العنوان أكاذيب مهدت للاحتلال
الكاتب أحمد كرماوي
تاريخ النشر السبت 28-يونيو-2003
مشاهدات 62
نشر في العدد 1557
نشر في الصفحة 46
السبت 28-يونيو-2003
حتى هذه اللحظة لم تفلح الإدارة الأمريكية ولا الحكومة البريطانية في تقديم دليل واحد على أن العراق كان يمتلك أسلحة دمار شامل قبل ۲۰ مارس الماضي وهو تاريخ غزوهما للعراق، ومعلوم أن وجود هذه الأسلحة كان الحجة الرئيسة التي تذرعتا بها لغزو العراق واحتلاله.
فشل الطرفان في العثور على تلك الأسلحة على الرغم من مضي أكثر من سبعين يومًا على سقوط نظام صدام حسين، هذا الفشل جعلهما عرضة للمساءلة والتحقيق من جانب لجان في الكونجرس الأمريكي ومجلس العموم البريطاني.
وربما يكون رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بشكل خاص عرضة للسقوط إذا فشل في إقناع اللجنة البرلمانية المكلفة بالتحقيق في خداعه للرأي العام البريطاني ومعلوم أن الرئيس الأمريكي بوش اعتمد في تبريره الحرب على ملف استخباري قدمه بلير بهذا الخصوص قبل شهور قليلة من الحرب، وهو الملف الذي أطلقت عليه الصحافة البريطانية «ملف الاحتيال» بعد أن تبين أن غالبيته كان من رسالة دكتوراة قدمها الباحث العراقي إبراهيم المراشي لإحدى الجامعات البريطانية وكانت تستند إلى وثائق مضى عليها أكثر من عشر سنوات (!)
وقد زعم الملف البريطاني الذي احتوى خمسين صفحة أن العراق:
- واصل إنتاج أسلحة كيماوية وبيولوجية.
- وضع خططًا عسكرية لاستخدام تلك الأسلحة.
- حاول الحصول على مواد من دول أفريقية وعلى تكنولوجيا لإنتاج أسلحة نووية.
- احتفظ بشكل «غير قانوني» بحوالي عشرين من صواريخ الحسين التي يصل مداها إلى ٦٥٠ کیلو مترًا وتستطيع حمل رؤوس بيولوجية أو كيماوية.
- بدأ تطوير صواريخ هجومية ذات مدى يصل إلى أكثر من ألف كيلومتر.
- تعلم (!) كيفية إخفاء معدات ووثائق عن مفتشي الأسلحة الدوليين.
الباحث العربي إبراهيم المراشي طالب الحكومة البريطانية بالاعتذار عما قامت به وأمام لجنة الشؤون الخارجية التابعة لمجلس العموم البريطاني وصف فعل حكومة بلير بأنه استخدام متهور للمعلومات التي تضمنها بحثه دون إعلامه، لأن ذلك كان يمكن أن يعرض أفراد أسرته في العراق للخطر حسب قوله، والمثير في القصة قول الباحث العراقي إن المسؤولين البريطانيين نقلوا كل شيء من بحثه حتى الأخطاء في علامات الترقيم.
وربما يكون تقرير هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» الشهر الماضي قد أسهم في تسليط الضوء على هذه المسألة، وقد زعم التقرير أن مكتب رئيس الوزراء بلير مارس ضغوطًا على الأجهزة الأمنية البريطانية لتأكيد أن صدام يستطيع استخدام أسلحة الدمار الشامل التي يملكها خلال ٤٥ دقيقة لكن بلير نفى أن تكون حكومته أعادت صياغة تقرير لأجهزة الاستخبارات البريطانية بهذا الشأن، وأنكر أن تكون الإشارة إلى مدة ٤٥ دقيقة أضيفت إلى التقرير بطلب من رئاسة الحكومة، وقال خلال جلسة الاستجواب الأسبوعية له أمام مجلس العموم البريطاني إن المدة الزمنية المذكورة جاءت من مصدر يمكن الوثوق به وليس من منشق عراقي (!)
وبعد أن شعر بلير أن الخناق يضيق عليه وأن أيامه في 10 داوننج ستريت قد تكون معدودة لجأ إلى صديقه بوش طالبًا المساعدة. وقد زعمت صحيفة التايمز أن بلير طالب بوش بتقديم عرض للإفراج عن المسجونين من كبار المسؤولين العراقيين «قائمة الخمسة والخمسين» مقابل إدلائهم بمعلومات عن أسلحة الدمار الشامل المزعومة، وعلى حد قول الصحيفة فإن الإدارة الأمريكية رفضت الطلب البريطاني لأسباب قانونية لكن بوش دافع عن صديقه المأزوم قائلًا إن بلير تصرف استنادًا لمعلومات استخبارية صحيحة وأنه لا أساس من الصحة للاتهامات الموجهة إليه وقال بوش إن من يتهمون بلير بالمبالغة في مسألة أسلحة الدمار الشامل العراقية قبل الحرب مخطئون على حد تعبيره.
