العنوان أزمة الحضارات في القرن العشرين ( 1من ۳)
الكاتب روبرت كرين
تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1995
مشاهدات 85
نشر في العدد 1156
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 04-يوليو-1995
المواجهة مع الحضارة الإسلامية أو الارتباط السلمي
دراسة بقلم: د. روبرت کرین(1)
- ترجمة: عمر ديوب، حق النشر بالعربية لـ "المجتمع".
- نحن مقبلون على عالم سيشن حروبًا بين تكتلات اقتصادية وانحلالًا أخلاقيًا وروحيًا داخل الولايات المتحدة
- على الغرب أن يبني علاقاته مع الشعوب الإسلامية وليس مع الحكومات التي لا تعبر عن نبض تلك الشعوب
- إنني أدعو لحوار حضاري بين الغرب والعالم الإسلامي لاتفاق المصالح وتشابه المبادئ
دخلت السياسة الخارجية الأمريكية مرحلة جديدة هي حقبة انتهاج سياسة الاحتواء، وهي ما سبق أن أشار إليه الكاتب جورج كين في مقال منشور قبل ٤٠ عامًا - دون ذكر اسمه- في دورية «الشئون الخارجية», ذلك أننا نعيش اليوم في عالم متغير عالم اختفى منه نظام القطبين بعد زوال الخطر الشيوعي وها نحن نعيش اليوم حقبة لم تعد فيها أقطاب، ولكنها محفوفة بالأخطار، وتتدرج هذه الأخطار من النزاعات العرقية والتطرف الديني والإرهاب والانتشار النووي إلى المخدرات، والاضطرابات الاقتصادية، والانفجار السكاني، ودمار البيئة.
وقد بات من الضروري أن يعمل أولئك الذين يديرون شئون هذا العالم من داخل البيت الأبيض على بذل كل ما في وسعهم لإيجاد حلول للمشاكل التي تعتري سكان هذا العالم حاليًا، وإن عليهم أيضًا الشروع فورًا في محاولة احتواء تلك المشاكل وإلا سوف تلقي عليهم باللائمة.
نظرية هنتنجتون:
وبعد أن سجلت السياسة الأمريكية عثرات عديدة طلب المسئولون الأمريكيون من بعض جهابذة السياسة الخارجية تقديم اقتراحاتهم وتصوراتهم عن ماهية السياسة الأمريكية خلال الحقبة القادمة، وقد انتهى هؤلاء إلى وضع نظریات وأطروحات سياسية تكاد تكون شبيهة بالنظريات الفيزيائية، وكان من بين ما قدمه هؤلاء من نظريات تلك النظرية المثيرة للجدل التي قدمها صمويل هنتنجتون، والتي مفادها أن الحضارات سوف تضطلع بدور بارز فعال في خريطة السياسة الدولية خلال القرن القادم، إن هنتنجتون هذا لم تفارقه بعد عقلية الحرب الباردة التي كانت ترى العالم من منظور تشاؤمي وكأنه محفوف بالمخاطر فقط، وقد تنبأ بوقوع صراع بين حضارات العالم، ومن ثم دعا الممسكين بزمام السياسة الخارجية الأمريكية إلى بذل الجهد نحو انتهاج سياسة الاحتواء للمخاطر التي قد تنجم في المستقبل عن صراع الحضارات.
الخطر الأكبر على المصالح الأمريكية:
وترى الأوساط السياسية والاستخباراتية في أمريكا أن أكبر خطر يهدد المصالح الأمريكية سوف يأتي من العالم الإسلامي، وقد ذهب هنتنجتون إلى أبعد من ذلك، حيث تنبأ بأن الخطر الأكبر على الحضارة الغربية سوف يأتي من حضارتين هما: الحضارة الصينية أو الكونفوشيوسية والحضارة الإسلامية، كما تنبأ أيضًا بقيام تحالف في المستقبل بين هاتين الحضارتين من أجل مواجهة أمريكا وبقية بلدان العالم غير الإسلامية، ثم انتهى إلى القول بأن من واجب أمريكا أن تعمل على احتواء هذا الخطر الداهم.
