; في رحاب القرآن.. الفاتحة توحيد وشريعة وسلوك (الحلقة السادسة) | مجلة المجتمع

العنوان في رحاب القرآن.. الفاتحة توحيد وشريعة وسلوك (الحلقة السادسة)

الكاتب الشيخ عبد التواب هيكل

تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1978

مشاهدات 56

نشر في العدد 392

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 28-مارس-1978

الحمد لله لا هادي لمن أضله، ولا مضل لمن هداه، والصلاة والسلام على نبيه وحبيبه ومصطفاه محمد وآله وصحبه ومن والاه ... وبعد- فقد كان حديثنا في الحلقة السابقة عن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (الفاتحة: 5) وفي نهاية الحلقة وعدنا بمتابعة الحديث عن هذه الآية الكريمة وها نحن نبر بوعدنا مستعينين بالله وحده؛ فنقول وبالله التوفيق:

الذين يستعينون بأصحاب القبور عن سبيل ربهم معرضون

من المؤسف أننا نجد في دنيا الناس كثيرًا من الذين ينتسبون لشريعة التوحيد نجدهم يستعينون بأصحاب القبور والأضرحة على قضاء حاجاتهم، أو تيسير أمورهم، أو شفاء مرضاهم، أو نجاح أولادهم أو حضور غائبهم، أو هلاك أعدائهم أو إنماء حرثهم وبسط أرزاقهم، أو الانتصار في قضاياهم وتحقيق أمنياتهم، ونحو ذلك مما لا يقدر الله إلا الله رب العالمين.

ولا شك أن هؤلاء عن سبيل التوحيد ناكبون، وعن ذكر ربهم معرضون، بل نستطيع أن نقول: إنهم من الأخسرين أعمالًا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.

فماذا يضيرهم لو أنهم لجأوا إلى الله وحده، تنفيذًا لأمره، واقتداء برسوله- صلى الله عليه وسلم- وصحبه أخشى أن يكون جوابهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (الزمر:3).

فيا هؤلاء: لا وساطة بينكم وبين الله، فادعوا الله وحده، ولا تدعوا مع الله أحدًا، إن شريعة التوحيد قد سدت نوافذ الشرك فلا تفتحوها وإن صيحة الحق قد أخمدت أنفاس الوثنية فلا تحيوها، وإن جند الله قد هزموا أحزاب الشيطان فلا تنصروها. اتقوا الله وعودوا إلى رحاب التوحيد، وانعموا في ظلاله بأنس الله ومناجاته تسعدوا وتفوزوا واستمعوا إلى قول ربكم ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (الزمر:2-3) ...

تجردوا من الهوى والتعصب، واقرأوا هاتين الآيتين في تدبر وخشوع ثم قولوا إلى- بربكم: أليستا تقرران وتؤكدان أن قضية التوحيد لله تعالى وإفراده بالعبادة، وإخلاص الدين له وتنزيهه عن الشرك في كل صورة، والاتجاه إليه سبحانه مباشرة بلا وسيط ولا شفيع؟ أليس كذلك: بل أليس الكتاب كله أنزل لتقرير هذه القضية وتوكيدها؟ ... قد يقول قائلهم: إننا موحدون ومخلصون والحمد لله فنقول لهم: إن توحيد الله تعالى وإخلاص الدين له ليس مجرد ادعاء يدعيه الإنسان فيكون موحدًا؛ إنه ليس كلمة يلفظها اللسان فقط وإنما هي عقيدة راسخة في القلب تدفع صاحبها إلى الدينونة لله وحده. فلا يحني هامته لأحد سواه- حيًّا كان أو ميتًّا- ولا يعبد إلا إياه، ولا يدعو أحدًا غيره ولا يستعين إلا به، ولا يتوكل إلا عليه فهو سبحانه القوي وغيره الضعيف وهو العزيز وغيره الذليل، وهو الغني وغيره الفقير، وهو القاهر فوق عباده وغيره المقهور، وهو الضار النافع وغيره لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، وهو القادر على كل شيء وغيره لا يقدر على شيء إلا ما أراده له سبحانه فبأي حق تحني هامتك لعبد من عباد الله- حيًّا كان أو ميتًّا-؟ وبأي حق تدعو أصحاب القبور زاعمًا أنك تتقرب إلى الله تعالى بدعائهم كما زعم كل من قبلك عبدة الأصنام ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (الزمر:3) أو طالبًا شفاعتهم عند الله مع أن الله سبحانه حدد الطريق إليه- طريق التوحيد الخالص الذي لا يشوبه وساطة ولا تخالطه شفاعة مخلوق- وإن الذي تدعوه ليشفع لك عند الله أو يتوسط لك لديه عبد مثلك لا يملك لك ولا لنفسه من الله شيئًا، ويوم القيامة لا يشفع أحد إلا بإذنه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (الأنبياء:28)، ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (طه:109)، فتوبوا إلى الله أيها الناس، وطهروا عقيدتكم من لوثات الشرك أكبره وأصغره واعبدوه مخلصين له الدين، ولا تستعينوا إلا به ولا تتوسلوا إليه إلا بأعمالكم، واستمعوا إلى قول الذي لا ينطق عن الهوى: «يا بني عبد مناف لا يأتي الناس يوم القيامة بالأعمال وتأتون أنتم بالأنساب، اعملوا فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب اعمل فإني لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله اعملي فإنني لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت فإني لا أغني عنك من الله شيئًا...»، أفبعد هذه الصيحة المدوية التي أعلنها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لتكون حجة على الناس يوم القيامة وبعد قوله تعالى لرسوله- صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (الجن:21).

