; وما زال رصاص العملاء ينهمر على المخيمات | مجلة المجتمع

العنوان وما زال رصاص العملاء ينهمر على المخيمات

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يونيو-1985

مشاهدات 48

نشر في العدد 721

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 11-يونيو-1985

  • أبو عمار يقول: هناك عناصر من القوات الخاصة السورية تشارك في الهجوم على المخيمات.
  • مراسل أجنبي يقول: قتلوا الطفلة وأخاها الجريح في المستشفى عندما لم تستطع حمله.
  • عبد الحليم خدام مصرٌّ على تصفية المخيمات ولو استغرقت المعارك ستين يومًا.
  • المؤامرة أكبر بكثير من تصفية المخيمات وعلى المخلصين من أبناء هذه الأمة أن يضربوا على يد المتآمرين و يوقفوا الكارثة.

قصف المخيمات الفلسطينية في أطراف بيروت مازال مستمرًا لليوم السابع عشر حتى كتابة هذه السطور، ومحاولات اقتحام البقية الباقية من هذه المخيمات مازال مستمرًا والجرافات التي تستطيع الوصول إلى بيت مهدوم أو غير مهدوم تسويه بالتراب والأوامر الصادرة إلى حركة «أمل» أن تفعل في مخيم برج البراجنة ما فعلت القوات السورية وسرايا الدفاع في حماه تمهيدًا لنقل البقية الباقية من الفلسطينيين في المخيمات إلى البقاع اللبناني قرب الحدود السورية، والثمن هو دويلة أو كانتون شيعي في الجنوب اللبناني يكون حارسًا أمينًا على حدود «إسرائيل» واستيلاء سوريا على جزء من لبنان وإقامة الكانتون الماروني- القائم فعلًا- وكذلك الكانتون الدرزي، أما المسلمون السنة على وجه الخصوص فهم المستهدفون بالتصفية بعد تصفية الفلسطينيين.

ونحن نقول هذا الكلام ليس من نسج الخيال أو الاستنتاج ولكنها الاتفاقات السرية بين تل أبيب ودمشق وبيروت و باريس وعواصم أخرى، والتنفيذ العملي على أرض الواقع قائم على قدم وساق مهما غلفه المتآمرون بأغلفة شفافة أو مثقبة أو مشقوقة الجوانب.

وحين يقف الفلسطينيون وحدهم في المخيمات يتصدون للمؤامرة الكبرى متشعبة الأطراف فيهلكون من القوات المهاجمة حتى الآن ما يقرب من ٤٠٠ قتيل و ١٠٠ جريح في قتال غير متكافئ إنما يقدمون من أرواحهم الزكية أضعاف هذا العدد أكثرهم من النساء والأطفال والشيوخ، حين يتصدى الفلسطينيون وحدهم للمؤامرة إنما يحاولون بأجسادهم أن يوقفوا زحف الكارثة.

وهذا الصمود البطولي للمقاتلين الفلسطينيين لم يكن في حسبان أولئك الذين تصوروا أن اقتحام المخيمات وتصفيتها مسألة ساعات أو بضعة أيام على أكثر تقدير، وحين طال القتال وكثرت الخسائر في الطرفين نشب الخلاف بين أعضاء المكتب السياسي لحركة أمل فقال أحدهم:

  • أصبح دورنا مكملًا لدور «حبيقة» وهو «بطل» مجازر صبرا وشاتيلا الأولى عام ۱۹۸۲وقال آخر:
  • ورطتنا سوريا.. ولماذا نكون غطاء للسوريين؟ وترك بعض الضباط في اللواء السادس أرض المعركة واعتكفوا في بيوتهم، وأعلنت بعض القوى الشيعية أنها ضد ما تفعل «أمل» ومنها حزب الله وكذلك مهدي شمس الدين.