إن ما سبق ذكره في هذا السياق يؤكد لنا أن الحضارات – بصفتها أرقى أشكال التعبير عن الهوية الإنسانية – سيكون لها دور فعال في «القرية العالمية» خلال القرن القادم، غير أن ذلك يؤكد أيضًا على ضرورة التخلص من عقلية الحرب الباردة، والعمل نحو تحقيق الارتباط السلمي خلال القرن القادم، حيث تسمو مصالح الحضارات والشعوب والأفراد.
ويبدو أننا قد رجعنا إلى الوراء... إلى عام ١٩٦٧م على وجه التحديد، عندما طالعنا زيجنسيو بريزينسكي بمفهوم جديد للارتباط السلمي، وذلك في سبيل القضاء على النظام الشيوعي، بيد أن الوضع يختلف حاليًا عن تلك الحقبة، ذلك أن الإسلام بكونه واحدًا من أكبر حضارات العالم لا يسعى إلى تدمير أمريكا كما كان الحال مع النظام الشيوعي، فضلًا عن أن تحول عدد كبير من المسلمين من شتى بقاع العالم إلى التطرف كان بسبب ما عانوه من البطش والاضطهاد على يد الأنظمة الحاكمة في بلدانهم.
وعلى الرغم من أن التنبؤات التي تحققت قد أوجدت في العالم الإسلامي المخاطر التي تسعى الآن إلى احتوائها، فإننا نأمل أن تؤتي سياسة تحليل الفرص واتخاذ المبادرات ثمارها في الوقت القريب، وقد يكون الاتفاق المبرم بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل الخطوة الأولى نحو هذا الاتجاه، ولكن لا يمكن اعتباره خطوة أولى إلا إذا كان جزءًا من خطة عريضة للارتباط السلمي ليس مع حفنة من حكومات منعزلة وغير ممثلة لشعوبها في العالم الإسلامي، ولكنها خطة للارتباط السلمي مع مليار مسلم يشكلون خمس سكان العالم، ويعيشون على امتداد ألف ميل من المحيط الهادي إلى المحيط الأطلسي.
إننا مقبلون على عالم سيشهد حروبًا بين تكتلات اقتصادية وانحلالًا أخلاقيًا وروحيًا من داخل الولايات المتحدة، ومن الخطورة بمكان أن تنصب السياسة الخارجية على احتواء المخاطر على حساب الفرص لما ينطوي عليه ذلك من خطورة، لأن ذلك من شأنه أن يولد الخطر الذي نحاول جاهدين الحيلولة دون قيامه، وهذا الخطر يتمثل في وجود شعوب متطرفة وحكومات غير ممثلة لها ذات عقليات إرهابية وقد يؤدي إلى نشوب حرب نووية.
إنني أدعو من خلال هذه الأسطر إلى مد جسور حوار حضاري بين الغرب والحضارة الإسلامية، حوار مبني على أساس من الفهم بأن مبادئ الشريعة الإسلامية متشابهة إن لم تكن مماثلة لنفس المبادئ التي آمن بها الأجداد الذين أسسوا أمريكا ذلك على الرغم من أن كلاً من المسلمين والأمريكيين فقدوا الكثير من ذلك التراث المشترك.
وعلى الرغم من وجود تشابه كبير بين المصالح الأمريكية ومصالح العالم الإسلامي؛ فإن كلا الطرفين يتبع سياسات تتسم بضيق الأفق ويؤدي إلى خسارة كل منهما، حيث إن تلك السياسات مبنية على عقلية أن أي مكسب لأي من الطرفين لا بد أن تقابلها خسارة للطرف الآخر، وهناك خطران كبيران يهددان السلام في العالم ألا وهما: إصرار الولايات المتحدة على التمسك برؤيتها الضيقة في دعم ما تسميه بالنظام العالمي الجديد والذي يقوم على أساس الحفاظ على الوضع القائم حاليًا في العالم وكذلك إصرار المسلمين أيضًا على التمسك برؤيتهم الضيقة والداعية إلى قلب النظام العالمي القائم حاليًا في سبيل إحلال العدالة، ويسلك كل من الطرفين نهج التطرف في وضع استراتيجيته عن طريق وصف الطرف الآخر بالشرير والحرص على تحقق تنبؤاته الخاصة بالطرف الآخر.
