; «شعب» يموت في صمت!! | مجلة المجتمع

العنوان «شعب» يموت في صمت!!

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 28-يونيو-2008

مشاهدات 54

نشر في العدد 1808

نشر في الصفحة 15

السبت 28-يونيو-2008

في مجرى الأحداث

غابت قضية هذا الشعب تمامًا عن الساحتين السياسية والإعلامية، وأصبح يواجه مصيره القاتم وسط صمت اختياري من العالم، خاصة العالم الإسلامي.

ولم تعد علاقتنا للأسف بهذا الشعب ما يقرب من المليون تتعدى أكثر من خبر نسمعه هنا أو هناك نتابع منه أحدث عمليات المقاومة التي تدافع دفاعًا مستميتًا عن وجود شعب يراد له الفناء، وبقاء دولة يراد لها الدفن تحت الأرض، وبين الحين والآخر، نتذكر أن الشعب الشيشاني المسلم ما زال على قيد الحياة، رغم أننا نعاين بأم رؤوسنا طرفًا من ألسنة النيران المسلطة عليه من كل جانب بغية حرقه، وإزالته من الوجود.

فمنذ اقتحام القوات الروسية لهذا البلد في أكتوبر من عام ۱۹۹۹م، فقد الشعب الشيشاني أكثر من ثمانين ألفًا من الضحايا وفق المصادر الشيشانية، وأصبح أكثر من نصف مليون مدني يكابدون حياة الشتات على الحدود المجاورة في مشاهد يشيب لها الولدان، وقد حذرت وكالة شؤون الهجرة الدولية من أن الإصابة بمرض السل بلغت درجة مخيفة بين اللاجئين.

أما بقية الشعب فما زالت داخل البلاد، تعيش حالة مأساوية من الموت اليومي بين أطلال دولة أصبحت أثرًا بعد عين، وتحت قمع جيش من بقايا المغول- يفعل كما يحلو له- بالرجال والنساء الأفاعيل، فالخطف والاعتداء الجنسي من الجنود السكارى صار سمة يومية، بل إن التفنن في أساليب القتل للمدنيين صار سمة بارزة للجنود الروس الشواذ نفسيًا، وإنسانيًا.

ومنذ منتصف القرن السادس عشر في عهد إيفان الرهيب حتى اليوم.. والشعب الشيشاني واقع تحت مطاحن حروب الإبادة، التي شنتها عليه دون رحمة أو هوادة عهود القيصرية ثم الشيوعية، ثم الديمقراطية.. ديمقراطية يلتسين وبوتين.

لكن الحرب الأخيرة الدائرة منذ عام ۱۹۹۹م حتى اليوم تعد الأفظع، ويبدو أن الرئيس الروسي الجديد ماض على طريق سلفيه يلتسين، وبوتين، حتى يتحقق ما تم التخطيط له وهو سحق الشعب، ومحو الدولة من الخريطة، ويساعده في ذلك الضوء الأخضر الحاصل عليه من الغرب «أوروبا وأمريكا»، والصمت المطبق المخيم على العالم الإسلامي!

فروسيا في نظر الجميع تقوم بمهمة سلام وتهدئة للأوضاع تستحق المساعدة والإشادة، ولا سبيل هنا للنقد، فتلك شؤون داخلية لا ينبغي التدخل فيها مثلما يتم التدخل في دارفور والصومال، والعراق وأفغانستان!!

بل إن الموقف الأمريكي تبلور من تلك القضية منذ خمس سنوات، وبعد أربع سنوات من الحرب على لسان وزارة الخارجية التي أعلنت يوم الجمعة ٢٠٠٣/٣/٢٨م عن تصنيف ثلاث منظمات شيشانية تدافع عن أراضي بلادها كمنظمات إرهابية! 

وقد جاء هذا القرار الأمريكي - فيما يبدو - في إطار صفقة تصمت من خلالها روسيا عن غزو العراق، مقابل صمت الولايات المتحدة عن إبادة الشعب الشيشاني.

ولم تأبه واشنطن بذلك الصوت الجريء الذي انطلق من داخل موسكو، بعد موقف الخارجية الأمريكية بستة أشهر «سبتمبر ٢٠٠٣م» كاسرًا حاجز الصمت، وكاشفًا كل المواقف. 