والفلسطينيون من «جبهة» الإنقاذ الذين وعدوا بالسيطرة على المخيمات بعد تنظيفها من جماعة «عرفات» اكتشفوا أن المؤامرة تستهدف تدمير المخيمات وترحيل من يتبقى منهم حيًا وإن المطلوب من جبهة الإنقاذ أن تكون شاهد زور على ما يجري.. فتحركوا دفاعًا عن أنفسهم وحتى لا يفقدوا كل شيء، ولكن قبضة دمشق على أعناقهم قوية وحين طلبت منظمة التحرير الفلسطينية عقد دورة طارئة لمجلس الجامعة العربية لبحث ما يجري في المخيمات الفلسطينية رفضت سوريا عقد هذه الدورة، وأوعزت إلى لبنان بالرفض وقدمت سوريا إلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية مذكرة مؤرخة في ٢٣/٥/١٩٨٥، جاء فيها حرفياً ما يلي:

«إن التحركات التي قام ويقوم بها عرفات منذ خروجه من بيروت وزيارته للقاهرة إلى توقيع الاتفاق الأردني العرفاتي مرورًا بمجلس عمان الانشقاقي ليست إلا مقدمات لما اعتزم ويعتزم الإقدام عليه في مسيرته نحو الحلول التصفوية.

-ويأتي إسقاط البندقية المقاتلة كحلقة أساسية في هذه المسيرة، فبعد أن فشلت الفتنة التي أشعلها في بيروت الغربية بتاريخ ١٦/٤/١٩٨٥ والهادفة إلى إثارة النعرات المذهبية واقتتال رفاق الكفاح المشترك، عاد وبتصميم أكبر ليشعلها من جديد في المخيمات الفلسطينية عبر شراء بعض ضعاف النفوس وتوزيع الأموال يمنة ويسرة وحشد أزلامه المهاجمة حركة أمل، وهي الفصيل المقاتل المؤمن

بلبنان الموحد أرضًا وشعبًا وانتماء والتي تصدت وببطولة رائعة للعدوان الإسرائيلي، وتمكنت من دحر الاحتلال.

إن الجمهورية العربية السورية تود أن تنبه إلى المخاطر الكبيرة لهذه الفتنة التي أثارها و يثيرها ياسر عرفات والتي تهدف إلى ما يلي:

۱ - إشغال القوى الوطنية اللبنانية ولا سيما حركة أمل عن المقاومة الوطنية في الجنوب، هذه المقاومة التي عرت النهج الاستسلامي وأظهرته للرأي العام العربي الطريق الصحيح لاستعادة الأرض والحقوق العربية.

٢ - ضرب التحالف النضالي بين جبهة الإنقاذ الوطني الفلسطيني التي تعتبر بداية النهوض الحقيقي للنضال الوطني الفلسطيني من جهة والجبهة الوطنية الديمقراطية اللبنانية وحركة أمل من جهة أخرى.

3- محاولة إرباك سورية وإلهائها عما يخططه ياسر عرفات مع بعض الأطراف العربية للدخول في مفاوضات مع العدو الصهيوني توسيعًا لاتفاقيات كامب ديفيد وتصفية للقضية الفلسطينية.

-إن السلاح الذي استخدمه عرفات ضد حركة أمل وضد الأحياء السكنية اللبنانية لم يستخدمه في وجه الإسرائيليين حينما غزت إسرائيل لبنان عام ۱۹۸۲ حين أعطى أوامره لقوات المقاومة الفلسطينية أمام العدو الصهيوني، وإن هذا السلاح المعد أصلًا ليستخدم ضد العدو ويستخدم حاليًا ضد اللبنانيين.

-كان الأجدر بعرفات وزمرته أن يتعلموا من مدرسة حركة أمل معاني الفداء والتضحية والاستشهاد وليوجهوا هذه الدروس للعدو الإسرائيلي لا أن يوجه عرفات وزمرته سلاحهم ضد الذين قاتلوا الإسرائيليين وهزموهم في لبنان.

-إن حكومة الجمهورية العربية السورية انطلاقًا من كون لبنان بلداً مستقلًا وذا سيادة ترى أن مناقشة أي حدث يجري على أرضه هي من صلاحيات الحكومة اللبنانية وهي تری أن طلب المذكرة «الفلسطينية» يعتبر مؤشرًا جديدًا على دور عرفات في تمزيق وحدة لبنان بخلق الظروف التي ساعدت العدو الإسرائيلي على احتلال أراضيه، لذلك فإن حكومة الجمهورية العربية السورية لا توافق على عقد الدورة الطارئة المطلوبة».

ونحن هنا لا نريد أن نقف مدافعين عن سياسة عرفات المتعلقة بالسعي لما يسمى بالحل السلمي، فموقفنا الإسلامي واضح وصريح في رفض الصلح مع اليهود، أو الاعتراف بالكيان اليهودي في فلسطين والدعوة المستمرة إلى الجهاد لتحرير فلسطين كلها من دنس اليهود.

ولكننا نتساءل: من الذي دفع عرفات- ونحن لا نلتمس له العذر- في سلوك هذا الطريق الوعر؟ وإذا كانت منظمة التحرير لم تعترف حتى الآن بالقرار ٢٤٢ فإن دمشق اعترفت به وهو يعني ضمنًا الاعتراف بالكيان اليهودي في فلسطين واعتبار القضية الفلسطينية قضية لاجئين.

ثم إن تصوير منظمة «أمل» التي يقودها نبيه بري والتي تقوم بأبشع المجازر ضد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين بدعم من سوريا، تصوير هذه المنظمة بأنها «الفصيل المقاتل المؤمن بلبنان الموحد أرضًا وشعبًا وانتماءً، والتي تصدت وببطولة رائعة للعدوان الإسرائيلي، وتمكنت من دحر الاحتلال»، هذا التصوير مغاير للحقيقة التي تجري على أرض الواقع تمامًا، فنبيه بري وزمرته التي ترتكب مجازر المخيمات لم يطلقوا رصاصة واحدة على جنود العدو اليهودي وفتحوا له الطريق كما أن قوات العدو لم تجرد رجال بري من سلاحهم بل وصلتهم من سوريا أعداد هائلة من الأسلحة وهم تحت السيطرة الإسرائيلية.

كما أن داود الداود الساعد الأيمن لنبيه بري في إجرامه وعمالته لليهود بعد أن يشتم الفلسطينيين بأقذع الشتائم يعلن أن مجازر المخيمات انتقام «لاستشهاد الحسين..» هكذا بكل غباء وحقد وتملق لمشاعر الدهماء يتصور هذا الداود أنه أقرب إلى الحسين من أبناء المخيمات، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا يقتل واحدًا من الشيعة الذين قاوموا الاحتلال الإسرائيلي وهو محمد سعد ولماذا يشارك الإسرائيليين في قتل أحد مشايخ الشيعة الذين قاوموا الاحتلال وهو الشيخ محمد حرب ومعه راغب حرب؟ ولماذا يقيم الآن الحواجز في الجنوب لمنع المجاهدين من مهاجمة اليهود؟

إن الذين يقاتلون مع نبيه بري من اللواء السادس هم فئات ضالة وضعت نفسها في خدمة الشيطان فالتقت مع عناصر من اللواء الثامن الكتائبي في حصار المخيمات وقصفها، وحين عجزت قوات بري وعناصر من اللواء السادس والثامن من «الإجهاز» على المخيمات قال عبد الحليم خدام: «إن تصفية مخيم تل الزعتر استغرقت ٥٥ يومًا فلتستغرق تصفية برج البراجنة وصبرا وشاتيلا ٦٠ يومًا أخرى». وهذا اعتراف بمسئولية دمشق عن تصفية مخيم تل الزعتر وإصرار على إكمال مؤامرات التصفية ولذلك أرسلت سوريا قواتها الخاصة للمشاركة في مجازر المخيمات، كما يقول ياسر عرفات في مقابلة مع «القبس» مؤخرًا، وهم يلبسون الأقنعة ومنهم ضابط، ويرقد منهم في مستشفى تشرين العسكري ٥٢ جريحًا.

وحتى تتضح معالم الصورة التي حاولت طمسها المذكرة السورية للجامعة العربية عن هؤلاء المجرمين الذين يهاجمون المخيمات الفلسطينية نقرأ شهادة «ديفيد بلوندي» مراسل صحيفة «الصندي تايمز» الذي يصف بعض الأعمال الوحشية التي قامت بها قوات بري ومن يساندها، يقول بلوندي:

«ومن هذه الأعمال حالة ذلك الشاب الفلسطيني الجريح وأخته البالغة من العمر ١٣ عامًا، التي كانت تجلس بجانبه على الأرض في المستشفى- مستشفى غزة- في مخيم صبرا حيث أبلغها أحد جنود اللواء السادس حمل أخيها وعندما لم تستطع أطلق عليهما النار فقتلهما، ثم أخرج ستة فلسطينيين من أحد الأجنحة وطلب منهم نزع ملابسهم ليرى الجنود ورجال الميليشيات إن كانت هناك آثار تدل على أنهم كانوا من المقاتلين وسواء كانت هناك آثار أو لم تكن، فقد أخذوهم إلى حفرة خارج المستشفى وأطلقوا عليهم النار وطفل أصيب بشظية فسأله أحد رجال الميليشيات: هل اشتركت في القتال؟ فأقسم أنه لم يشترك، «فأطلق عليه النار وقتله».

«وقال شاهد عيان أن جنود الجيش اللبناني ورجال أمل ألقوا بالقنابل والمتفجرات على سرداب المستشفى لأنهم اعتقدوا أن المناضلين الفلسطينيين وعائلاتهم يختبئون فيه، ولم يعرف عدد القتلى إنما هناك رائحة نتنة تفوح من بين الأنقاض.

وكذلك اقتحم الجنود المبنى حيث كانت الهيئة الطبية تختبئ، وفي الداخل حدث إطلاق نار وتفجير ثم تبعه صمت.

وفي منطقة تقع إلى الشمال من مدخل مخيم صبرا وضع ستة فلسطينيين في صف، ثم دهسهم أحد الجرارات وقام رجال من ميليشيات حركة أمل بجمع ١٥ فلسطينيًا كانوا يرتدون قمصانًا بيضاء من أحد المستشفيات وكانت لا تزال أنابيب التغذية الوريدية موصولة بأذرع بعضهم، ثم أطلقوا النار عليهم وقال شاهد عيان: كانت الجثث ترقص، وخرجت ممرضة فلسطينية من مخيم صبرا وبرفقتها رجل جريح، فأطلق مسلحو أمل النار عليهما، وطعنت الممرضة بحربة بندقية، ثم وضعت الجثتان في شاحنة.

وهناك تقارير أخرى، فقد أطلقت النار على فلسطينيين في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت وكانت شاحنة براد تقف خارج المستشفى وفي داخلها جثث ٥٥ رجلًا وقال شاهد عيان تفحص هذه الجثث إن النار قد أطلقت من مسافة قريبة على ٢٠ رجلًا من هؤلاء، ويبدو وكأنهم أعدموا، كما تبين له أن ثلاثة منهم قد ذبحوا ذبحا.

وهناك المئات من الفلسطينيين ما زالوا مفقودين، وقد يكونون مسجونين وقد يكونون لاقوا المصير نفسه الذي لاقاه العديدون من إخوانهم المقاتلين.

إن تصفية المخيمات الفلسطينية في لبنان عمل إجرامي يدخل ضمن مؤامرة كبرى لا تستهدف الفلسطينيين وقضيتهم فحسب؛ بل تستهدف مصير المنطقة برمتها تاريخيًا وجغرافيًا و بشريًا وسياسيًا وعقديًا.

وإذا كان من واجبنا أن ننبه إلى الخطر الماحق القادم فإن من واجبنا أيضًا أن ندعو إلى الضرب على أيدي المتآمرين وإيقافهم عند حدهم قبل أن يستفحل الخطر وتصعب معالجته.

على المخلصين من أبناء هذه الأمة أن يصحوا وأن يتحدوا وأن يتحركوا..!!

الرابط المختصر :