إن الحل الوحيد أمام الولايات المتحدة يكمن في الاعتراف بأنه لا بد من حدوث تغيير جذري في العالم، كما ينبغي على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يدركوا أن تحقيق العدالة في العالم لن يحدث إلا عن طريق التعاون مع أمريكا من أجل مواجهة التحديات واستغلال الفرص المشتركة.
أولًا- صراع الحضارات:
منذ أن غاب عن العالم نظام القطبين وما واكب ذلك من أحداث مثل: وصول الرئيس بوريس يلتسين إلى السلطة وسقوط جدار برلين، لم يطرأ على خريطة السياسة الدولية أي تغيير، فقد عايشنا أولاً ما أسماه فرنسيس فوكوياما بـ «النظام العالمي الجديد» بعد أن نعى هذا الأخير النظام الشيوعي وانهزامه ثم إعلانه عن انتصار الديمقراطية الليبرالية وقيام نظام عالمي جديد تسود فيه النخبة الحاكمة في الولايات المتحدة.
ولكن سرعان ما أثبت ذلك «النظام العالمي الجديد» فشله الذريع وعجزه عن الصمود فترة ولو قصيرة، وقد وصفه أحد أعمدة العلمانية في العالم –وهو هنري كسينجر– بأنه منذ ولادته نابع من فكرة سخيفة لقناعته بأنه لن يحدث في المستقبل توافق في الآراء حول طبيعة المستقبل المنشود.
وقد ظل صانعو السياسة الأمريكية تائهين في البحث عن معالم ذلك النظام الجديد دون العثور على أية مؤشرات ملموسة لها، بل فوجئوا بلطمة الأحداث في البوسنة والصومال وكشمير وطاجيكستان ومناطق أخرى في العالم، ولم يتمكن هؤلاء من وضع استراتيجية يمكن اتباعها عند التعامل مع كل حدث من تلك الأحداث أو جميعها، ولذلك لجأوا إلى التحذير من قدوم حقبة حالكة حقبة تسود فيها الفوضى والاضطرابات.
وبعد أن ضاقت سبل البحث على هؤلاء, وجدوا ضالتهم في نظرية صمويل هنتنجتون - مدير معهد الدراسات الاستراتيجية في جامعة هارفارد– والذي أوهم نفسه أنه من رواد الفكر من الجيل السابق منذ أن تزعم حملة عن المفهوم الغربي لبناء الشعوب، ذلك المفهوم الذي مفاده أن تقدم شعوب العالم الثالث يعتمد على إلغاء ثقافات تلك الشعوب واستبدالها بالحضارة العلمانية الغربية، ويعني ذلك تحويل تلك الشعوب إلى دمى في أيدي العلمانيين في واشنطن وقد اكتسبت نظریات هنتنجتون تأييدًا كبيرًا في حقبة الستينيات إبان حرب فيتنام عندما انتصرت نظرياته المتشائمة على دعوات المتفائلين الذين كان همهم الوحيد أن تبقى أمريكا سيدة هذا العالم بدون منازع.
وقد خاطر هنتنجتون في عام ١٩٩٢م, بملء الفراغ الفكري في واشنطن عندما أقدم على اجترار أفكاره القديمة من أجل توجيه صانعي السياسة الأمريكية وهم مقبلون على القرن القادم، وكانت الوسيلة التي اتخذها هي نشر مقال مطول على صفحات مجلة الشئون الخارجية، تحت عنوان، «صراع الحضارات».
وقد جاء من ضمن ما طرحه هنتنجتون في مقاله المذكور أن عهد الأقطاب قد ولى وأن الحقبة القادمة ستشهد سيطرة الحضارات ولن يكون للدول شأن كبير في السياسة الدولية، وقد رشح هنتنجتون ثماني حضارات ذكر أنها ستسيطر على شئون العالم وهي الحضارات الغربية، والكونفوشيوسية واليابانية، والإسلامية والسلافية- الأرثوذكسية، والأمريكية اللاتينية، وربما الحضارة الإفريقية أيضًا.