فقد وجهت خمس شخصيات روسية مهمة رسالة إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش، عشية زيارة الرئيس بوتين للولايات المتحدة، كشفوا فيها كل ما يجري، ووضعوا الرئيسين بوتين وبوش- يومها- في مأزق أمام العالم، خاصة أنه تم نشر الرسالة في صورة إعلان مدفوع الأجر، على صفحة كاملة في كبريات الصحف الأمريكية.

وقد وجه تلك الرسالة خمسة من كبار الشخصيات الروسية وهم «رسلان حسب اللاتوف»، رئيس أول برلمان روسي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وإيفان ريبكين رئيس أول مجلس لـ«الدوما»، ورئيس مجلس الأمن القومي في عهد يلتسين وبوريس بيريز فسكي، نائب رئيس مجلس الأمن القومي في نفس العهد، وإيلينا بونر رئيسة مؤسسة أندريه زخاروف وفلاديمير بكوفسكي، السجين السياسي السابق.

ووجهت لنظام بوتين سبعة اتهامات، تدور حول قمع المؤسسات الديمقراطية، وتكريس أكثر من ٥٠% من المناصب الحكومية لعملاء وموظفي جهاز الاستخبارات السوفييتي السابق كي جي بي.

وتتهم الرسالة بشكل واضح «بوتين» بارتكاب جرائم حرب وإبادة في الشيشان... وبأن الاستخبارات الروسية متواطئة في نسف مساكن في روسيا في سبتمبر ۱۹۹۹م قتل فيها ٢٤٩ بريئًا.... وأن الأعمال الإرهابية أضحت مبررًا لشن الحرب على الشيشان وأن الكرملين، حال دون أي تحقيق برلماني في الهجمات، واعتبر كل الوثائق سرية يستحيل حصول النواب عليها. 

لكن الرسالة ذهبت أدراج الرياح، ولم يعد هناك صوت واحد يخرج لا من داخل روسيا ولا من خارجها، فقد سكتت كل الأصوات، وعم الصمت كل العالم، انتظارًا لتشييع جنازة هذا الشعب- لا قدر الله.

إن القيم الإنسانية الكبرى آخذة في التهاوي واحدة بعد الأخرى بأيدي الذين قدسوها وصنعوا لها التماثيل وروجوا لها ويجردون الحملات العسكرية فيما يزعمون، من أجلها، وذلك يقترب بالعالم نحو حالة من الفوضى تكاد تعم العالم، حيث تسيطر قيم النفاق السياسي والكذب بلا حياء.

حوار

أسامة حمدان عضو القيادة السياسية لحركة حماس في حوار شامل حول:

  • قصة التهدئة.. دعوة «أبو مازن» المفاجئة للحوار.. والشبهات المثارة حول العلاقات مع إيران «1 من 2»
  • «التهدئة» أول اتفاق متبادل ومتزامن في تاريخ الصراع مع الصهاينة
  • هذا الاتفاق يؤكد أن الحصار الذي فرضه الصهاينة بدعم دولي كسره صمود شعبنا ودعم الأشقاء العرب!
  • إسرائيل هي التي طلبت من مصر التوسط للتهدئة بعد أن عجزت عن كسر إرادة شعبنا بالحصار والعدوان وفشلت في انقلابه على حركة حماس
  • لسنا ملزمين وفق الاتفاق بالقيام بدور الشرطي لحماية العدو فالذي يضمن التهدئة هو التوافق الوطني عليها
  • لقد سبق أن طلبنا وسنطلب مرة أخرى من الأشقاء في مصر فتح «معبر رفح» بعيدا عن الاحتلال خاصة أنه لا يوجد ما يلزمهم بإغلاقه 
  • الحملة الإعلامية التي روج لها البعض عن تهديد حماس للأمن القومي المصري كان هدفها إحداث أزمة بين الشعب المصري والقضية الفلسطينية لكنها فشلت!

