العنوان المجتمع التربوي (1255)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1997
مشاهدات 54
نشر في العدد 1255
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 24-يونيو-1997
وقفة تربوية
التناغم التربوي
التناغم التربوي هو الذي يكون بين الوالدين، فلا تجد في أسلوبهما التربوي للأبناء نغمة نشاذ، بل نجد تناسقًا وتكاملًا، وانسجامًا في العملية التربوية، وبالتالي يكون الأثر إيجابيًا وعظيمًا في بناء الشخصية السوية القوية للأبناء.
المشكلة التي تعانيها الكثير من الأسر، افتقارهم لهذا التناغم التربوي، وبالتالي ينشأ الانحراف عند الأبناء أو التناقض في شخصياتهم، أو فقدانهم الكثير من مقومات الشخصية القوية المتكاملة، وبالتالي أصبح من الضروري التذكير بأهمية هذا التناغم التربوي، والذي يقوم على التفاهم التام بين الزوج وزوجته على الطرق التربوية التي يتعاملون بها مع الأبناء، دون أن يحدث أي تناقض يتسبب في تحطيم العملية التربوية، كان يتفق الزوج مع زوجته على مصروف الأطفال، ومن الذي يعطيهم هذا المصروف، وعلى ألا يزيد المبلغ على المبلغ الفلاني، إلا في حالات الضرورة المقنعة، وأن يتفقا على عدم الاختلاف أمام الأطفال على الأسلوب التربوي لأحدهما، كأن يضرب الوالد ابنه فيذهب الابن إلى أمه شاكيًا، فتأتي الأم وتعترض أمام الابن على زوجها، وأن الابن لا يستحق كل ذلك ليضرب، أو العكس، بل لابد من الاتفاق على أن الابن إذا لجأ للأم أو للاب بعد معاقبته لابد أن تقف الأم مع زوجها، وتقول للابن إنك أخطأت وتستحق العقوبة، وإن لم تكن مقتنعة بتلك العقوبة، كما يجب ألا يكذب الزوج زوجته أمام الأبناء، أو ينتقد بعض تصرفاتها، أو يحاول تعديلها أمام الأبناء، بل لابد أن يتم ذلك بعيدًا عن الأطفال، هذه بعض أمثلة التناغم التربوي والذي له أكبر الأثر في تنشئة الأطفال.
أبو خلاّد
كلمة إلى الدعاة
من صفات الداعية
بقلم: محمد أبو سيدو
الداعية كالطبيب يظهر أثره في تفاعله مع مريضه، وحرصه على تلمس ما يشعر به من ألم يؤرقه من مرض، وأساليب الناس في الدعوة تقتدي بأنبياء الله وهم صفوة البشر وأفضل الناس: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ (المزمل: 5) فكان لابد من تحمل المسؤولية وتحمل العبء الجليل لإدراك أعماق النفوس بحسن الخلق والقدرة على التحمل واللين في القول، قال تعالى لموسى وهارون لما أرسلهما إلى فرعون ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ (سورة طه: 44)
ذلك أن القول اللين أدعى للقبول وأرغب في النفس فلا يثير العزة بالإثم، ولا يهيج الكبرياء أو يدفع النفس للمعاندة والتجبر ورفض الحق تنفيرًا واستعلاء، لأن القسوة تثير الكوامن، واللين يوقظ القلب ويرغب في الاستماع إلى الحق، والقسوة مدخل من مداخل التنفير.
ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهو أكرم البشر وهو الذي مدحه ربه بحسن الخلق يضرب النموذج الفريد في أسلوب الدعوة إلى دين الله عندما قال عنه الباري سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159)
إنها رحمة الله التي نالت نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فسيرته رحيمًا بالأمة محببًا إليهم الإيمان، لينًا في تبليغهم، مبشرًا لهم بالخير إن استجابوا فكانت تلك الخصال التي أعطاها رب العباد، ومن هذه الخصال يجد المرء أصولًا مكينة للنظام الاجتماعي الذي تترابط عليه النفوس وتقوى به أواصر المحبة، ويلتئم حوله شمل الجماعة الإسلامية لأن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها.