أفبعد هذا كله يأتي هؤلاء الناس فيتمسحون بالأضرحة ويطوفون بالقبور، ويقدمون لأصحابها القرابين والنذور، زاعمين أنهم يتقربون بذلك إلى الله أو يتشفعون بهم إليه سبحانه ليقضي حاجاتهم؟ ... فأي فريق بينهم وبين الذين أمر الله تعالى بقتالهم وحكم بأن لا يقربوا المسجد الحرام أبدًا إلا أن يتطهروا من نجاسة الشرك ورجس الوثنية ولا يدعوا مع الله أحدًا ولا يتخذوا بينهم وبينه وسيطًا ولا شفيعًا، أي فرق بين هؤلاء وأولئك.

اللهم إنا نبرأ إليك من هؤلاء ونعاهدك على أن نكون لك موحدين ولوجهك مخلصين ولو كره المشركون.

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة:5)

الاستعانة تشعر بوجوب العمل والأخذ بالأسباب

حذار أيها القارئ الكريم أن تصغي إلى ما يرجف به المرجفون من أدعياء الإلحاد وأعداء الله ورسوله من أن الإسلام يدعو إلى التواكل وإهمال الأخذ بالأسباب ربما تصدق هذه التهمة على غير الإسلام من الديانات الأخرى التي مسخت وحرفت وبعدت عن مصدرها حتى انطفأ نورها وانطمست معالمها وأصبحت أرضية بعد أن كانت سماوية ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (البقرة:79).

أما الإسلام فهو الدين الأوحد الذي تكفل الله تعالى بحفظه من التغيير والتبديل لأنه الدين الخاتم الذي رضيه الله لعباده إلى أن تقوم الساعة فلا تستطيع يد أن تحدث فيه تغييرًا أو تبديلًا أو زيادة أو نقصانًا ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر:9) فقد حفظه تعالى في الصدور كما حفظه في السطور فتبارك الله رب العالمين. أقول: إن الإسلام بريء من الدعوة إلى التواكل وإهمال الأسباب، وليس معنى الاستعانة بالله في شريعة الإسلام ترك العمل وإهمال الأخذ بالأسباب اتكالًا على معونة الله لا لا، ليس الأمر كذلك- أيها القراء الكريم- بل إن لفظ الاستعانة يشعر بوجوب العمل والأخذ بالأسباب وعدم التواكل لأن معنى الاستعانة هو طلب العون من الله على أداء عمل أو إتمامه بعد بذل الوسع والطاقة فيه؛ فالاستعانة لا تتحقق إلا بأن يأخذ العبد بالأسباب ويجد في الأعمال طالبًا من الله المعونة والمساعدة على إنجاز عمله أو اتقانه وإجادته، أو على دفع مضرة وإبعاد مكروه. هذا هو معنى الاستعانة والدارس لحياة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وحياة أصحابه ومن تبعهم بإحسان يرى أنهم كانوا أحرص الناس على بذل الطاقة والجهد ثم يشفعون ذلك بالتوكل على الله تعالى والاستعانة به والاستمداد من حوله وقوته، وهذا هو سر نجاحهم وانتصارهم ولنا فيهم خير قدوة، أما الذي يعتمد على قوته المادية وحدها ولا يستعين بالله فهو مخدوع مغرور وتكون عاقبة أمره خسرًا، والذي يجعل الأسباب ويترك العمل ثم يقول: يا رب فهو كسول مأزور وهو من المتواكلين لا المتوكلين وهو في المجتمع عضو مشلول بتره خير من وجوده لأن ترك العمل والكسب ليس من سنة الفطرة، ولا من هدي الإسلام فمن ترك العمل وهو قادر عليه ولم يأخذ بالأسباب كان عند الله والناس متواكلًا مذمومًا لا متوكلًا محمودًا.