لجوء بلير إلى صديقه بوش جاء بعد أن قررت لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني بدء التحقيق في الأسباب التي أعلنها رئيس الوزراء لغزو العراق، وقد قررت اللجنة توجيه اتهامات لبلير بتضليل البرلمان والرأي العام بشأن برنامج الأسلحة العراقية غير التقليدية.
وعلى الرغم من أن بلير حظي بشعبية وتأييد نسبة كبيرة من البريطانيين عشية الحرب، أظهر استطلاع جديد للرأي أن بلير ربما يفقد هذا التأييد، إذ أصبح الناخبون البريطانيون منقسمين بشأن مصداقية رئيس وزرائهم، وقد شكك ٤٣% ممن شملهم الاستطلاع في صحة المعلومات التي قدمها بلير، في حين قال ٦٠% منهم إن قضية الأسلحة العراقية ستؤثر كثيرًا على فرص فوز حزب العمال في الانتخابات العامة المقبلة، وأكد ١٨% أنهم ربما يمنحون أصواتهم لحزب آخر غير العمال إذا لم يتم العثور على الأسلحة المحظورة في العراق.
صحيفة التايمز البريطانية نقلت عن مصادر حكومية رفيعة قولها: «نحتاج إلى أدلة كافية تثبت وجود برنامج عراقي لإنتاج أسلحة كيميائية، لأن التركيز كان على هذا النوع من الأسلحة خصوصًا ونحتاج لمعرفة سبب عدم استخدام صدام لهذه الأسلحة ضد قوات التحالف».
أما صحيفة «ديلي ميرور» فقالت إن نحو مائة خبير عسكري بريطاني ينضمون لفريق من ١٤٠٠ شخص تشكل أخيرًا بمبادرة أمريكية للبحث عن أسلحة الدمار الشامل في العراق، وقالت الصحيفة إن الخبراء فتشوا ۸۷ موقعًا ولم يعثروا على شيء.
المخادع: بلير يعيش أيامًا عصيبة لأن الهجوم الذي يتعرض له يأتي من جانب أعضاء سابقين ومقربين منه في حكومته ومن نواب في حزبه، حزب العمال الحاكم، أكثر مما هو من المعارضة. فقد اتهمه وزير الخارجية الأسبق روبن كوك الذي استقال من الحكومة بعد إعلان الحرب، بالخداع وقال إنه لا يمكن تصور أن يتمكن العراقيون من إخفاء أسلحة الدمار الشامل ومعدات صنع الأسلحة لشهرين منذ أن احتلت القوات البريطانية والأمريكية العراق دون أن تنكشف هذه الأسلحة أو المعلومات بشأنها.
وقال كوك أمام لجنة التحقيق البرلمانية: «تفقدنا كل منشأة لتخزين الذخائر في العراق ولم نعثر على أي أسلحة كيماوية أو بيولوجية».
وأضاف أن تقريرًا حكوميًا بشأن الأسلحة العراقية صدر في سبتمبر الماضي يفتقر إلى أي معلومات مخابراتية حديثة تنذر بالخطر.
من ناحيتها وجهت وزيرة التنمية الدولية كلير شورت -التي استقالت من منصبها الشهر الماضي- وجهت لبلير التهم ذاتها، وقالت إن الخداع تضمن نشر «ملف الاحتيال» في فبراير الماضي ليبرر شن الحرب.
وكانت كلير شورت قد اتهمت أيضًا حكومة بلير بأنها تساعد الولايات المتحدة على ترهيب الأمم المتحدة في قضية العراق وانتقدت أسلوب بلير الشخصي في ممارسة السلطة معتبرة أنه ينم عن نزعة سلطوية متزايدة وأضافت: «أقول لرئيس الوزراء إنه أنجز أشياء عظيمة منذ عام ۱۹۹۷، لكن من المفارقة أنه قد يدمر إرثه بسبب هوسه المتزايد بتحقيق مكانة له في التاريخ»
بوش يتمسك بموقفه
وعلى الشاطئ الآخر من الأطلسي فإن الرئيس الأمريكي ليس أفضل حالًا، إذ إنه هو الآخر يتعرض لضغوط بعد أن بدأت لجنتا القوات المسلحة والمخابرات في مجلس الشيوخ تحقيقين بشأن التقارير المخابراتية التي بررت الحرب على العراق.
لكن موقف بوش يبدو أكثر قوة وتماسكًا بسبب انحياز غالبية أعضاء الكونجرس بمجلسيه لموقف إدارتهم في شن الحرب سواء كانوا جمهوريين أم ديمقراطيين، وذلك على الرغم من محاولات الحزب الديمقراطي التأثير على سمعة ومصداقية بوش قبل بدء الحملة الانتخابية الرئاسية الجديدة.