فالدعاة في أيامنا هذه عليهم أن يقتدوا بمعلم البشرية الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه ويروضوا أنفسهم بشيء من خصال رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان مع أصحابه بشوشًا سمحًا واسع الصدر، لا يضيق بجهل الجاهل. فالناس في أيامنا هذه في حاجة إلى القلوب الكبيرة التي تعطي ولا تحتاج والقلوب الرحيمة التي تحمل في ثناياها الاهتمام والشفقة والرعاية والود والرضا.
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
فطالما استعبد الإنسان إحسان
فطبيعة النفس الانجذاب إلى من أحسن إليها، وأعظم مراتب الإحسان تأتي من طيب الكلام وحسن التعامل مع مراعاة الشعور.
فلو تتبعنا آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم لرأيناه حريصًا على ما يربط الأمة بدينها ولأدركنا من تعامله مسلكًا متميزًا لتجذب معه القلوب وتتصافي النفوس، فقد كان في نفسه لو خير بين أمرين لا يختار إلا أيسرهما وكان في تواضعه ومراعاة الشعور لو أخذ بيده الصغير لاتقاد معه ولو دعاه أبسط الناس لاستجاب له لأن دعوته صلى الله عليه وسلم ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13)
والله جل جلاله عندما تصدر توجيهاته لنبيه الكريم بتهذيب طباع النفس وكبح جماح الشر وتهيئته للتخلق بالخصال المثالية كالحكمة والموعظة الحسنة، وإدراك النفوس المخاطبة وما تطوى عليه من سرائر.
فالداعية الصادق هو الذي يفتح الآمال أمام النفوس القانطة ويرغب في الخير لكل من لديه عزوف، وينير الطريق المظلمة لمن أسودت الحياة في نظره، ويدفع الأمل لمن استحوذ عليه اليأس ولازمه القنوط، وقصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا جاء يلتمس التوبة والخلاص مما هو فيه لما لم يفتح له باب الرحمة فقتله، فمنهج الدعاة في البشارة والتنفير وأثرها في جذب الناس وإبعادهم، فالله يقول في الحديث القدسي: «أنا عند حسن ظن عبدي بي».
وما حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على البشارة إلا مسك ترغيب وتحبيب في نتائجه وكبح لجماح النفس من الانقلاب، فلا يوجد في كتاب الله آية تذكر النار أو العقاب إلا ويرادفها ذكر الجنة أو الاستئناس برحمة الله ونعيمه، وهذه بشائر ترتاح إليها النفس.
تصحيح واعتذار
ورد في مقال «الشكر مفتاح الزيادة» المنشور في هذا الباب في العدد الماضي خطأن في آيتين كريمتين الأولى في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ (سورة النحل: 6)، وقد كتب خطأ «ولكن فيها جمال».. والثانية في قوله تعالى: ﴿إِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم: 34)، وقد نشرت خطأ «إن الله لظلوم كفار».. والمجتمع تعتذر عن هذين الخطأين الفادحين.
سلبيات في حياة الإسلاميين
إخلاف الوعد
بقلم: د. محمد على الهاشمي «*»
ينظر الناس إلى الجيل المعاصر من الإسلاميين على أنهم ترجمة حية لمبادئ الإسلام السمحة وقيمه النبيلة وأخلاقه العالية، فلا يتوقعون منهم إلا الصدق والخير والصواب، ويحسنون بهم الظن، وقل من يسيئون بهم الظن، وهذه السمعة الحسنة لم تأت من فراغ، وإنما جاءت من تحلي معظم الإسلاميين بأخلاق الإسلام وتطبيقهم لأحكامه على أنفسهم ومن يعولون.
هذه هي الصورة الجميلة الناصعة التي انطبعت في أذهان الناس عن الإسلاميين، ولهذا تراهم يغتفرون الخطأ يقع من الإنسان العادي، ويحتملون وقوعه منه، أما الخطأ يقع فيه الأخ الداعية إلى الإسلام، فيحدث عند الناس صدمة موجعة، وخيبة أمل مؤلمة، لأنهم لا يتوقعون وقوع الأخ الداعية فيه.