جاءت التهدئة التي دخلت حيز التنفيذ في غزة يوم الخميس ١٩ يونيو الجاري بعد رحلة طويلة من المفاوضات غير المباشرة بين حماس... والكيان الصهيوني برعاية مصرية!!... فلماذا أذعنت إسرائيل لها؟ ولماذا طلبت من مصر التدخل لإنجازها..؟ وكيف بدأ الحوار حولها؟ وكيف سارت المفاوضات حتى تم إنضاجه..؟ ولماذا يتأخر فتح معبر رفح رغم أنه المنفذ الوحيد لغزة إلى العالم، وما حقيقة الموقف المصري في هذا الصدد؟ وما حقيقة موقف رئيس السلطة محمود عباس في هذا الصدد؟.. وإلى أين وصلت المفاوضات الخاصة بالجندي الصهيوني الأسير. جلعاد شاليط؟ وما دوافع دعوة عباس المفاجئة للحوار مع حماس بعد رفض امتد إلى عام كامل..؟

وما سر الحملة الإعلامية المصرية المكثفة ضد حماس.. واتهامها بتهديد الأمن القومي المصري بعد اجتياح الفلسطينيين للمعبر؟ وإلى أين وصلت العلاقات مع مصر؟ وماذا عن العلاقات مع إيران.. الشبهات... والصفقات؟ وما انعكاسات المفاوضات السورية- الإسرائيلية على وجود قيادة حماس في دمشق..؟ وهل صحيح أن هناك بوادر تشيع في غزة..؟ وما حقيقة ظهور تنظيم القاعدة هناك؟

هذه التساؤلات بل والشبهات طرحتها بوضوح على الأستاذ أسامة حمدان عضو القيادة السياسية لحركة حماس وممثل الحركة في لبنان في هذا الحوار الشامل..

  • سألته عن رؤيته المستقبل اتفاق التهدئة الذي دخل حيز التنفيذ لتوه ساعة إجراء الحوار - وتقييمه لهذا الإنجاز بالنسبة للشعب الفلسطيني؟

فقال: اليوم دخل اتفاق التهدئة حيز التنفيذ، ومن الواضح أن هناك بداية تجاوب إسرائيلي معقول وأود في هذا الصدد أن أشير إلى النقاط التالية:

أولا: أنه منذ الانتفاضة الفلسطينية الأولى وحتى يومنا هذا يعد هذا الاتفاق أول تهدئة متزامنة ومتبادلة فيما كانت كل الاتفاقات السابقة عبارة عن مبادرة من الجانب الفلسطيني أو ضغط عليه ليبدأ التهدئة فيما يتواصل العدوان الإسرائيلي إلى فترة معينة.

ثانيًا: هذا الاتفاق حقق مكسبًا مهمًا للشعب الفلسطيني بإنهاء الحصار الذي فرضه الكيان الصهيوني، وبدعم دولي على الشعب الفلسطيني. وقد ثبت بعد عامين ونصف العام أن الحصار انتهى، ليس من خلال عملية التفاوض التي كانت تتم وإنما من خلال صمود المقاومة وبدعم عربي خاصة من الأشقاء في مصر، وهذا ينبغي أن يحسب لهم.

ثالثًا: أن هذا الاتفاق يأتي في سياق توافق وطني فلسطيني: مما يعني أن التوافق الوطني الفلسطيني هو الذي يمثل حماية حقيقية لأي موقف سياسي، وهو الذي يضمن تحقيق الإنجازات. وهذا الاتفاق جاء في سياق رعاية عربية مما يعني أن الدور العربي كان ولا يزال مؤثرًا.

إن هذا الاتفاق يفتح الباب لإعادة النظر في الواقع السياسي الفلسطيني، ويمثل حافزًا لإطلاق الحوار سريعًا من أجل إعادة صياغة البيت الفلسطيني وترتيبه.

قصة اتفاق التهدئة

  • لكن ما ملابسات قصة التوصل إلى هذا الاتفاق، خاصة أن المفاوضات بشأنه امتدت لفترة طويلة.. ومن الذي طلب التهدئة تحديدًا.. مصر، أم حماس، أم الصهاينة؟