كما أن في الاستعانة بالله تعالى اعترافًا من المستعين بربه أنه ضعيف محدود القوى مهما أوتي من قوة وغنى فيلجأ إلى ربه مستعينًا به مستمدًا من قوته القوية وقدرته القادرة ولا يقول كما قال قارون ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي (القصص:78) فكان عاقبته أن خسف الله ﴿بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (القصص:81).

والخلاصة- أيها القارئ الكريم- أن الاستعانة في الإسلام لا تدعو إلى التواكل وإهمال الأسباب والخروج على الفطرة كما يزعم الملاحدة وأعداء الإسلام ...وإنما للاستعانة ثمرتان:

أولاهما: إنها تمد العبد بقوة معنوية تكون ردءًا وظهيرًا للأسباب المادية التي يأخذ بها فيكون النجاح ويكون الانتصار.

وثانيهما: إنها تحصن المؤمن من الاغترار بقوته والانخداع بغناه فمن اغتر وانخدع واستغنى عن ربه كان عاقبته الهلاك والخسران المبين وبعد: أيها القارئ العزيز فإن الحديث عن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (الفاتحة:5) ما زالت له بقية فنرجئها إلى الحلقة القادمة؛ فإلى اللقاء في الحلقة القادمة إن شاء الله ...

وفقنا الله وإياك إلى ما فيه خير.

وقفة مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- 

﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (آل عمران:164).

النفس البشرية مجبولة على حب الخير، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (العاديات:8)، وهي أيضًا مفطورة على حب الكمال، حتى ولو لم تستطع مشارفته ومواكبته وإذا تكلمنا عن مصدر الخير كله ومجمع الكمال المطلق لوجدنا النفس تهفو بالشوق وتنبض بالحب لله ذي الجلال والكمال ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ (البقرة:165).

ويتفرع عن هذا الأصل الكبير، حب رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، لما أجرى الله لنا على يده من خير، ولما اتصف به من كريم الخصال والخلال، ولا غرو فـ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ (الأنعام:124) ولا يعرف للإيمان طعمًا، من لم يعرف حبها إلى قلبه سبيل؛ لأن الحب والإيمان صنوان لا يفترقان، ولذلك يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف به في النار» ويقول: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».

ما أحوجنا إلى وقفة- حتى ولو كانت قصيرة- نعرض فيها لمحات خاطفة من جوانب هذه الشخصية العظيمة التي نحبها، عساها تكون نبراسًا للمخلصين، وحجة تدفع المارقين.

• لقد بعث الله على يدي رسوله أمة كانت هامدة، فشادها على أساس العقيدة، وهي أسمى ما يتجمع عليه الناس لم يميز جنسًا ولا لونًا ولا وطنًا، الناس سواسية كلهم لآدم وآدم من تراب، ونظم هذه الأمة بما أنزل الله عليه من شريعة ونظام، وزكى أفرادها بما رباهم عليه من قيم وأخلاق فكانت كما قال الله عز وجل: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (آل عمران:110)، وظل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعطي لهم من نفسه، ويقدم لهم القدوة طوال الحياة، باعتباره قائد هذه الأمة المسئول عنها أمام الله- صلى الله عليه وسلم.

• عرض عليه الملك في بداية دعوته، نظير التخلي عنها فقال: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله، أو أهلك دونه».

وحينما أصبح سيد الجزيرة بلا منازع، ودانت له القبائل جميعًا ما ابتنى القصور، ولا اتخذ الضياع، ولم يخلد إلى النعيم، بل ظل كما هو أول الناس جوعًا إذا جاعوا وآخرهم شبعًا إذا شبعوا، لم يستأثر دونهم بشيء، ينام على حصير يؤثر في جنبه، وتمر على بيته ثلاثة شهور وقوته التمر والماء، لم يؤثر ذوي قرابته بمنصب أو ولاية وكان يقول: «من ولي من أمر المسلمين شيئًا فأمر أحدًا محابة فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا حتى يدخله جهنم»- صلى الله عليه وسلم.

• ولم يقبل شفاعة فيمن وقع في حدود الله ولو كان شريفًا بل قال: «إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».

• لم يأخذ مال الناس ليعطيه ورثته، بل حرم عليهم أن يرثوا ماله: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة».

• جذبه أعرابي من ردائه جذبة أثرت في عنقه وقال: يا محمد أعطني من مال الله الذي عندك، فلم يغضب ولم يهتج وإنما تبسم وأعطاه.

• جاء من يقول له: أنت سيدنا وابن سيدنا، فلم يهش لهذا الوصف- رغم صدقه- وقال له: «إنما السيد الله تعالى»، ولم يسمح للمنافقين أن يمارسوا هوايتهم بل سد عليهم الباب قائلًا: «احثوا التراب في وجوه المداحين».

