; الشهيد الأناضولي منطق العقيدة في كلماته أمام المحكمة | مجلة المجتمع

العنوان الشهيد الأناضولي منطق العقيدة في كلماته أمام المحكمة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-مارس-1977

مشاهدات 83

نشر في العدد 342

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 22-مارس-1977

«إن الحمد لله» نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يطع الله ورسوله فقد فاز ورضي، ومن يعص الله ورسوله فلن يضرإلا نفسه، ولن يضر الله شيئًا!

أما بعد:

فإني أعوذ بالله عز وجل من فتنة القول كما أعوذ به من فتنة العمل، وإني أعلم علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى حكم عدل، وأنه لا يظلم مثقال ذرة. كما أني أؤمن أنكم لا تملكون لأنفسكم ضرًّا ولا نفعًا، ولا تملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا.. فإن كنتم لا تملكون ذلك لأنفسكم فإني لكم تملكونه لغيركم؟

ولقد بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «على أن نقول الحق أينما كنا، ولا نخشى في الله لومة لائم».

ولذلك فنحن نعلن أولًا أن قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ (المائدة: 44) نص قرآني، وبيان إلهي- لم ينسخ حتى الآن بنص دستوري، أو قرارجمهوري!

لقد اعتاد كل من ارتاد هذا المكان تقريبًا أن يستفتح بأن مصر هي حامية الإسلام وقلعته! ولكنني لا أحكم إلا بما علمت، ولا أجزم إلا بما رأيت، ولذلك فإني لا أقول: إن مصر ولا غيرها هي حامية الإسلام وقلعته، ولكن منهم مسلمون! ولكن أقول: إن كل ما علمته ورأيته يؤكد لي أن هناك فئة في مصر تريد أن تجعل منها، «قاصمة الإسلام ومقبرته»، ومن أوضح الأدلة على ذلك: هو وجودنا نحن الآن في هذا المكان!!

فإن القضية التي أنا متهم فيها الآن ليست هي قضية الفنية العسكرية ولا قضية «صالح سرية»، ولكنها في حقيقة الأمر: هي نفس قضية «حسن البنا».. هي بعينها نفس قضية يوسف طلعت، وإبراهيم الطيب، ومحمد فرغلي، وعبد القادر عودة، ومحمد هواش، وعبد الفتاح إسماعيل.. هي نفسها نفس قضية «سيد قطب».. وغيرهم.. وغيرهم من شهداء المسلمين!

ولذلك فإنني هنا لا بد أن أشير فأقول: «إنهم لم يخسروا قضية واحدة من هذه القضايا جميعها. ولقد كان النصر فيها -والحمد لله- للمسلمين، ولكن أعداء الله لا يفقهون».

ويكفي أن أقول: إنه ما كان مقتل سید قطب إعدامًا، كما صوروه وأرادوه، بقدر ما كان بعثًا للإسلام والمسلمين.. وما هذا الشباب المتعطش للإسلام اليوم في الجامعات «إلا بشائر هذا البعث بإذن الله».. ولقد قرأنا في مجلة «صوت الجامعة» هذه الأيام أن أخانا الشهيد سيد قطب «رحمه الله» هو الرجل قتل في مصر لئلا تعبد غير الله!!

يقول ربنا عز وجل في النمرود اللعين، وهو الذي حاج إبراهيم في ربه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ... (البقرة: 258).

وتوضيحًا للقضية أقول: لقد وقف سید قطب نفس موقف إبراهيم عليه السلام؛ إذ قال إبراهيم للنمرود: «إني لن أعبدك، ولن أعبد إلا الله»،وقال سيد قطب «لفرعون مصر»: «إني لن أعبدك، ولن أعبد إلا الله»،إلا أن النمرود رغم كفره وجحوده ونكرانه كان أشرف وأكرم من فرعون مصر السابق؛ وذلك لسببين :«أولهما» أنه -أي النمرود- «بهت» بآيات الله، كما قرر الله عز وجل؛ أما فرعون مصر السابق فقد قال زبانيته، استكبارًا على الله عز وجل: «لو جاء إلهكم هنا لوضعناه في زنزانة بجواركم»، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا. «وثانيهما» أن النمرود لم يبطش بإبراهيم عليه السلام، وقد فعل «فرعون الحقير»!

لقد وقفت النيابة يحاولون بكل ما أوتوا من ذلاقة لسان، وغلة كيان،أن يقطفوا ثمار الكيد والتدبير والتآمر ممثلة في أرواح هؤلاء «يشير إلى إخوانه الأبرياء» ظانين أنهم أو غيرهم يستطيعون أن يخرجوها من أنفسها بغير إذن ربها، مدعية في ذلك نفس ادعاء قوم فرعون من قبل، والذي قال الله تعالى فيه على لسانه: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ(الأعراف: 123).