قصة التهدئة: أن إسرائيل راهنت أن الحصار ثم العدوان من شأنه أن يكسر إرادة الشعب الفلسطيني.. لكن الذي حدث أنه- على مدى عامين ونصف العام- من الحصار والاعتداءات المتواصلة لم ينكسر صمود الشعب الفلسطيني، ولم ينقلب الشعب الفلسطيني على خياراته، ولم ينقلب على حركة حماس التي انتخبها لتكون معبرة عنه وهنا تحولت إسرائيل لاستخدام القوة العنيفة أملًا في إزالة حركة حماس من غزة!! وهنا فوجئ العدو الصهيوني خلال عمليته ضد غزة في شهر مارس الماضي أن الوقائع تختلف على الأرض فقد صمد الشعب الفلسطيني ببطولة وبسالة في الدفاع عن أرضه وقدم نموذجًا رائعًا في المعركة مما دفع الاحتلال للتراجع، وبعد ذلك طلبت أمريكا والكيان الصهيوني التوسط للوصول  للتهدئة، وكان موقفنا آنذاك واضحًا.. وهو: إذا كان الطرف الأمريكي والصهيوني هو الذي يطلب التهدئة فليقدم مبادرة لهذه التهدئة، وجاءنا الرد عبر الأشقاء في مصر أن الإسرائيليين مستعدون لذلك، فكان ردنا أن الاستعداد الفلسطيني الكامل للتهدئة يجب ألا تستشار فيه حركة حماس وحدها وإنما سائر الفصائل الفلسطينية في الواقع الفلسطيني.. وبالفعل تمت دعوة بقية الفصائل الفلسطينية لحوار في القاهرة وقد وضعت كل الفصائل ما يمكن أن نسميه إطارًا وطنيًا للتهدئة، وقلنا: إذا تحقق مستقبل بالتهدئة، وإذا لم يتحقق فلن نقبلها.

ويتمثل هذا الإطار في: تحقيق التهدئة مقابل رفع الحصار وفتح المعابر بما فيها معبر رفح في غزة وتسهيل حياة الفلسطينيين وقلنا: إن عملية التهدئة يجب أن تكون وفق جدول محدد لكن الجانب الصهيوني اعتبر أن هذا الطرح كبير، ويتجاوز ما كان يتخيل فعرقل الأمور لمدة شهر كامل، وخلال هذا الشهر بحث العدو كل الطرق لإطلاق عملية عسكرية ناجحة في غزة، وكانت كل نتائج البحث تقول بأن أي عملية عسكرية واسعة ستتسبب في كارثة.. نعم، على الجانب الفلسطيني، ولكن أيضًا على الجانب الإسرائيلي، ومن هنا عاد الحديث مرة أخرى عن التهدئة، وذهب وفد من حماس مرة أخرى إلى القاهرة للحوار حول الرؤية الإسرائيلية وخلص الحوار إلى أن:

  1. تتزامن التهدئة: أي تحدث في نفس اللحظة من قبل الطرفين
  2. أن هذه التهدئة تعني رفع الحصار، بمعنى فتح المعابر بما فيها معبر رفح.

وقد طرح العدو جدولًا زمنيًا لرفع الحصار، يتدرج في مستوى فتح وإغلاق المعابر أي يكون فتح المعابر أولاً بنسبة أربعين أو خمسين في المائة، ثم بعد فترة محددة تفتح المعابر بنسبة مائة في المائة. وللعلم فهذه أول مرة يقدم العدو الصهيوني فيها جدولًا زمنيًا بشيء. وهناك نقطة مهمة حدث عليها إجماع فلسطيني، وهي أننا لسنا ملزمين بأمن الاحتلال.

  • وماذا يعني ذلك؟

يعني أن أحدًا منا لن يقوم بدور الشرطي ويقول: ممنوع إطلاق النار على الاحتلال وإنما الذي يحمي التهدئة هو التوافق الوطني عليها، وقد نجحنا في إقرار ذلك، وبعد أن جاءتنا صيغة واضحة من الاحتلال، وسارت الأمور حتى تم التوصل للاتفاق النهائي وأطلقت التهدئة.. والأيام القادمة ستثبت ما إذا كان الاحتلال جادًا فيها أم لا. 