• وكان يشعر بأبوته لأفراد أمته فكان يقول: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من ترك مالًا أو متاعًا فلورثته، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإلي وعلي»، ولهذا فلا عجب أن يقول: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به»، ويقول: «ما من عبد يسترعيه الله على رعيته فيموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة».

وإذا كان هذا هو موقفه عليه الصلاة والسلام من أمته، فماذا كان موقف أمته منه؟ لقد بادلته حبًّا بحب، وولاء بولاء، وافتدته بالنفس والمال والولد، ونزلت على أمره، وأقامت دينه ونشرته في العالمين، ونجتزئ بمثالين مراعاة لظروف المقام.

أسر المشركون خبيب بن عدي وصلبوه ليقتلوه، وقال له أحدهم: أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت في أهلك؟ فرد عليه قائلًا: والله ما أحب أن أكون في أهلي، وتصيب محمدًا شوكة يشاكها، وفي أحد يصاب سعد بن الربيع بسبعين طعنة، ويقول لزيد بن ثابت- وهو يتشحط في دمه: قل لقومي من الأنصار لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى الرسول وفيكم عين تطرف. والآن كيف نصدق نحن في دعوانا حب الله ورسوله- صلى الله عليه وسلم؟ ويجيبنا القرآن بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (آل عمران:31-32).

وفيم نتبعه؟ نتبعه في كل ما جاء به من عند الله، وأن نعتقد عقيدته، وأن نقيم عليها مجتمعنا وأن نلتزم بالإسلام شريعته ونظامه في كل جوانب حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية، وأن نحكم به وحده وأن نتحاكم إليه دون سواه، فذلك كله، وذلك وحده هو المحك الحقيقي الذي يتبين منه المؤمن المحب الصادق من الكافر الدعي الآبق.

أما أن تكون الاحتفالات الباهتة الرسمية منها وغير الرسمية هي قصارى جهودنا، ومنتهى تعبيرنا عن حبنا لله ولرسوله- صلى الله عليه وسلم- فذلك هزل، إذا جاز في حق شخصيات أخرى يمشي على ذكراها دجى النسيان، فإنه لا يجوز في حق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لأن عظمته ليست من جنس تلك العظمات فهو- صلوات الله وسلامه عليه- بالنسبة إلينا الحياة والمستقبل جميعهما، إنه الفكر والسلوك والشعور والضمير، إنه الرسول والإمام والقائد والزعيم، إنه المعلم والمربي والأستاذ، إنه القدوة والمثال، إنه الخلق والكمال.

إن المسلم يستيقظ من نومه وهو يردد دعوات علمها له الرسول، وينهض لصلاة شرعها وحدد كيفيتها له الرسول، ويسعى لكسب الحلال الذي رسمه له الرسول، ويعامل الناس ويخالقهم كما أمره الرسول، ويتعهد أهله كما كان يفعل الرسول وبالجملة فهو في كل ما يأتي وفي كل ما يذر يترسم خطى الرسول ويسلك منهجه، فأنى لإنسان هذا حاله أن ينسى ذكرى رسوله حتى يحتاج إلى تذكرة.

مما سبق يتبدى لنا أن مكانة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وزعامته، ليست من تلك الزعامات التي يفرضها السوط والسيف ولا التي يصنعها المنصب والجاه، ولا التي تبنيها الأموال والمنافع ولا التي تغرى إليها الأقلام والأبواق، حتى إذا زلات هذه العروض- وكلها زائلة- هوت الزعامة وأهيل عليها التراب، ويحول المادحون إلى قادحين. والمسبحون إلى لاعنين، وإنما كانت مكانته- صلى الله عليه وسلم- مبعثها الإيمان والاقتناع بعظمة الدعوة وعظمة الداعي.

ما قصدنا بهذا الحديث أن نمدح المصطفى- صلوات الله وسلامه عليه، فهو أكبر من مدح المادحين، وحسبه ثناء ربه عليه، وإنما يشرف هذا الحديث أن يدور حول المصطفى الكريم، مقدمًا نماذج من حياته، راجيًا أن تنير لنا حياتنا ...

ما إن مدحت محمدًا بمقالتي

 

 

لكن مدحت مقالتي بمحمد

 

وصدق الله إذ يقول:

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (التوبة: 128).

ولذلك فخيرنا كله في ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (الحشر:7).

وصلى الله وسلم وبارك على هذا النبي الكريم وعلى آله وصحبه والتابعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اتحاد طلاب جامعة القاهرة اللجنة الثقافية العليا الجماعة الإسلامية

الرابط المختصر :