ولما كان هذا هو ادعاءهم، فإني أجيبهم أيضًا بقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (سبأ: 24- 26).

وهذا في الواقع سيكون دفاعي أمامكم الآن.. فإنني لست إلا رجلًا آمن بالله ورسوله، ثم اتخذ إلى ربه سبيلًا، ولم أكن رجل فكر أو داعية مذهب، ولكنني حملت رسالة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، «وما كان لنا من نداء قط ولا شعار غير لا إله إلا الله» -قالها بصوت رنان كأنه يصعد إلى السماوات العلا- لن نردد غيرها، فوصمنا قومنا الغافلون بالهوس الديني، تصديقًا لقول الله عز وجل على لسان الغافلين من قوم لرسول الله: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ (هود: 54) يعني «مجنون» يعني عندك هوس ديني! ثم رمتنا النيابة بالضلال، وتلك سنة الله سبحانه وتعالى بين أهل الحق والباطل من قديم الأزل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

فقد بعث الله «نوحًا» ليقول لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ (الأعراف: 85).. فماذا قالوا؟ قالوا: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (الأعراف: 60) كما رمتنا النيابة بالكذب والسفاهة. وتلك أيضًا سنة الله في خلقه، فقد بعث الله هودًا إلى قومه فقال: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ(الأعراف: 65).. تكملة الآية: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ(الأعراف: 66).

لم تبدأ هذه القصة كما زعموا في ١۸- ٤- ٧٤، ولكن من قبل ذلك بكثير، فقد كان شعوري بالاحتياج إلى الله تعالى والافتقار إليه سبحانه وتعالى قد بدأ في كياني منذ سنوات عديدة.. حقًّا إنه لم يظهر في صورة علنية ظاهرة لمن حولي بوضوح إلا بعد أن التحقت بالكلية «الفنية» العسكرية، حيث إنني تلقيت صدمة كبرى كانت كفيلة بأحد أمرين! «إما أن تقذفني في هوة الهلاك.. «أو» تأخذني بقوة وتلصقني بشدة بصراط ربي الرحيم الودود»، وقد اختار لي سبحانه وتعالى الأمر الثاني، فضلًا منه ونعمة؛ وذلك لأنني بعد التحاقي بالكلية، ولفترة ليست بطويلة، رأيت من الفساد.. والضلال والضياع ما لم أكن أتصور مجرد سماعه من قبل.. رأيت الفسق والفجور موضعًا للمدح والمباهاة، ورأيت العفة والطهارة بالضبط كما أراها الآن «يشير إلى إخوانه في قفص الاتهام بالمحكمة» توضع موضع الاتهام والسخرية والسذاجة. وكل ذلك كان هينًا أو كان محتملًا إلى حد ما، حتى سمعت بأذني ورأيت بعيني ما ليس بالهين ولا بالمحتمل!

رأیت «مخلوقات» في هيئة البشر وصورة الإنسان، يمثلون زملاء لنا في الكلية، قد نقلوا موجة السخرية والاستهزاء بمنتهى السفور والوقاحة من «العباد» إلى «رب العباد» ومن المخلوق إلى الخالق تعالى -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا- «يقول ذلك وهو يبكي».. رأيتهم يتزعمون حركة الغطرسة بالكلية حتى بلغ بهم السفور والوقاحة أن يتغنوا بالأشعار والزجل: «لعنا في مالك الملك»، سبحانه وتعالى عما يصفون علوًّا كبيرًا!

يحدث ذلك كله في وضح النهار وفي وسط المحاضرات، ولا يجدون حتى من يأمرهم بكف ألسنتهم! فقد ساعدهم على ذلك أن هيئة التدريس في الكلية «هي في خدمة المعسكر الاشتراكي».. كانت ولا تزال حتى الآن! وللأسف لم يمض وقت طويل حتى قلدهم في ذلك مجموعة من الببغاوات المصريين، فأخذوا يأتون بحركات ويتلفظون بألفاظ لم تكن تخطر ببال أحدنا في يوم من الأيام، فضلًا عن أن نذكرها باللسان. وأخذت هذه الطائفة تزيد يومًا بعد يوم، حتى أصبح هذا الوضع الحقير الصفيق يأخذ طابعالحياة من حولنا.

