وليس أفضل من العدالة والتنمية الحاكم وصاحب أفضل الفرص والمتقارب فكرياً مع الحركة القومية ليكون هذا الحليف أو الشريك.
ثالثاً: ترضي السياسات التي تنتهجها حكومة العدالة والتنمية في خطها العام الحركة القومية، سيما ما يتعلق بمكافحة حزب العمال الكردستاني، والتأكيد على وحدة تركيا أرضاً وشعباً ودولة، وحملة تطهير مؤسسات الدولة من كوادر التنظيم الموازي المتهم بالوقوف خلف المحاولة الانقلابية الفاشلة، ومواجهة المشروع السياسي لحزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) شمال سورية، وجهود إفشال استفتاء كردستان العراق، وغيرها.
التحالف الوطني
إثر إعلان «دولت بهجلي» عن دعم الرئيس «أردغان» -المرشح الأبرز والأقوى- في الانتخابات الرئاسية المقبلة، التقاه الرئيس التركي وأعلن الطرفان عن تشكيل لجنة من كلا الحزبين لنقاش المسار المستقبلي للتعاون بينهما، وأطلقا على التحالف المتشكل حديثاً اسم «التحالف الوطني»؛ ذلك أن «أردوغان» يركز مؤخراً بشكل كبير على صفتيْ وشَرْطَيْ «المحلي» و»الوطني» في كل المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والفكرية والثقافية وغيرها، كما أن ما يجمع الحزبين هو هدف حماية الدولة التركية من المتربصين بها في الداخل والخارج.
ثمة تفاصيل كثيرة ستعمل عليها اللجنة الثنائية المشتركة بين الحزبين، وفي مقدمتها الشكل القانوني للتحالف المفترض، خصوصاً في المحطة الانتخابية القادمة، وما يتطلبه ذلك من أرضية تشريعية تسمح به وتؤطّر لتفاصيله، ذلك أن تركيا لم تشهد هذه الحالة من قبل؛ ما يستدعي التريث والتحوط لكل التفاصيل، بما في ذلك اختيار المرشحين والقوائم (مشتركة أم منفصلة) والدعاية الانتخابية وآلية حساب النتائج وتركيبة البرلمان وما يترتب على هذا التعاون أو التحالف بين الطرفين.. إلخ.
وإلى ذلك الحين، يبقى حزب الحركة القومية مسانداً قوياً لحزب العدالة والتنمية الحاكم، إذ يشكل نواب الجانبين أغلبية تتيح لهما سن القوانين الضرورية في البرلمان، وفي مقدمتها “قوانين المواءمة”؛ أي القوانين المطلوبة للانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي بسهولة ويُسر، ومنها قانونا الانتخاب والأحزاب السياسية، وهي الأجندة الأهم للبرلمان حتى الانتخابات في عام 2019م.
بيد أن الانعكاس الأهم والأكثر تأثيراً لهذا التحالف الناشئ بين الحزبين يتعلق بالخريطة الحزبية والفكرية والسياسية في البلاد بعد بدء تطبيق النظام الرئاسي نهايات عام 2019م، ذلك أن سريان النظام المؤقت بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية المتزامنة في نوفمبر 2019م، سيفتتح مرحلة جديدة تماماً ومختلفة جداً في الحياة السياسية والتجربة التركية الحديثة، ستترك بصمتها على مستقبل البلاد لسنوات طويلة قادمة.
ولعل من أهم المتغيرات على هذا الصعيد ما يتعلق بالحالة الحزبية في البلاد؛ حيث إن النظام الرئاسي بتعريفه وطبيعته وأدواته يقلل من ثقل الأحزاب السياسية عما كانت عليه في النظام البرلماني لصالح مؤسسة الرئاسة الأهم بطبيعة الحال في النظام الرئاسي، وهذا يقودنا إلى توقع تحول حالة الاستقطاب والتنافس بين الأحزاب إلى حالة شبيهة بين “تيارات” سياسية، أحدها “يميني” يضم الأحزاب الإسلامية والمحافظة والقومية (التركية)، والثاني “يساري” يضم الأحزاب العلمانية واليسارية والقومية الكردية.
وفي ظل خريطة كهذه، ووفق المعطيات الحالية، سيكون حزبا العدالة والتنمية والحركة القومية ضمن التيار الأول الذي تقدّر نسبة ناخبيه بـ65%، مقابل 35% للتيار الآخر، وهي معادلة سينكفئ فيها حزب الحركة القومية ضمن التيار الذي سيقوده العدالة والتنمية ورموزه (ولكن يضمن بقاءه ويحافظ على وجوده على المدى البعيد)، وهي المعادلة التي ستفرض نفسها بشكل كبير على الحياة السياسية التركية وتؤمّنُ نوعاً من الاستقرار السياسي ستحتاجه البلاد في الفترة الانتقالية الحرجة التي تنتظرها حتى عام 2019م وما بعده.