; الانتخابات الفلسطينية الدلالات والتحديات | مجلة المجتمع

العنوان الانتخابات الفلسطينية الدلالات والتحديات

الكاتب د. محمد حبيب

تاريخ النشر السبت 18-فبراير-2006

مشاهدات 66

نشر في العدد 1689

نشر في الصفحة 24

السبت 18-فبراير-2006

(*) النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين

الانتخابات تعطي مؤشرًا لما تهفو إليه الشعوب العربية والإسلامية فلولا الاستبداد الذي تمارسه الأنظمة والحكومات ضد شعوبها لأظهرت نتائجها انحيازًا واضحًا للحركة الإسلامية.

لا يتصور أحد أن حماس ستلقي بسلاحها أو تأمر الفصائل الأخرى بالتخلي عنهفالاحتلال ما زال قائمًا ويمكن أن ينقض في أي لحظة ويمارس لعبته التي أدمنها

لا يجب أن يكون هناك حديث عن السلام ما لم ينسحب الكيان الصهيوني من الأرض المحتلة ويفرج عن عشرة آلاف معتقل وأسير ويعترف بحق اللاجئين في العودة ويقر بالقدس عاصمة للدولة الفلسطينية

كشفت الانتخابات التشريعية الفلسطينية أن الشعب الفلسطيني على مستوى التحدي الكبير الذي يواجهه، وكشفت عن عزيمة لم تهن وإرادة لم تنكسر وثبات وصمود وإيمان إزاء الاحتلال وحصار الجوع والموت الذي يتعرض له وأعمال التصفية والاغتيال والإبادة التي ترتكب في حقه وهدم المنازل وتجريف الأراضي التي يقوم بها العدو الصهيوني.

 نعم كنا نتوقع أن تفوز حماس، لكننا ما توقعنا أن تفوز بهذا العدد، وما توقعنا أن يكون الفارق بينها وبين فتح ضخمًا كهذاربما لأن الشعب الفلسطيني يدرك حجم التضحيات والتكاليف والأعباء التي تحملتها وقدمتها حماس، والثوابت التي تحرص عليها وتدافع عنها في كل المواقف وقدرتها على التصدي للغطرسة والكبر الصهيوني وتوجيه ضربات موجعة له أوقعت به خسائر في الأرواح والاقتصاد وهزت نظريته الأمنية، وأصابته بالهلع والخوف والفزعهذا فضلًا عن خدمات حماس الطوعية التي تقدمها لرجل الشارع العادي والتي يلمسها القاصي والداني، إضافة التي تتمتع بها.

 لعل هذه الانتخابات الحقيقية التي جرت في فلسطين تعطي مؤشرًا لما تريده وتهفو إليه الشعوب العربية والإسلامية في بلادها فلولا الديكتاتورية والاستبداد والنهج القمعي الذي تمارسه الأنظمة والحكومات ضد شعوبها، بسلب حقوقها والاعتداء على كرامتها، ولولا تزييف إرادة هذه الشعوب بكل الحيل والوسائل في الانتخابات العامة لأظهرت نتائجها انحيازًا واضحًا للحركة الإسلامية، الأمر الذي تخشاه هذه الأنظمة، وتأباه دول الغرب التي تتبنى الديمقراطية وتعمل -كما تدعي على نشرها على مستوى كل دول العالم

إن الانتخابات التشريعية التي جرت في فلسطين والنتائج التي حققتها قد ألهبت حماس وشعور الشعوب العربية والإسلامية المتطلعة إلى الحرية والتي تتوق إلى اختيار حكامها وممثليها ونوابها وبرنامج حياتها ونظام حكمها، عبر إرادتها الحرة حتى تستطيع أن تنهض من كبوتها وتتبوأ مكانتها اللائقة بين الأمم الأخرى أقولهذه الانتخابات التي تمت والنتائج التي تحققت سوف تكون لها آثارها وتداعياتها في المستقبل المنظور.

 وسوف يشهد والإسلامي تغييرات وتطورات كبيرة على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي

والسؤالإذا كانت هذه هي المرة الأولى التي يطلب فهل فيها من الإسلاميين تشکیل حكومة، فهل حركة المقاومة الإسلامية (حماسقادرة على مواجهة هذا التحدي؟ وللإجابة أقول: يجب ألا يغيب عن أذهاننا أن الشعب الفلسطيني يعاني من احتلال أرضه وتدنيس مقدساته، وأن السلطة الفلسطينية بقيادة فتح لم تستطع أن تقدم شيئًا عبر السنين الماضية، بل خلفت وراءها تركة مثقلة بالهموم والأوجاع في كافة الميادين، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، هذا إضافة إلى أوضاع عالمية وإقليمية معاكسة.