ومع تصاعد وتيرة الاتهامات ضده بأنه قدم معلومات استخبارية مضللة لدعم الحرب، لم يجد بوش في كلمة ألقاها في فيرجينيا سوى الإصرار على موقفه بأن العراق يمتلك أسلحة غير تقليدية.
وقد رفضت لجنة العلاقات الدولية بمجلس النواب الأمريكي اقتراحًا من النائب الديمقراطي دينيس كوسينيتش -وهو معارض بارز للحرب- لإرغام بوش على تسليم ملفات الاستخبارات بشأن أسلحة العراق للكونجرس. وتعكف لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ على مراجعة معلومات المخابرات بشأن الأسلحة العراقية لكن الجمهوريين الذين يسيطرون على الكونجرس رفضوا طلبًا بإجراء تحقيق شامل.
وقال كثير من الديمقراطيين إن ناخبيهم يريدون أن يعرفوا أن كانت الإدارة قد ضللتهم، وقال النائب الديمقراطي جاري أكرمان الذي كان من مؤيدي الحرب على العراق إن الديمقراطية الأمريكية وقدرة الشعب الأمريكي على الثقة في هذه الإدارة أصبحت في محل تساؤل وتشكيك.
وكشفت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية أن نائب الرئيس ديك تشيني تردد أكثر من مرة مع أحد كبار مساعديه العام الماضي على مقر وكالة الاستخبارات المركزية، وهي زيارات لم تكن طبيعية وأعطت انطباعًا لكبار محللي الوكالة بأنهم يتعرضون لضغوط حتى يقدموا معلومات عن أسلحة الدمار الشامل في العراق تتناغم مع الاتهامات التي توجهها إدارة بوش بشأن تلك الأسلحة.
وخلال جلسة استماع سرية عقدتها لجنة المخابرات في مجلس الشيوخ الأمريكي الأسبوع الماضي تمسك محللو معلومات المخابرات الأمريكية بتقييمهم الذي توصلوا إليه قبل الحرب وهو أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل وقال السيناتور الديمقراطي إيفان بايه الذي حضر الجلسة إنه لم يتغير شيء في تقييم معلومات ما قبل الحرب على العراق، وأضاف أن اللجنة لم تتمكن من التوصل لرأي بشأن ما إذا كانت إدارة بوش قد ضخمت معلومات المخابرات أو أنها لا تعتقد أن تضليلًا صريحًا قد حدث بهذا الشأن وقال بات روبرتس رئيس اللجنة «جمهوري» إن أحدًا من محللي المخابرات لم يبلغ اللجنة بأن الإدارة ضغطت عليه لتقديم معلومات عن وجود أسلحة دمار شامل عراقية.
من جانب آخر، نفى مسؤولون في وزارة الدفاع «البنتاجون» أن تكون وحدة الاستخبارات في الوزارة استخدمت معلومات أعلنها معارضون عراقيون لدعم الاتهامات الأمريكية للنظام العراقي السابق بوجود أسلحة محظورة أو بعلاقة النظام العراقي بتنظيم القاعدة.
وأكد وكيل وزارة الدفاع لشؤون السياسات دوجلاس فيث أن هذه الوحدة وفرت فقط ملاحظات مثيرة للاهتمام حول العلاقة بين العراق والقاعدة، رفعت إلى مدير وكالة الاستخبارات المركزية جورج تينيت في أغسطس من العام الماضي.
ونفى فيث قيام مسؤولي البنتاجون بالضغط على الاستخبارات أو أي جهاز أمريكي آخر لتلفيق معلومات في تقاريرهم تدعم وجهة النظر بأن أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة تمثل تهديدًا للمصالح الأمريكية والعالم.
لكن صحيفة نيويورك تايمز نقلت عن مصادر استخبارية قالت إنها رفيعة المستوى أن «السي أي إيه» تعيد النظر في تقرير مهم جرى إعداده قبل الحرب، وخلص إلى أن النظام العراقي السابق امتلك أسلحة بيولوجية وكيمياوية، وقال مسؤول قريب من عملية مراجعة التقرير في «السي أي إيه» إن مصداقية تقارير المخابرات بشأن برامج أسلحة العراق تراجعت كثيرًا بعد مغادرة المفتشين الدوليين للعراق عام ۱۹۹۸.
وحتى لحظة كتابة هذا التقرير وعلى الرغم من اعتقال القوات الأمريكية في العراق لأكثر من نصف المطلوبين على قائمة الخمسة والخمسين أو أركان النظام السابق فإن أحدًا من هؤلاء لم يقدم معلومات يمكن أن تحفظ ماء وجه بوش وبلير بشأن امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، لكن مسؤولين في الاستخبارات الأمريكية يقولون إن الأمر ربما سيكون مختلفًا إذا ما تم اعتقال صدام نفسه، وكأن صدام يحتفظ بأسلحة الدمار الشامل في جيبه أو كأنه هو الوحيد الذي كان يعرف عنها