  • هل يمكن أن يباغت العدو الصهيوني الجميع بعد تنفيذ التهدئة بأيام بعدوان واسع على غزة ويتعلل بأنه نفذ التهدئة لكن هناك من خرقها مرددًا مزاعمه المتكررة أن إسرائيل تدافع عن نفسها وأمنها؟

صفة الغدر صفة قائمة في العدو الصهيوني، وأبسط مثال على ذلك أنه باعتراف صائب عريقات- مثلاً- وهو أحد أفراد الفريق الذي وقع اتفاق أوسلو، يقول: إن ٨٠% من اتفاق أوسلو لم ينفذ. وبالنسبة لنا فمن الممكن أن يفشل العدو التهدئة لكنه يدرك أننا نملك قوة رادعة يمكن أن تواجهه بطريقة لم يعهدها من قبل، ونحن مستعدون لحماية الشعب الفلسطيني إذا ما خرقت إسرائيل التهدئة.

معبر رفح والعلاقات مع مصر

  • ماذا لو أفشل الإسرائيليون التهدئة- وهذا متوقع وليس بمستبعد- هل رتبتم شيئًا ما مع مصر لاستمرار فتح معبر رفح، كرئة وحيدة مأمونة لـ«غزة» على العالم العربي؟

لقد سبق أن طلبنا وسنطلب مرة أخرى من الأشقاء في مصر أن يفتحوا معبر رفح خاصة أنه لا يوجد ما يلزمهم بإغلاقه لا على المستوى السياسي ولا على المستوى القانوي الدولي في اتفاقية عام ٢٠٠٥م.

  • ماذا عن الكلام الذي تردد حول الموقف المصري الداعي لإعادة المعبر وفق الاتفاقية الموقعة بين الاحتلال والسلطة، والتي تنظم إدارة هذا المعبر..؟ هل بالفعل ستتم إعادة فتح معبر رفح وفق هذا النظام، مما يعيد هيمنة العدو عليه مثلما كان في السابق؟

هذا إلى حد ما كان قائمًا وأقول بكل صراحة: إن مصر لم توقع على اتفاقية هذا المعبر، وهي من الناحية القانونية والسياسية لیست ملزمة بها وبالتالي فقد تحدثنا مع الأشقاء في مصر، وطلبنا منهم إعادة النظر في هذا الموقف...

ومن ناحية أخرى فإن الموجودين على جانبي هذا المعبر هما: الجانب الفلسطيني، والجانب المصري، ومن المنطقي أن يكون المسؤول عن إدارته مصر، والفلسطينيين كنوع من السيادة ونحن نأمل أن يكون هناك تجاوب من الأشقاء في مصر بشكل مباشر بيننا وبينهم، وإذا كان الأشقاء في مصر يرون أن إدارة الأوروبيين من شأنها أن تحمل العالم على القبول باعتبار إدارة المعبر مسؤولية فلسطينية مصرية، فنحن لا نمانع.

  • بعد اجتياح الشعب الفلسطيني لـ«معبر رفح» تحت وقع الحصار القاتل تعرضت حركة حماس لحملة إعلامية مصرية من صحف وكتاب بعينهم تتهم حماس بتهديد الأمن القومي المصري وتحرض الحكومة ضدها بصورة غير مسبوقة.. هل تمت معالجة هذه النقطة من خلال اتصالاتكم المستمرة مع مصر؟

أولا: الواقع العملي أسقط كل التخوفات فقد عبر الحدود حوالي ٧٥٠ ألف فلسطيني ثم عادوا بعد أيام بعد قضاء احتياجاتهم الغذائية والمعيشية ولم تقع من أي منهم حادثة تخل بالأمن المصري ولو أراد هؤلاء أن يكونوا من الهاربين لقاوموا محاولة إعادتهم إلى غزة لكنهم لم يكونوا في حاجة لمن يطلب إليهم العودة، ولم تجد مصر نفسها في حاجة لكي تطلب إليهم العودة.. أيام معدودة اشتروا خلالها احتياجاتهم ثم عادوا.

ثانيًا: أن هذا العدد الكبير من الناس لم يسجل ضد أي منهم أي جرائم أو أي اعتداءات لا قتل، ولا سرقة، ولا أي شيء بل تعاملوا كأهل فلا المصري شعر أن الفلسطيني جاء ليهدده في أرضه، ولا الفلسطيني شعر أنه جاء يأخذ شيئًا غصبًا أو بالإكراه وإنما شعر كلاهما أنهما أهل وحال بينهما الاحتلال واليوم تيسرت فرصة ليلتقي هذا بذاك، وقد كان تجاوب الشعب المصري مع ما حصل أكبر من أن يوصف فكل ما سبق من مخاوف سقط على أرض الواقع.