إن أطروحات هنتنجتون هذه ستكون محل نقاش خلال السنوات القادمة، ولو أنه لم يأت بجديد إطلاقًا مهما اعتقد مريدوه عكس ذلك, غير أنه أسهم في إحياء جدل سياسي قديم يرجع تاريخه إلى عهد ابن خلدون في تونس قبل ستة قرون، وقد جاء في مؤلفات هذا الأخير «أن الأفكار تحكم التاريخ وأن كلا من الفرد أو الجماعة يستمد قوته من الدين».
كما تنبأ المؤلف أوزولد سبنغلر في كتابه «Der Untergang des Abendlandes» في مطلع هذا القرن بانهيار الحضارة الغربية نتيجة فقدانها لمحركها الروحي، وقبل نصف قرن مضى قال الكاتب أرنولد توينبي شهرة كبيرة عندما شرح بين دفات عدة مجلدات فكرة أن الحضارات هي خلاصة التاريخ وأنها لا تقوم إلا إذا وجدت هناك تحديات خطيرة واستجابة مناسبة لتلك التحديات، ولذلك وصف توينبي ابن خلدون بأنه أكبر مؤرخ عرفه التاريخ.
وقد أثارت الحرب العالمية الثانية مواجهة فكرية بين التغيرات الحضارية والقومية لممارسات الإنسان، وقد جاء بعد العلماء توينبي، وكويني رايت، وباركنسون من ذهب إلى القول بأنه ليس في مقدور أية دولة أن تتصرف بمعزل عن حضارتها، وأن هذا الطرح يعني بطبيعة الحال أن كلاً من ستالين، وهتلر كانا نتاجًا طبيعيًا للحضارة الغربية، وهناك من عارض هؤلاء من أمثال هانس مورجانتو, وريموند أرون اللذين أكدا بأن لكل دولة خصائص فريدة مثل الإنسان، فتحركها دوافع القوة لا المبادئ، كما أنها تعمل بشكل مستقل على تنمية ثقافتها إما بأفكار إيجابية أو سلبية.
وقد دأب مسئولو أجهزة الاستخبارات وصانعو السياسة الأمريكية طوال الستينيات والسبعينيات من هذا القرن على البحث عن وسائل فعالة للاستشعار عن أية تهديدات قد تواجهها أمريكا، ولكنهم لم يصلوا إلى مؤشرات دقيقة على الرغم من السيل العرم من النظريات والأطروحات التي قد نوقشت في هذا المجال طوال تلك الفترة.
ومع حلول عام ١٩٩٣م، طغت على السطح أفكار جديدة ومفكرون جدد لمواكبة التقلبات الجديدة، وكان من الطبيعي أن يبحث هؤلاء المفكرون عن أبطال دائمين ومصالح دائمة في مسرحية العالم, وقد رأى صمويل هنتنجتون أن هذين العنصرين تشملهما الحضارات, ذلك أن كل حضارة من حضارات العالم تمثل فكرًا وعملًا كما أنها بحاجة إلى الحفاظ على مصالحها لضمان الاستمرارية والازدهار سواء بالتعاون مع الحضارات الأخرى أو عن طريق المواجهة مع غيرها من الحضارات، وهنا تكمن الخطورة.
ثانيًا- الحضارات كمصدر للصراع:
كان الرواد من أصحاب النظريات حول مستقبل الشئون الدولية يعتقدون بأن مستقبل عالمنا محفوف بالمخاطر، وكانت هذه الرؤية التشاؤمية القائمة سائدة في عهد المواجهة بين القطبين، أي عندما كانت الشيوعية أكبر خطر يهدد العالم الحر.
ثم تضاربت التنبؤات حول مستقبل العالم لدرجة أن البعض قد ذهب إلى تأكيد حتمية نشوب صدام بين الحضارتين الهندوسية والإسلامية، وفي خضم تلك التنبؤات ذكر هنتنجتون أن «المصدر الأساسي للصراع القادم في عصرنا الحديث لن يكون له طابع أيديولوجي أو اقتصادي، وإنما سيكون له طابع ثقافي، وسوف تضطلع الدول بدور فعال في خريطة السياسة الدولية، غير أن الصراعات السياسية الكبرى ستنشب بين الشعوب والجماعات التي تنتمي إلى حضارات مختلفة وأن الصراع بين الحضارات سوف يهيمن على السياسة الدولية في المستقبل».