وهذا مرده إلى قلة أخطاء الإسلاميين إذا قيست بأخطاء غيرهم، وليس لأن الإسلاميين منزهون عن الأخطاء، فالإنسان معرض للخطأ مهما علت مكانته وعلا شأوه في ميادين الخير والعمل الصالح، وهذا ما أكده رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون » «رواه أحمد والترمذي».
والإسلاميون، إن شاء الله، في معظمهم من التوابين الذين لا يرين الخطأ على أعمالهم، ولا تستحوذ الغفلة على أنفسهم، ولا يستولي الشيطان على منطلقات التفكير في عقولهم، فهم إذا مازلت بهم القدم مرة، أو جانبهم الصواب في قول أو عمل، سرعان ما يتخلصون من زلتهم ويستغفرون من خطئهم، ويعودون إلى محجة الخير والصواب، يؤوبون إلى حمى ربهم الآمن منيبين مختبتين مستغفرين ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ (سورة الأعراف: 201)
والذي نعده من السلبيات التي لا تليق بالأخ المسلم وقوعه في بعض الأخطاء وإصراره أحيانًا عليها، وتمسكه بها ، مع إقامة الحجة عليه من أخوانه الذين هم أكبر منه سنًا وسابقة ومقامًا، وإنكارهم عليه وإصراره على الأخطاء، التي تورط فيها، كإخلافه لوعد قطعه على نفسه، أو تخلفه عن إنجاز عمل وعد بإنجازه، أو وقوفه موقفًا متعنتًا يسيء إلى سمعته وسمعة الإسلاميين قاطبة، ويضر بالعمل الدعوي كله، وما ذلك إلا لتعاظم نفسه في نظره، وتضخم أناه، وثقته المفرطة برأيه، وصعوبة اعترافه بأنه أخطأ، مع أنه يردد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم السالف الذكر: «كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون»، ولو أن هذا الأخ عاد إلى نفسه في ساعة صفاء وخالف هواها، واستمع إلى نصح إخوته ممن هم أكثر منه تجربة وخبرة، لهان عليه أن يتراجع عن رأيه، ويعترف بخطئه، ويكون بذلك من التوابين الذين نوه بهم الحديث الشريف المذكور آنفًا.
من أسوأ الصفات
وإخلاف الوعد من أسوأ الصفات التي يُبتلى بها الإنسان المتحضر السوي، بُله الإسلامي الذي يعد إخلاف الوعد من صفات المنافقين التي عددها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «أية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان متفق عليه»، وفي رواية المسلم: «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم».
فما ينبغي للإسلاميين أن يتورطوا في إخلاف الوعد، مهما كانت الظروف والأحوال والضغوط، بل ينبغي أن يكونوا رجالًا يحترمون كلمتهم، ويوفون بعهودهم، ويوفون بالتزاماتهم، مهما جر عليهم ذلك من أضرار ومضايقات وإحراجات، لأن الوفاء بالوعد تأكيد لصحة إسلامهم ونقاء سريرتهم من النفاق، ودليل على قوة شخصيتهم ورجولتهم، وعلى رقيهم وسمو منزلتهم، وما يتهاون بالعهد أو بالوعد إلا إنسان في دينه رقة، وفي تكوينه الخلقي خلل، وفي شخصيته ضعف، وفي طبعه التواء، وفي تربيته الاجتماعية تدن وانحطاط.
وأغلب الحالات التي نجد فيها بعض الإسلاميين يتورطون في إخلاف الوعد هي الحالات التي ينزغ فيها الشيطان بين الإخوة، لخلاف في وجهات النظر، أو لتباين في المواقف والاجتهادات، وقد تكون تلك الاختلافات مبنية على أوهام وتخيلات وسوء ظن أكثر مما هي مبنية على تقصي الحقائق والاحتكام إلى منطق الشرع، ففي مثل هذه الحالات يذر قرن الفتنة، وتبرز سخائم النفوس، ويعلو صوت الانتصار للنفس، ومن هنا يتردى بعض الإسلاميين في حمأة الخلاف فلا يوفون بوعود قطعوها على أنفسهم، ويتنصلون من عهود سجلوها بأيديهم، وقد يكونون قد وقعوا عليها بأسمائهم.
وأحسب أن هؤلاء الإخوة، بعد انقشاع الفتنة، قد أحسوا في قرارة نفوسهم بتأنيب الضمير على إخلافهم الوعد، وتمنوا أن لم يتورطوا في الوقوع فيه.
لقد جاء هدي الإسلام يؤصل خلق الوفاء بالوعد في نفوس المسلمين والمسلمات، وعد هذا الخلق العالي من أصل الأخلاق الإسلامية، ومن أكثرها دلالة على صحة إيمان المسلمين والمسلمات، وحسن إسلامهم، وقد جاءت بذلك الآيات والأحاديث الكثيرة، تحض على التحلي بهذا الخلق، وتشير إلى أنه من علامات الإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (سورة المائدة: 1)، ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (سورة الإسراء: 34)
وجاء العهد في النظم القرآني مضافًا إلى الله، فاكتسب بتلك الإضافة الجلالة والقدسية
والاحترام، ووجب الوفاء به مهما تكن الظروف والأحوال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ﴾ (النحل: 91)
وإخلاف الوعد والتحلل من العهد، من المقت السيئ الكبير الذي كرمه الله لعباده المؤمنين، ولم يرض لهم أن يسفوا إليه، ولذلك جاء خطابه لمن تورطوا فيه بصيغة إنكار معاتب مؤنب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (سورة الصف: 2ـ3) وعد رسول الله ﷺ إخلاف الوعد من صفات المنافقين، كما رأينا في الحديث المتفق عليه الذي ورد أنفًا.
إن حسن إسلام المرء لا تؤكده العبادات التي يقوم بها من صيام وصلاة وحج فحسب، وإنما يؤكده تفاعل نفسيته بتعاليم الإسلام وقيمه وأخلاقه، ومن أبرزها الوفاء بالوعد، فليسأل كل أخ نفسه: هل تحقق فيه هذا الخلق العظيم من أخلاق الإسلام؟ فإن كان الجواب بالإيجاب، كان هذا الأخ حقًا من الإسلاميين الصادقين.
مفاهيم يجب أن تصحح
حول التشريع الإسلامي وتطبيق الحدود
الطريق الصحيح للعودة إلى دين الله هو تعريف الناس بربهم ووصلهم برسالته وإحياء العقيدة الصحيحة والدعوة إلى الأخلاق الكريمة.
إقامة الحدود وحدها دون تهيئة المناخ ستكون منفرة للناس من الشريعة حيث تظهر الحدود وكأنها عقوبات قاسية.
بقلم: محمد عبدالله الخطيب «*»
«ليس بالحدود وحدها تقام الشريعة، لأن الحدود جزء من أحكام المعاملات، والمعاملات تمثل الطابق الثالث والرابع في بناء الشريعة، وإقامة الحدود وحدها، أو حتى المعاملات كلها تعني أننا نقيم طابقين رابعًا أو ثالثًا، من غير طابق أول أو ثانٍ، ومن غير أساس، فأنى له أن يقام؟» «۱»
كلنا يعلم ما آل إليه حال بلادنا الإسلامية، نتيجة الاستعمار والغزو الفكري، لقد أبعدوا المسلمين عن شريعة الله، واستبدلوها بقوانين وضعية، ثم أسقطوا الخلافة، وفرقوا الوطن الإسلامي إلى دويلات، إلى آخر هذه المآسي والمحن والظلام الذي جاءنا من الشرق والغرب..
ولكن شاءت إرادة الله الغالبة، أن تظهر على الساحة الصحوة الإسلامية متمثلة في الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية، والجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية وغيرهما، وكلها تدعو إلى النهوض من هذه الكبوة، والعمل على التمسك بالإسلام والعودة إلى دين الله، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
لقد بدأت الصحوة الإسلامية المبصرة، وبدأت الحياة تدب في أمة الإسلام شيئا فشيئا، وأخذ الصراع بين الحق والباطل في التصعيد، وارتفعت الأصوات بهذه الأهداف والآمال وتحررت بلاد المسلمين من الغزو العسكري، وما زالت تقاوم ألوان التبعية، وألوان الغزو الفكري، وخرج جنود الأعداء، ولكن وجدت بعدهم بقايا تحاول أن تثبت معظم رغباتهم، كما تحاول أن تشكك في الخط الصحيح والفهم الصحيح للإسلام كنظام للحياة، كما تحاول أن تصرف العاملين للإسلام عن هذا الطريق، بالترغيب تارة وبالتهديد تارة أخرى.
وألوان المحاولات كثيرة ونختار من بينها محاولات بتر الشريعة، وتجزيئها، من خلال فكرة تطبيق الحدود وحدها، والاهتمام المبالغ فيه بالجزئيات والفرعيات.
هذه الفرعيات عند البعض، والمسائل الخلافية، هي التي يتركز حولها البحث ويدور الجدل، وتشتعل المعارك، ويكثر الخصام، وكأن المسائل الخلافية هي أكبر همنا ومبلغ علمنا.
من فترة نادى الرئيس جعفر نميري بتطبيق الحدود وحدها في السودان، ونادى الرئيس ضياء الحق بهذا في باكستان، وأخيرًا أعلنت جماعة طالبان في أفغانستان: «أن كل من لم يطلق لحيته يسجن حتى يطلقها بمقدار الكف، وعلى النساء أن يلبسن - خيمة - تغطي جميع جسد المرأة، وتثقب عن العينين فقط» «۲»
وفي بعض البلاد الإسلامية رأينا من يقوم بعمل مفاهيم أرضية بديلة عن شرع الله فرأينا «الميثاق»، والكتاب الأخضر» «۳».
ولقد قدمت هذه الأشياء لتدرس لأبنائنا في المدارس والمعاهد، ويحفظونها وكأنها بديل للقرآن، ودستور للحياة؟
وأقول لطالبان في أفغانستان: إن صح ما ذكرته جريدة الشرق الأوسط فالأمر خطير، فهذا الفهم وهو «حبس عباد الله حتى يطلقوا لحاهم» لا فقه فيه ولا فهم للمنادين به، وهو فهم بعيد عن شريعة الإسلام، وهو فهم ساذج ضيق يتعلق بالقشور أو المظهر، وهو مطلوب، ولكن ليس بهذا الأسلوب أبدا، والمسلم لا يستهين بسنة ولا بأمر مستحب جاءت به رسالة الإسلام، لأن أي مسلم لا يملك هذا، لكن فقه مراتب الأعمال، وترتيب الأولويات، ووضع كل عمل في مرتبته الشرعية أمر واجب، والإسلام لا يقدم ما حقه التأخير، ولا يؤخر ما حقه التقديم، ولا يقدم الفرع على الأصل، ولا النافلة على الفريضة ولا المختلف فيه على المتفق عليه.
وأنا أتمنى لو أن رجال المسلمين جميعا أطلقوا لحاهم فأحيوا سنة، وخرجوا من الخلافات حولها، وتميزوا عن غيرهم من الأمم، بدل أن يفسق بعضنا بعضا.
لقد ذكر لي أن أحد المولعين بالخلافيات التي تسع محاضرات في وجوب إعفاء اللحية، وتحريم أخذ شيء منها، وبعضهم ألف رسالة سماها «نهى الصحبة عن النزول على الركبة» وهو أمر يتعلق بهيئة الصلاة وفيه أخذ ورد، وكتب بعضهم رسالة عنوانها «الواحة في جلسة الاستراحة»، وكلها أمور اختلف فيها الأئمة بين مثبت وناف، وسيظل الخلاف حولها إلى ما شاء الله» «٤»
أرأيت إلى هذا البعض الذي يهتم بالأمور الخلافية، ويقيم الدنيا من أجل أشياء يمكن النظر فيها، أو التسامح حولها، وفي نفس الوقت يتركون قضايا حيوية مصيرية، تتعلق بالوجود الإسلامي كله، وبالكيان الإسلامي كله وهؤلاء قد لا ينقصهم الصدق والإخلاص، ولكن تنقصهم الخبرة والفهم والفقه الصحيح في دين الله.
إن أي مراقب لأوضاع الأمة الإسلامية اليوم، يوقن تمام اليقين، أن مشكلتنا ليست في ترجيح أحد الرأيين، أو الآراء في القضايا المختلف فيها، بناء على اجتهاد أو تقليد، فالواقع أن الخطأ في هذه القضايا يدور بين الأجر والأجرين، لمن تحرى واجتهد، لكن مشكلة الأمة حقا في تضييع الأمور المتفق عليها من جميع مذاهبها ومدارسها، فمثلا:
أـ مشكلة المسلمين ليست في الذي يؤول آيات الصفات وأحاديثها، وإن كان مذهب السلف أسلم وأرجح، بل المشكلة في الذي ينكر الذات والصفات جميعا من عبيد الفكر المستورد من الشرق والغرب من الذين يحاربون الله ورسوله.
ب - مشكلة المسلمين ليست فيمن يجهر بالبسملة، أو يرسل يديه في الصلاة، إنما المشكلة فيمن لا يعرف صيامًا ولا قيامًا، ويفطر عمدا ويجاهر بلا خشية أو حياء.
جـ - مشكلة المسلمين ليست في تغطية وجه المرأة بالنقاب واليدين بالقفاز، كما هو رأي البعض، بل المشكلة في تعرية الرؤوس والصدور والظهور والشفاف، في المرأة التي تقف أمام المرأة ساعات وترفض أن تقف أمام ربها لحظات «٥».
وأعود إلى أهل أفغانستان بالذات، وأسألهم ما حكاية السجن لمن لا يطلق لحيته؟ أو المرأة التي لا تلبس الخيمة وما أعددتم لها من عقاب؟ هل هذا طريق الإسلام أو منهج التربية؟ أو طريق الإقناع؟
وأقول لهم:
١ـ إن الطريق الصحيح للعودة إلى دين الله هو تعريف الناس بريهم وبدينه، ووصلهم برسالته، إحياء العقيدة الصحيحة، والدعوة إلى الأخلاق الإسلامية، وترغيب المسلمين في طاعة ربهم، وتقريبهم من المساجد وتبصيرهم بجوانب الإسلام العظيم، وتقريبهم من القرآن الكريم، وتعليمهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإعطائهم الحرية الكاملة، وتقديم الحوار والحجة والبرهان على أي شيء آخر.
٢ـ اشغلوا أنفسكم بالعمل على محو أمية المسلمين، وضعوا خطة لذلك، لأن الأمة الجاهلة لا يمكن أن يتحقق بها أي تقدم، وأعيدوا بناء التعليم على أسس إسلامية صحيحة تخدم حاجات المجتمع، أقيموا المؤسسات للعلوم المختلفة، أصلحوا البنية التي دمرتها الحرب.
٣ـ اعملوا على جمع الفصائل والأحزاب المختلفة المتناحرة وأنتم إحداها، اجمعوها على كلمة سواء، واتفقوا على إيقاف الحروب من هنا وهناك، وأغلقوا باب الفتن، اصنعوا أي شيء يحفظ الأمة الأفغانية المسلمة التي قضت سنوات وسنوات في الحرب، وخرجت منها محطمة، وجميع مرافقها مضيعة، فلا طريق معبد، ولا جامعة ولا معهد، ولا مستشفى.
٤ـ أحيوا المساجد، وعلموا المسلمين أصول دينهم، وفقهوهم في إسلامهم إن كنتم تريدون حقا أن تقدموا شيئا لأمتكم ينفعها في دينها ودنياها، وأكثروا من المعاهد الدينية والإسلامية، التي تقوم على تربية الشباب على الفهم الصحيح للدين، والعمل به.
٥ـ ابحثوا عن بقايا الشيوعيين والملحدين والعلمانيين الذين كانوا سببا في كل البلاء الذي نزل بكم، والتدمير الذي حل ببلادكم، ولا تتركوهم يخدعونكم مرة أخرى «فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين» و«المؤمن كيس فطن»، وبدل أن توجهوا الحراب لإخوانكم وجهوها لأعدائكم إن كنتم صادقين.
٦- اتركوا التهديد بالسجن للمسلمين من أجل اللحى، أو الخيمة التي ترتديها المسلمة، ولا داعي لهذا التشدد في غير موضعه، ومن شأنه أن يصرف الناس عن الدين، ويجعل العالم الخارجي يضحك عليكم، فإن للالتزام بهذا الدين طريقًا آخر وضعه لنا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وطبقه بعده أطهر جيل سار على الأرض من صحابته، فجاءنا بأعظم الثمار، واستظلت البشرية به ألف سنة على الأقل وهو قادم ليظلها مرات ومرات، وإلى أن تقوم الساعة بإذن الله.
٧ـ خذوا الناس بما أخذهم الله به، وربوهم على ما رباهم الله عليه، فقد بدأ الوحي بتعليم المسلمين عقيدة التوحيد، وغرسها في قلوبهم ونفوسهم، وغرس إلى جوارها الأخلاق، وغذى الجميع بالعبادة والطاعة، فأثمرت أمانة وصدقا وإخلاصًا، وإيثارًا، وأثمرت رغبة ورهبة، وحسن تعامل بين جميع المسلمين، أثمرت أخوة ومحبة وعملا وجهادًا، العقيدة هي لب البناء وأساسه، وهنا تقوم في النفس خير حراسة، وأقوى حارس يغني عن الكثير من حراس النظم وقوانينها .
«شاء الله أن يجعل بناء شريعته طبقات، فجعل أساسها عقيدة وإيمانا، ثم جعل الخلق والسلوك طابقا أول، ثم جعل العبادة والطاعة طابقا ثانيًا، ثم جعل المعاملات طابقا ثالثًا، ولا يقوم بناء الإسلام إلا بإقامة هذه الطوابق وترك جزء منه هو هدم للجميع، وتقديم الحدود وحدها، بناء على الهواء، بناء بغير أساس محكوم عليه بالسقوط والفشل» «١»
٨ـ وليس معنى هذا أننا نقلل من قدر الحدود ومنزلتها وقيمتها، فشأنها شأن أي حكم من أحكام الله جحودها أو تعطيلها بعد معرفة حكمها خروج على أمر الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبل شفاعة من أحد في حد من حدود الله، وأخبر أن هلاك من قبلنا كان في هذا، لكن المقصود من كلامنا أن نعرف من أين نبدأ؟» «۷»
٩ـ لقد أعلنت السودان من سنوات على لسان «نميري» عزمها على تطبيق الحدود الإسلامية بالنسبة للسرقة والحرابة، والخمر والزنى، والقتل وصدرت الأوامر فعلا بالتنفيذ، وتصور البعض أن ذلك استجابة صادقة للجماهير بتطبيق الشريعة، في حين أن الأمر إذا تم بهذه الصورة المجتزأة والمقصورة على الحدود، دون باقي جوانب الإسلام، يكون تطبيق الحدود غير صحيح، فتبدو الحدود الإسلامية وكأنها مجرد عقوبات قاسية دون مراعاة للظروف التي يعيشها الناس، والتي تدفعهم لارتكاب الجرائم، وهنا يكون الغمز والسخرية من المتربصين بالإسلام.
١٠ـ مثلا كيف يقام حد السرقة والغالبية من الناس تعاني من الفقر الشديد ولا تجد الكفاف، وهناك من يمتص دماءهم بعد أن أطغاهم الغنى؟ كيف نقيم حد القذف أو الزنى، من غير أن نمنع الدعوات التي تزين الانحلال وفساد الأخلاق بأساليب مختلفة وفوضى الاختلاط والسفور؟ كيف نقيم حد الخمر، والخمر في متناول الأيدي؟ وبعض الأفلام تحرض عليها، وتشجع على شربها، وبعض الدول الإسلامية تقيم مصانع لإنتاجها؟
وعلى كل ستكون إقامة الحدود في هذا المناخ منفرة للناس من الشريعة وبهذا يكون الأعداء والمخططون قد نجحوا في خداع المطالبين بتطبيق الشريعة، وكأنها استجابت لرغباتهم، وفي الوقت نفسه، قد نفرت الناس من الشريعة بسوء هذا التطبيق الممسوخ لها، وهو احتواء وتحويل عن الوجهة الصحيحة.
۱۱ـ حين تكون النوايا صادقة - وهذا ما نرجوه ـ فيلزم أن توضع الخطة المتاكملة التي تنتقل بحياة الناس في كل المجالات إلى الصبغة الإسلامية الصحيحة في المجال الاجتماعي ـ والسياسي والتعليمي، والإعلامي والعقيدي وغير ذلك، ويستقي كل ذلك من تعاليم الإسلام وشريعته، كي يوجد المناخ الإسلامي الصحيح الذي يناسب تطبيق الحدود وتطبيق الشريعة في كل جوانبها، وتصحح كل القوانين لتتفق مع الشريعة.
١٢ ـ إن الذين يرغبون في هذا الأمر يجب عليهم أن يعملوا لتطهير جميع المرافق من العناصر غير الصالحة، واستبدالها بعناصر صالحة مؤمنة، ومناهج صالحة، ولابد من العزم الصادق على تذليل العقبات في سبيل تحقيق الصورة الصحيحة للحكم الإسلامي.
۱۳- ضرورة الاعتزاز بالشخصية الإسلامية بعيدًا عن التبعية لشرق أو لغرب، وضرورة العمل الجاد لوحدة المسلمين وحل قضاياهم الحل الصحيح، وضرورة تهيئة شباب الأمة الإسلامية ليكونوا جنودا يعملون في سبيل الله، ويجاهدون لتحرير أرض الإسلام، وعلى رأسها المسجد الأقصى، وفلسطين قلب العالم الإسلامي.
١٤ـ هذا هو الطريق الصحيح ولا طريق سواه، أما أي اجتزاء في التطبيق فمرفوض، وعلى العلماء والفقهاء والعاملين للإسلام بصفة خاصة، ألا يخدعوا بهذا التطبيق المجتزأ وأن يصروا على التطبيق الشامل المتكامل، ويجب أن تتمسك بقوله ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: 49) «۸»
١٥ـ يقول د. زغلول النجار
وهنا تحضرني كلمة الأستاذ ت، ب، ايرفنج الأستاذ بجامعة تنس الأمريكية حينما وقف يخاطب تجمعا للمسلمين في مدينة جلاسجو ببريطانيا منذ سنوات قال فيها:
«إنكم لن تستطيعوا أن تنافسوا الدول الكبرى علميًا أو تقنيا، أو اقتصاديًا أو سياسيًا، أو عسكريا، ولكنكم تستطيعون أن تجعلوا تلك الدول تجثوا على ركبها أمامكم بالإسلام، أفيقوا من غفلتكم لقيمة هذا النور الذي تحملون، والذي تتعطش إليه أرواح الناس في مختلف جنبات الأرض، تعلموا الإسلام وطبقوه، واحملوه لغيركم من البشر تتفتح أمامكم الدنيا، وتدن لكم كل ذي سلطان، أعطوني أربعين شابا ممن يفهمون هذا الدين فهما عميقًا، ويطبقونه على حياتهم تطبيقًا دقيقًا، ويحسنون عرضه على الناس بلغة العصر وأسلوبه، وأنا افتح بهم الأمريكتين» «۹»
فهل نعي هذا الكلام؟ وهل نقدره؟ ونعمل على إخراجه إلى حيز التنفيذ؟ وصدق الله إذ يقول: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (سورة الأنبياء: 10) «۱۰»
إن العاملين للإسلام قاسوا كثيرًا، وصبروا كثيرًا، وقدموا تضحيات في سبيل الله، لا ينكرها إلا جاحد أو جاهل، وإنهم لن يقبلوا أي تطبيق الشريعة الله يكون متجزئا ممسوخًا، يثمر نتائج سيئة، ولا يحقق التمكين الصحيح لدين الله في الأرض.
المراجع
١- رسالة شريعة الله حاكمة ليس بالحدود وحدها د. علي جريشة
٢ ـ جريدة الشرق الأوسط الصادرة يوم الإثنين ٢٤ فبراير ١٩٩٧ ص ٦.
٣ ـ الميثاق صدر في أيام عبد الناصر، وقرر على طلاب المدارس والكتاب الأخضر صدر في الجماهيرية الليبية.
٤ ـ رسالة الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم د يوسف القرضاوي.
٥ـ المرجع السابق بعد بتصرف.
٦- شريعة الله حاكمة د. على جريشة
٧ ـ المرجع السابق.
٨ ـ المائدة ٤٩
٩ ـ رسالة قضية التخلف العلمي في العالم الإسلامي ص ۱۳۷ د. زغلول النجار
١٠ـ الأنبياء ١٠