  • ما سبب هذه الحملة التي انطلقت ضد حماس في رأيك؟

أعتقد أن ما حدث في تلك الفترة شكل مزاجًا مصريًا عامًا، فالشارع المصري يقول: إننا في مصر نستطيع أن نغيث غزة وأن نكون بوابة لإغاثة غزة، خاصة بعد وصول حملات إغاثة عربية من دول شتى.. من الكويت وغيرها ووفود حملت الإغاثة لقطاع غزة.

إذن المزاج العام الذي تشكل في الشارع المصري بقدرة مصر على كسر الحصار وقدرتها على أن تكون بوابة إغاثة لغزة حاول البعض أن يضربه بهذه الحملة، فكان سياسة هذا البعض اتهام حماس بتهديد الأمن القومي المصري، وأنها تهدد المصريين في استقرارهم وأقواتهم، لعله يصنع بذلك أزمة بين حركة حماس والشعب المصري ويصنع أزمة بين الشعب المصري والقضية الفلسطينية، أزمة تسهل القيام بإجراءات ضد الشعب الفلسطيني ومصالحه وأعتقد أن هذه الحملة لم يكتب لها النجاح لأصالة الشعب المصري بالدرجة الأولى، وثانيًا: لأن أصواتًا مصرية خرجت وقالت بقوة خلاف ما قيل من البعض خلال تلك الحملة، وأكدت على أصالة الموقف المصري، وثالثًا: لأننا تحركنا إزاء تلك الحملة وكشفنا حقائق ما جرى، وأدرك الجميع أن هدف تلك الحملة هو صناعة أزمة مصرية فلسطينية لكن ذلك لم يتحقق بفضل الله سبحانه وتعالى.

  • إلى أين وصلت المفاوضات بشأن الجندي الصهيوني الأسير.. هل حدث تقدم؟

لا.. فالذي يعطل الصفقة هو الاحتلال...

فقد وضعنا شروطًا محددة للإفراج عنه وهي: الإفراج عن النساء والأطفال المعتقلين والإفراج عن ألف معتقل فلسطيني ممن تنطبق عليهم شروط أساسية: أولها وأهمها: أن يكونوا من المحكومين بفترات طويلة مثل: المؤبد أو المؤبدات، وهؤلاء من الطبيعي أن لهم أولوية من الذين ستنتهي أحكامهم بعد أسبوع أو أسبوعين.

  • هل تتوقع أن تطول المفاوضات بشأن هذا الجندي الأسير كنوع من المماطلة من الجانب الإسرائيلي؟

أعتقد أن العدو تعامل مع الواقع الفلسطيني خلال عملية التسوية بنفسية أنه يضغط ويطلب طلبًا، ثم يخفف قليلًا فيظن الناس وكأن الأمور قد انفرجت والآن المعادلة اختلفت، وأدرك العدو أن هذا الضغط لن يؤدي إلى التجاوب مع المطالب الإسرائيلية، وتجربة مفاوضات التهدئة تمثل رسالة مهمة تؤكد أن العدو يمكن إرغامه على القبول بالمطالب العادلة.

الحوار بين فتح وحماس

  • هذه الدعوة المفاجئة من أبو مازن للحوار مع حماس والقوى الفلسطينية.. ما دوافعها في رأيك.. خاصة أنه كان رافضًا للحوار على طول الخط ويضع شروطا تعجيزية للقبول بها؟

يجب ألا نخطئ في قراءة هذه الدعوة فالخطاب الذي ألقاه أبو مازن ودعا فيه إلى الحوار لم يحمل تغييرًا جديًا في موقفه فقد كرر نفس الشروط التي ظل يطلقها طوال الفترة الماضية، وإن اختلفت الصيغة هذه المرة.. فبدلًا من أن يقول هناك شروط- كما كان يحدث في المرات السابقة- قال: لا بد أن نفعل كذا وكذا.. وبدلاً من أن يقول: أنا أشترط العودة عما يسميه بالانقلاب «نسميه نحن الحسم» قال: لا بد من إعادة المؤسسات الأمنية والالتزام بقرارات السلطة، ولا بد من الاعتراف بإسرائيل.