 ونظرة أولية إلى التصريحات التي صدرت عن الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي تبين بما لا يدع مجالًا للشك حجم الصدمة التي اعترت هؤلاء، فلا معونات ولا تأييد ولا مساعدة، ما لم تعترف حكومة حماس بالكيان الصهيوني، وتعلن نبذها للعنف وأن تقر بكل الاتفاقيات التي تمت مع السلطة الفلسطينية السابقة.

 وبدا التناقض واضحًا وجليًا في لغة الغرب بين الاعتراف بديمقراطية الانتخابات الفلسطينية وشفافيتها من ناحية وبين عدم القبول بما أفرزته من ناحية ثانية ولعل هذا التناقض يعكس أثر هذا الفوز وتداعياته على موقف الغرب من حاضر القضية الفلسطينية ومستقبلها، بل ومن الصراع العربي الإسلامي الصهيوني برمتهليس هذا فقط بل أيضًا نظرته تجاه وصول الإسلاميين بشكل عام إلى سدة الحكم.

 ومن أسف أن نرى بعض الدول العربية تحذو حذو أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي في ممارسة الضغط على حماس ومحاولة معاقبة الشعب الفلسطيني على اختياره لها، وهو ما جعل حماس تبدأ التحرك بوفود للدول العربية، بغية التعريف بوجهات نظرها وما تفكر فيه في هذه المرحلة.

 عمومًا يجب الا نستعجل الحكم على الأمور، وأن نعطي الفرصة الكافية لحماس لإجراء هذه الحوارات والمناقشات، فضلًا عن التشاور مع كافة الأطراف الفلسطينية للوصول إلى صيغة معقولة ومقبولة في ظل الثوابت المعروفة.

 إن حماس تحتاج إلى لملمة الأوراق وجمع الشتات، وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل، بما يهيئ لوجود جبهة قوية قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

 إن اتفاقية أوسلو قد انتهت وتجاوزتها الأحداث، ولم يعد أحد يلتزم بها، وأول من أعلن وفائها وشيعها إلى قبرها هو العدو الصهيوني نفسه أما مسألة التفاوض مع الصهاينة فقد ثبت فشلها ولم تستطع حركة فتح أن تحقق شيئًا عبر طاولة المفاوضات سوى مزيد من التنازلات.

 ولعل من نافلة القول التذكير بأن المفاوض أى مفاوض ما لم يمتلك قوة تسانده وتدعمه فلن يتمكن من الوصول إلى شيء وفي تصوري أن قوة المجتمع الفلسطيني وتوحده خلف قيادته تمثل ورقة ضغط ليس فقط على الكيان الصهيوني، ولكن على المجتمع الدولي كله.

 ولا ينبغي أن تتخلى الشعوب العربية والإسلامية عن دورها في دعم حماس ماديًا ومعنويًا.

 حيث إن القضية الفلسطينية هي قضية العروبة والإسلام الأولى، وأن الشعب الفلسطيني لا يدافع عن حرماته ومقدساته فقط لكنه يدافع عن كرامة الأمة وشرفها إنه لا يجب أن يكون هناك حديث عن السلام ما لم ينسحب الكيان الصهيوني من الأرض المحتلة، وما لم يفرج عن عشرة آلاف معتقل وأسير في سجون الاحتلال، وما لم يعترف بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، وما لم يقر بالقدس عاصمة للدولة الفلسطينية ذات السيادة الكاملة على أرضها، وما لم يتوقف عن أعمال الاغتيال وبناء المستوطنات والجدار العازل.

 المعونات

 أما فيما يتعلق بمنع المعوناتففي ظني أو الأقرب إلى الاحتمال أن الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي لن يقدما على هذه الخطوة.

 وإنما هما يمارسان عملية ابتزاز بالنسبة لحماس، لعل هذا الضغط يأتي بفائدة وهذا التصور منشؤه حرص الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي على عدم إعطاء فرصة لإيران كي يكون لها موطئ قدم لدى الحكومة الجديدة، فإيران دولة قوية ومتماسكة، واقتصادها يمكنها من أن تقوم بهذا الدور.