ولم يكن بوسعي في ذلك الوقت، والحمد لله على ذلك حمدًا كثيرًا طيبًا، ولم يكن بوسعي إلا أن أعلن الولاء الكامل لله ورسوله والمؤمنين، والعداء الكامل لأعداء الله ورسوله والمؤمنين، فدرت حولي متلفتًا على طالب لله أركن إليه وأطمئن لمعاملته. وقد كان من الطبيعي جدًّا أن تكون وجهتي «مسجد الكلية».. ذلك المكان الذي يفترض أن يكون مأوى لمن يسجدون لله وحده. ولذلك انحصرت علاقاتي جميعها في المصلين فقط، فمن الله علي ببعض إخواني من هؤلاء وغيرهم. ولم أكن أشد فرحًا في حياتي من فرحي واطمئناني حين وجدت من أطمئن للتعامل معهم، ولكن هذا الاطمئنان لم يدم طويلًا؛ إذ إن زعماء الشيوعية في الكلية لما شعروا بمن يقف ضدهم ولو حتى باعتزالهم ومجرد تسفيههم، نقلوا عداءهم فورًا من عداء سافر وقح موجه لله في السماوات العلا، إلى عداء قذر رخيص ضد أولياء الله في الأرض، فجاسوا خلال الكلية محاربة لنا بكل ما يستطيعون، وتحذيرًا بكل ما يملكون، وتشهيرًا بكل الوسائل والإمكانيات، حتى عرفنا الكبير والصغير في الكلية باسم المتزمتين، أو «الإخوان المسلمين».

فبدأت أتعرض منذ ذلك الوقت لمضايقات كثيرة في جميع المجالات؛ مننشوب ونشاط ذلك التيار الشيوعي الجارف، منها مثلًا: «أن اللواء إبراهيم عبد النبي» كبير المعلمين في الكلية -وكان وقتها مديرًا للكلية- تكلم عنا في المسجد، وقام بتحذير الطلبة زملاءهم بمجرد ضرورة المحافظة على الصلوات!

ومنها أيضًا أنني شخصيًّا تعرضت لمحاكمة عسكرية صغيرة بشأن النشاط الإسلامي في الدعوة، وكان آخرها قبل «موضوع التمثيلية هذا» بحوالي شهر! وذلك على مستوى قائد السرية التي كنت أنا طالبًا فيها، «ولا يزال هذا القائد موجودًا بالكلية حتى الآن. اتهمني فيها بأنني أشكل جماعة من الإخوان المسلمين» داخل الكلية، ودليلهم على ذلك: عدم التعامل مع الشيوعيين.

وحتى من الناحية العلمية البحتة، فقد أجبرت على تنفيذ المشروع النهائي اللازم للتخرج بالاشتراك مع اثنين من طلبة فرقتي من أكبر زعماء الماركسية ودعاتها، الأمر الذي يجبرني على ملازمتهم طوال مدة البحث والإعداد والتنفيذ للمشروع، كما أجبرت أيضًا على أن يكون المشرف معي على هذا المشروع من المعيدين المسيحيين بالكلية، وكل ذلك ثابت في «كشوفات» الكلية.

وأصبحت العيون علينا في كل مكان.. «الأصفاق» تطاردنا كلما ذهبنا هنا أو تحركنا هناك.. ولقد صبرنا على كل ذلك؛ «ولكنهم لم يصبروا علينا».

ومع ذلك أرادوا أن يكون «آخر مشهد» لهذه القضية مروعًا.. حيث كنت في المخابرات الحربية مقيد اليدين بطريقة ممتازة «يضيق بها القيد حيث شاءوا، حتى يعصروا الساعدين.. ومعصوب العينين، وملقى في زنزانة».. حاولت جاهدًا أن أبصر ما حولي.. ونجحت المحاولة، وندمت على نجاحها! ولم أر سوی الدماء تلطخ الجدران من أمامي. ثم صمت أذناي بصراخ التعذيب ينبعث فجأة من كل مكان حولي، وأبواب زنازين تفتح ثم تغلق، ثم تفتح ثم تغلق! فمكثت أنتظر دوري.. وجاء الدور سريعًا جدًّا! فساقني شيء ما، حتى أوقفني في مكان ما وسمعت ضحكات وهي في غاية السعادة والغبطة بالفريسة المقيدة أمامهم «وبدأ اليوم الرهيب».. ولقد كانت جميع وسائلهم للتعذيب «محلاة» ببعض الألفاظ التي أربأ بلساني أن ينطقها، وبإخواني أن يسمعوها.. وعند منتصف النهار أوقفوا التعذيب ثم رفعوا العصابة عن عيني بعد أن قيدوني بأحد المقاعد الموجودة، لأجد أمامي «نموذجًا» من ضحاياهم.. وجدت أخي «حسن الطحيني» ولم أكن أعرفه يومها.. رأيته أمامي كتلة من الدماء .