  • إذن لماذا جاءت هذه الدعوة..؟

هذا سؤال مهم فهذه الدعوة جاءت لثلاثة أسباب:

الأول: وصول عملية التسوية مع العدو الصهيوني إلى مأزق، وإدراك أبو مازن أن لا حل، وأنا أذكر هنا أن الرئيس الأمريكي عندما زار المنطقة في مايو الماضي، وألقي خطابه أمام الكنيست الصهيوني قال كلامًا خطيًرا فقد أكد على يهودية الدولة، وأكد مسؤولية أمريكا عن ضمان أمن وتفوق إسرائيل. وأكد على القدس الموحدة وفقًا للرؤية الإسرائيلية واستعمل مصطلحات ربما لو قام بن جوريون من مكانه لما استخدمها… إذن عملية السلام في مأزق بل هي مصطدمة بجدار!!

ثانيًا: أن المزاج الفلسطيني العام يقر أن من يمنع الحوار الفلسطيني، ويعرقله أبو مازن نفسه، وأن حركة حماس لم تمانع في إجرائه، وقد أدرك أبو مازن أنه بالإضافة للخسارة على المستوى السياسي، وعلى مستوى التفاوض هناك خسارة على المستوى الداخلي.

 ثالثًا: أن أبو مازن بدأ يدرك أن المحيط العربي غير مستعد لاحتمال هذا الانقسام... ربما تتدخل أمريكا لتعميق هذا الانقسام لكن هناك أطرافًا عربية تحركت لإيجاد صيغة حل في لبنان تحت غطاء الجامعة العربية وهناك فرصة لتحريك الوضع الفلسطيني وهنا وجد أبو مازن نفسه في موقف محرج فبادر بإطلاق دعوته للحوار، ونحن في الحركة ندرك كل هذا ونتعامل مع الموضوع بطريقة جادة وأعلنا ونعلن أن باب الحوار مفتوح وقلنا ما دام أبو مازن أعلن استعداده للحوار فليتفضل وليجلس إلى طاولة الحوار كما أكدنا رغبتنا في رعاية عربية للحوار.. وبعد حوار صنعاء كانت لنا تجربة أخيرة للحوار مع فتح في العاصمة السنغالية داكار وأدركنا منها أن أبو مازن، ما زال في حاجة إلى تطوير موقفه بشأن الحوار حتى تكون المسألة جادة وفعلية.

دعوة «أبو مازن» المفاجئة للحوار جاءت بعد وصول عملية التسوية مع الاحتلال الصهيوني إلى مأزق وإدراكه أن الشعب الفلسطيني والمحيط العربي يتهمه بتعويق هذا الحوار!

لقد أدرك الجميع وصول عملية التسوية إلى مأزق، وأن الغطاء الأمريكي فشل في إعادة أي من الحقوق وأدرك أبو مازن أن الخيار الذي يخدم القضية هو استعادة الوحدة الوطنية في إطار برنامج الحقوق الفلسطينية الثابتة وأيضًا في إطار المقاومة.

  • هل تتوقع أن جولة رايس الأخيرة تمت لمنع الحوار رغم أن ما أعلن أن هدفها تحريك عملية السلام؟

أمريكا مارست الضغوط فور إعلان أبو مازن دعوته للحوار فقد اتصلت كونداليزا رايس به فور دعوته وسألته عن هذا الموضوع، وكان انزعاج الإدارة الأمريكية واضحًا لدرجة أن الناطق باسم وزارة الخارجية الفلسطينية- وليس الناطق باسم رئيس السلطة- أعلن أن «أبو مازن» أبلغ رايس أن شروطه للحوار ما زالت كما هي...

وبعد مجيء رايس مؤخرًا للمنطقة لم يحدث أنها حركت عملية السلام، كما أعلنوا بل إنها أعلنت أن بناء المستوطنات يضعف الثقة ولا يدمر عملية السلام، ومعنى هذا أنها تعطي ضوءًا أخضر للطرف الصهيوني، لكي يواصل بناء المستوطنات وتقول لـ«أبو مازن»: استمر في التفاوض وفي نفس الوقت واصلت ضغوطها لمنع الحوار مع حماس والقوى الفلسطينية.

  • إلى أي مدى يمكن أن تستمر أمريكا في النجاح في منع الحوار، وهل يمكن أن نتصور أن هذا الحوار لن يتم طالما لم ترض أمريكا؟

أعتقد أن الضغوط الأمريكية لها حدود وفي النهاية هناك وقائع على الأرض تفرض سلوكًا آخر.. بمعنى: إذا كانت هناك ضغوط أمريكية لمنع الحوار فإن لقاء بين فتح وحماس تم مؤخرًا في داكار وكلا الطرفين يدركان ألا مخرج من الوضع الحالي سوى الحوار.

إن الطرف الأمريكي كان يمتلك ورقة قوة أساسية وهي إعطاء أبو مازن أملاً بأنه يمكن أن يحقق شيئًا ما من خلال مفاوضاته مع أولمرت وأدرك أبو مازن أن هذه الإدارة الأمريكية سترحل دون أن تقدم له شيئًا.

التيار الرافض للحوار داخل فتح

  • ماذا عن التيار الرافض للحوار داخل فتح، وهو ليس قليلًا، وقد ساهم إلى حد كبير في تعقيد الأمور أمام بدء الحوار؟

نعم هناك فريق عرقل الحوار، وهذا الفريق معروف بأنه يحظى برعاية ودعم أمريكي إسرائيلي، وهو يرعى الأجندة الإسرائيلية، وأعتقد أن هذا الفريق بدأ ينكشف أمام الرأي العام العربي والإسلامي وعلى سبيل المثال: هناك مائة شخص من بين أربعمائة من هذا الفريق يعيشون في مصر، قررت مصر إبعادهم عن أراضيها لتورطهم في قضايا أمنية أو جنائية أو إساءات، ولك أن تقدر ما الذي رآه المصريون من هذه المجموعة حتى يصل الأمر إلى طرد مائة منهم من أراضيها.. إن هذا الفريق كما قلت انكشف وبات واضحًا أن لا رهان حقيقيًا عليه، واليوم هناك فرصة أمام فتح لتصحيح المسار، خاصة أن بها تيارًا ما زال يحمل القيم التي انطلقت فتح على أساسها، وما زال هذا التيار يتمسك بالثوابت الفلسطينية.

  • هل يمكن أن نقول إن هذا التيار ضعف أو انتهى؟

التيار المعرقل للحوار داخل فتح يخدم أجندة إسرائيلية أمريكية ومصر طردت مائة منه بعد تورطهم في مخالفات أمنية أو جنائية!!

هذا التيار ما زال يستمد قوته من الخارج، وأعتقد أنه فقد الشرعية الوطنية الفلسطينية وفقد قدرته على أن يكون مدعومًا من الداخل الفلسطيني، واليوم كل قوته وكل حضوره مبني على الدعم الخارجي.

  • هناك أطراف عربية تدخلت لإجراء الحوار بين فتح وحماس وتم بالفعل تفعيل المبادرة اليمنية.. هل هذا الدور ما زال موجودًا؟ وهل يقوى أم يضعف؟ وبم يمكن أن يوصف؟

المبادرة اليمنية مقدرة ومشكورة وحظيت بدعم مصري وسعودي، ولا شك أن تقديم المبادرات، ثم الوصول إلى نتائج حولها، وبعد ذلك الفشل في تطبيقها يضعف استعداد أي طرف أو أي دولة، لإطلاق مبادرات جدية، ودعني أقول بصراحة: لقد تحاورنا خلال الأيام الماضية مع بعض الأطراف العربية ودار الحديث عن الحوار الفلسطيني الفلسطيني إلا أن هذا الطرف أفادنا بوضوح بأنه لا يعتقد أن الظروف لدى أبو مازن، قد نضجت لبدء هذا الحوار، وبالتالي لا يعتقد أن هذا الحوار سيكلل بالنجاح. 

على أي حال فنحن مستعدون لهذا الحوار وعرقلته ستحسب بلا شك على المعرقلين.

  • هل هناك أطراف عربية تعرقل بدء هذا الحوار بطريق مباشر أو غير مباشر؟

يصعب القول: إن هناك أطرافًا عربية تعرقل لأن هناك طرفًا فلسطينيًا يعرقل أصلًا، فلو كان هناك طرف عربي لا يرغب في الحوار، فإن دوره سيختفي أمام جدية كل القوى الفلسطينية في الحوار.

الرابط المختصر :