 حتى ولو لم يكن هذا الاحتمال قائمًا وكان هناك إصرار من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على منع وصول المعونات إلى السلطة الفلسطينية، فإن الدول العربية والإسلامية يمكن أن تقوم بتسديد الجزء الأكبر من فاتورتها، وهذه هي مسؤوليتها نعم سوف تمارس الولايات المتحدة ضغطًا على هذه الدول، لكن على الشعوب العربية والإسلامية أن تقوم هي الأخرى بضغط مقابل على أنظمتها  وحكوماتها.

 في تصوري أن يكون هناك تمديد لفترة التهدئة، فأول ما يجب أن تهتم به وحدة وتماسك البناء الفلسطيني، وهذا بالطبع يطرح مسألة الشراكة مع بقية الفلسطينيين حول قواسم مشتركة وأهداف مرحلية على أنها أمر واجب ومهم ناحية أخرى يجب على حركة فتح أن تتنازل ولو قليلًا - عن انتهازيتها لصالح الوطن، لأن فشل الحكومة القادمة معناه فشل الجميع، وحيث إنها آلت على نفسها ألا تشارك في الحكومة القادمة، فقد وجب عليها أن تكون معارضة مسؤولة وبناءة.

 وفي المقابل على حماس ألا تقطع الصلة بحركة فتح وأن تحاول التشاور معها وأخذ رأيها في كل القضايا فذلك أجدى في هذه المرحلة وفي كل المراحل كما أنها تأكيد عملي على التزام حماس النهج الديمقراطي في الحكم.

 الحال نفسه مع بقية الفصائل، نعم هناك خشية أو عدم سيطرة قيادات فتح على مؤسساتها وأجهزتها المختلفة، إذ قد يبدر من بعضها تجاوزات أو خروقات؛ خاصة وأن جو أزمة الخسارة والهزيمة يطل برأسه على كل تشكيلات فتح، وهذا بالطبع يتطلب من حماس حكمة بالغة في التعامل معها.

 وأتصور أن حماس سوف تنجح في ذلك لما لديها من خبرات طويلة في هذا الميدان.

 لكن لابد من القول إن إدارة شؤون شعب وسلطة بكل مكوناتها خاصة في مثل هذه الظروفأمر تواجهه كثير من المشكلات، غير أن التفاف الشعب الفلسطيني حول حماس وإدراكه العميق لمستوى التحدي الذي تواجهه سوف يكون من أكبر عوامل النجاح بإذن الله.

مسألة الحصار الدولي لصالح الكيان الصهيوني أمر وارد، لكن هذا يتوقف على قدرة حماس على التعامل مع هذا الأمر بشيء من الإصرار والثبات مع الحركة الدؤوب على كل المحافل الدولية، كما يتوقف أيضًا على الدور الذي يمكن أن تقوم به دول عربية وإسلامية وآسيوية وأوروبية.

 لابد أن يكون هناك إسراع في إجراء إصلاح وبناء حقيقي لمؤسسات الدولة، وهذه كلها تتطلب وقتًا وجهد أو مالًا لكنها أمور أساسية وجوهرية. أما ما يخص الجمع بين المقاعد السياسية والبندقية فلا يتصور أحد أن حماس سوف تلقي بسلاحها أو أن تأمر الفصائل الأخرى بذلكفالاحتلال مازال قائمًا، ويمكن أن ينقض في أي لحظة ويمارس لعبته التي أدمنهالكن من الممكن أن تنهض حماس بفكرة دمج الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية تحت راية واحدة تمثل نواة دولة فلسطينية مستقلة ذات السيادة.

 يبقي سؤال مهمهل يمكن تدخل حماس في مفاوضات مع الصهاينة بما يتناقض مع الثوابت المعروفة؟ أقول إن غالبية الشعب الفلسطيني قد اختارت حماس انحيازًا لخيار المقاومة، وسوف تحمل حماس هذه الأمانة بكل العزة والإحساس بالمسؤولية تجاه هذا الشعب العظيم الذي أصبح يمثل الآن مناط الأمل ومعقد  الرجاء للأمة العربية والإسلامية كلهانعم سوف تكون هناك ضغوط ومعاناة على كافة الأصعدة والمستويات، لكن الشعب الفلسطيني الذي أعطى الدرس والقدوة والمثل في التضحية والصبر والصمود لن يرضى بموقف فيه ذلة أو مهانة أو لين أو استكانة، ولذا أتوقع كما يتوقع غيري ألا تقدم حماس على خطوة المفاوضات هذه خاصة بعد أن ثبت فشلها وعدم جدواها في الحقبة الماضية.

الرابط المختصر :