لا أستيطع تمييز جوارحه، فضلًا عن تمييز ملامحه، وهددت أنني سوف أصبح مثله في دقائق، فوضعت العصابة مرة أخرى، وأعيد الحال كما كان! وما قلت ذلك إلا لأوضح حقيقة القضية.. ثم أقول لكم: «إن كنتم حقًّا أهل حق» أو دعاة حق، أو تريدون الحق، فعليكم أولًا أن تضعوا أمثال هؤلاء وهؤلاء في هذا المكان! «يشير إلى وضع الجلادين والمحققين في القفص»، وإن أبيتم فإني ﴿أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا (سبأ: 46).. أدعوكم لأن تنظروا معي بعين الحقيقة لما حولكم وما أمامكم «ولكي تنظروا بعين الحقيقة: تخيلوا معي أين هذه القاعة بما فيها ومن فيها، بهيئتها هذه وشكلها قد أخذت أخذة واحدة.. أخذة عزيز مقتدر، واستقرت أمام عرش الملك الجبار المنتقم، ليقر فيها أمره الذي لا مرد له. يقولها بانطباع تقشعر له الجلود».. تصوروا معي ذلك، ولا تظنوا أنه خيال، فإنه واقع في يوم لا مرد له من الله يومئذ يتصدعون، ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُون(الروم: 44)... وإن أبيتم ذلك أيضًا فلا يسعني إلا أن أقول لهم: «إن قفص الاتهام الحقيقي، أو قفص الاتهام بعين الحق الأزلي هو هذا الحاجز الخشبي، وليس هذا الحاجز الحديدي! يشير إلى هذا من الحاجز الخشبي الذي يحيط القضاة والنيابة، والحاجز الحديدي الذي يحيط بشباب القضية المتهمين». وإن كنتم تحاكمونني بتهمة الإيمان بالله واليوم الآخر، فإنني.. فإنني والله لمؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر. لن «أحود» على ذلك بإذن الله، لن أحيد عن ذلك بإذن الله، وأسأل الله التوفيق.

«وهنا» أقول قول المؤمنين: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (طه: 72).. وإن كنتم تحاكمونني بتهمة ما سمي بقضية الفنية العسكرية، أو قضية صالح سرية، فيعلم الله أنني ما كنت أعلم مسمى بهذا الاسم!

وبعد:

فإن كان ذلك دفاعًا فبها، وإن لم يكن فلست في حاجة إلى دفاع مدافع، «فإن الله يدافع» ولكنكم لا بد أن تعلموا أن «الجلسة الأخيرة» من هذه المحاكمة لن تكون على ظهر الأرض قاطبة، ولكنها سوف تكون أمام الملك الديان، ولهذا يستوي لدينا حكمكم علينا بالبراءة مع حكمكم بالإعدام! بل إن الله يعلم.. بل إن الله يعلم.. أن لنا ستة من إخواننا الشهداء ضحايا المؤامرة التي حيكت ضدهم، ونحن في أشد الشوق إليهم نكون أحرص ما يكون على لقاهم!.. فإن عدلتم عدلتم لأنفسكم، وأنا بالله عز وجل عنكم وعن عدلكم لفي غناء!

وأخيرًا:

إليكم بلاغًا من رب العالمين لأعداء الإسلام والمسلمين، يتردد الصوت صداه، أقول لهم: تآمروا أو لا تتآمروا، امكروا، أو لا تمكروا، فإن الله يمكر من فوق سبع سماوات. «يبدأ صوته وكأنه مؤثر قادم من عالم آخر».

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (إبراهيم: 46- 52)، ﴿وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ (طه: 47).

وعقب هذا تنطلق في أرجاء ساحة المحكمة مظاهرة تاريخية رائعة حينما يهتف الشباب المسلم المتهمون في القضية بشعارات الإسلام وأشعار الجهاد المقدس في سبيل الله، يرددون على حاديهم بصوت واحد يدوي: «هو الحق يحشد أجناده ويعتدللموقف الفاصل».

فصفوا الكتائب آساده

ودكوا بها دولة الباطل 

إلى النصر في الموقف الفاصل

إلى النصر في الموقف الفاصل

لا إله إلا الله، ولا نصير إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.

لا إله إلا الله، محمد رسول الله عليها نحيا، وعليها نموت، وفي سبيلها نجاهد، وعليها نلقى الله، وسنلقى الله جميعًا، وكفى بالله وليًّا، وكفى بالله نصيرًا.

الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر والله غايتنا، الله أكبر والرسول زعيمنا، الله أكبر والقرآن دستورنا، الله أكبر والجهاد سبيلنا.

ولقد صدقوا الله فصدقهم، وليس أفضل من الشهادة جزاء على موقفه هذا، والله أعلم، نسأله تعالى أن يجمعنا به في يوم الجنة بمستقر رحمته.. آمین.

الرابط المختصر :