أفضل أنواع التجمع الثقافي:
ثم شرح هنتنجتون أن «أية حضارة من حضارات العالم تمثل أسمى ألوان التجمع الثقافي بين البشر وأوسع نطاق للتعبير عن الهوية الثقافية، وقد تشمل حضارة ما عدة دول أو دولة واحدة، كما هي الحال بالنسبة للحضارة اليابانية، كما يمكن أن تنبثق من حضارة واحدة عدة حضارات فرعية، وتضم الحضارة الغربية كلاً من القارة الأوروبية وشمال أمريكا، كما تشمل الحضارة الإسلامية فروعًا عربية وتركية وماليزية... إلخ، وتمتاز الحضارات بالديناميكية، حيث تنهض وتنهار, وتنقسم وتتحد مع بعضها البعض.
ویری هنتنجتون أيضًا أن الصراع بين الحضارات سوف يزداد حدة خلال القرن القادم، وذلك لعدة أسباب أولًا أن التفاعل بين البشر داخل القرية العالمية الصغيرة، لن يجلب أي انسجام بين البشر، بل على العكس فإنه سوف يزيد الوعي الحضاري، ومن ثم تعمق جذور الفوارق والنعرات العدائية الراسخة في عمق التاريخ، فمن الناحية الاقتصادية، فإن النزعة الإقليمية التي تأخذ طابع تكتلات تجارية ستقوي من الوعي الحضاري، والعكس صحيح أيضًا، لأن الاقتصاد ذا النزعة الإقليمية لا يكتب له النجاح إلا في ظل وجود حضارة مشتركة، ولكن الحكومات والجماعات قد فقدت قدرتها على كسب تأييد الجماهير أو تكوين تحالفات على أساس الفكر العلماني، فإنها سوف تكشف عن محاولاتها لحشد التأييد عن طريق الدعوة إلى ديانة مشتركة أو عن طريق الدعوة إلى الدفاع عن الهوية الحضارية وعندئذ يتحول الدين والاقتصاد والسياسة إلى معول هدام ضد بعضها البعض.
كما يعتقد هنتنجتون أيضًا بأن موجة التجديد لمواكبة العصر أو العصرنة، التي تجتاح العالم حاليًا من شأنها أن تقطع روابط الانتماء إلى الدول باعتبارها مصدرًا للهوية، في حين تسارع الأصولية الدينية إلى سد الفراغ كجزء من ظاهرة العودة إلى الجذور، ولكن هذه الظاهرة قامت لتواجه -هذه المرة– الطرف المتسبب في أزمة الهوية والمتمثل في الغرب، ثم أضاف هنتنجتون قائلًا إن الخصائص والفروقات الثقافية أقل قابلية للتحريك من الخصائص والفروقات السياسية والاقتصادية، وبالتالي فإنها أقل قابلية للحلول والتسويات.
ففي حقبة الصراعات الطبقية والأيديولوجية كان السؤال الذي يوجه للمرء هو «مع من أنت؟»، وعندئذ كان بوسع الفرد أن يختار أو يغير من موطن ولائه، أما في حالة الصراعات بين الحضارات، فإن صيغة السؤال تتحول إلى «من أنت؟» وسيكون الجواب مسألة حياة أو موت بالنسبة للملايين من البشر.
ولذلك فإن القضية الأساسية بالنسبة للساسة تكمن في تجديد الحضارة التي ستتصادم مع غيرها من الحضارات وتقضي عليها وتدفنها في النهاية، وإذا ما قدر أن تكون هناك حضارة عالمية فأية حضارة ستكون أم ستدمر الحضارات بعضها البعض لتفسح المجال لشيء آخر؟ إن الإجابة عن مثل تلك التساؤلات تعتمد على معرفة الحضارة التي تعي بشكل أفضل المتغيرات ثم توظيفها لصالحها.
(1] رئيس جمعية المحامين المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية، ومستشار الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون وسفير أمريكا الأسبق بدولة الإمارات العربية المتحدة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل