; إذا لم تستح فاصنع ما شئت | مجلة المجتمع

العنوان إذا لم تستح فاصنع ما شئت

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 02-مايو-2000

مشاهدات 73

نشر في العدد 1398

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 02-مايو-2000

إلى أي مدى تنعكس بعض العادات الشخصية لرئيس السلطة الفلسطينية على السلوك والمواقف السياسية الفلسطينية الجواب قد يبدو سهلًا في حالة الرئيس عرفات ذلك أن الشعب الفلسطيني وللأسف وصل إلى مرحلة مقيتة من الحكم الفرداني بدت معها عادات الرئيس عرفات المثيرة للحيرة وكأنها سلوك فلسطيني عام أو موقف فلسطيني من حالة معينة. أسوق هذه المداخلة وهذا التساؤل بعد أن شاهد ملايين العرب ومعهم ملايين العالم منظر الرئيس الفلسطيني وهو يقبل وجنتي وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت ثم ينحني على يدها اليمنى ثم ينجرف أكثر نحو يدها اليسرى يقبلها بقلب الملهوف.

 المنظر بحد ذاته يثير التقزز، إلا أن ما يثير حفيظة المراقب هذا الانهيال غير المبرر على تلك الأيدي لتقبيلها بالجملة لو لم يكن له تفسيرات سياسية. وعلى الرغم من أن تقبيل يد النساء من لزوم ما يعرف به الإتيكيت عند بعض الشعوب الغربية إلا أن أحدًا من تلك الشعوب لن يستسيغ المنظر بل وسيصاب بالصعقة وهو يرى عرفات يقبل يدي أولبرايت اليمنى ثم اليسرى ومع ذلك فإن هذه العادة في طريقها إلى الانقراض في الغرب الذي أنسته المادية رومانسية القرون الوسطى وأصبح ينظر إلى المرأة بمنظار المساواة في كل شيء. 

معروف عن عرفات اندفاعه العاطفي في مثل هذه المواقف والتي في أغلبها تحرج حاشيته ومرافقيه وأذكر أن مسؤولًا فلسطينيًا رفيعًا نصح عرفات بعدم التهور عند تقبيل الزعماء وغيرهم حتى لا تفسر على غير محمل. فعند العرب كل قبلة لها معنى ودلالة، فتقبيل اليد والوجنتين والجبين والكتف والأنف والفم وحتى الصلعة أو النافوخ كل واحدة منها له مراد مختلف، أما أن يجمع كل تلك القبل في موقف واحد كما يفعل عرفات غالبًا فهذا هو التخبط والإحراج بعينه. وربما تردد المسؤولون العرب وغيرهم كثيرًا أو وقعوا بالحرج كلما استقبلوا الرئيس الفلسطيني بسبب هذه العادة البغيضة.

على أن تقبيل أيدي ووجنتي مادلين أولبرايت وقبلها زوجة رابين تتجاوز المبالغة أو الخروج عن المألوف والعرف إلى حالة انهيار سياسي أصابت الرئيس الفلسطيني وجرف إليها كل الفلسطينيين. فمن هي هذه مادلين التي نقبل يديها وكأنها أدخلت الفلسطينيين إلى جنتهم الموعودة، أو كأنها التي ستحقق أمالهم في الدولة المستقلة وتعيد إليهم حقوقهم المغصوبة؟

لا لزوم لإثبات أن الإدارة الأمريكية الحالية منحازة أكثر من سابقاتها إلى الدولة اليهودية، فهي حقيقة معاينة لم يتردد حتى المسؤولون الفلسطينيون وعلى رأسهم عرفات في إعلانها أكثر من مرة في فترات الجفاء التي أصابت العلاقة بين السلطة وهذه الإدارة. كما أنه لا ضرورة لإثباتها إذا ما علمنا أن عدد اليهود في هذه الإدارة لا يقارن مع عددهم في الإدارات الأمريكية السابقة ومعظمهم يتبوأ مناصب حساسة وخطيرة فهؤلاء جاءوا لخدمة أبناء دينهم في الدولة اليهودية وهم قطعًا لم يأتوا لتحقيق حلم الرئيس عرفات الذي ما زال يرى مآذن القدس دون أن يتمكن من الصلاة في المسجد الأقصى هل من تفسير لماذا يستطيع الرئيس عرفات زيارة تل أبيب والاجتماع سرًا وعلنًا مع باراك دون أن يتمكن حتى اليوم من دخول القدس أو الصلاة في الأقصى؟ وكيف لا تعينه أولبرايت بعد كل هذه القبلات يمينًا ويسارًا على تحقيق هذا الحلم؟! 

قد ينجرف البعض في التعبير عن عواطفه. إلا أن من يملك قليلًا من فقه الحركة يعلم بأن ما هو مباح للعوام قد يكون من المحرمات على الخواص في بعض الأحيان فكيف إذا كانت في أصلها محرمات شرعية وسياسية ويرتكبها كبير القوم أمام عدسات الكاميرات ليشاهدها مئات الملايين من البشر؟!

أكثر ما ينقصنا هو الحياء، وإذا لم تستح فاصنع ما شئت.

الرابط المختصر :