; الصراع في سوريا.. إلى أين؟ | مجلة المجتمع

العنوان الصراع في سوريا.. إلى أين؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1980

مشاهدات 74

نشر في العدد 492

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 05-أغسطس-1980

  • لماذا شعرت بعض الأنظمة العربية والأجنبية بالضيق؟
  • سلوك العسكرتاريا وصور من أفعالها المأساوية.
  • صور من ردات الفعل الشعبية على ممارسات العسكر.
  • المخرج من المأساة السورية عمل عربي يعيد لسوريا وجهها الأصيل.
  • سوريا والعالم الخارجي

البوليس في كبريات المدن الأوروبية مشغول هذه الأيام بالبحث عن عصابات مرتزقة يقال: إنها دفعت من بلدان شرق أوسطية لقتل رجالات المعارضة. ولعل مقتل صلاح البيطار كسياسي سوري سابق على أنه من رجال المعارضة للنظام الحالي يسلط الضوء على الفعلية التي يتهيأ بعض عملاء الاستخبارات السورية للقيام بها في مواجهة المعارضة خارج سورية، والذي أغاظ بعض زعماء أوروبا وعلى الأخص الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان وارتباط مهمة عملاء الاستخبارات المشار إليها بتوجيهات معلنة لبعض المسؤولين السوريين ولا سيما رفعت أسد الذي كان يكرر إنذاراته في قتل رجال المعارضة داخل سوريا وتعقبهم في الخارج، ودخول تهديدات رفعت أسد في موقع التنفيذ يتعلق كثيرًا من الجهات الحكومية في العالم العربي والعالم الأوروبي لسبب واحد بسيط هو أن بعض رجال الإدارة السورية- وعلى الأخص العسكرتاريا- تسئ للآخرين من ناحيتين:

  • - الأولى:

جعل أراضي الآخرين مسرحًا لتصفية الحسابات السياسية مع الخصوم، وهذا يخالف القانون الدولي من ناحية، ويتجاوز الشرف الحكومي لإدارات الدول التي تنتهك حرمة قوانينها بالأساليب اللاشرعية.

  • - الثانية:

إرهاق المؤسسات الأمنية لتلك الدول وتحميلها عبئًا جديدًا وتعريض رجال الأمن فيها لخطر رصاصات المرتزقة الموجهون من قبل رجال رفعت وغيره.

وما ينطبق في هذا المجال على دول أوروبا ينطبق بحذافيره على الدول العربية، حيث قصدتها تصريحات بعض كبار المسؤولين في سوريا وعلى الأخص الأردن والسعودية ودول الخليج العربي، وقد أشار أحد الديبلوماسيين العرب العاملين في الأردن إلى القلق الأردني الناتج عن تصرفات بعض المرتزقة السوريين المدفوعين على ما ذكر الديبلوماسي من قبل رجال رفعت أسد وضرب مثالًا على ذلك في الحادث المخل بالأمن الأردني، والذي رمى فيه رجال المخابرات السورية أحد الرجال المنتمين إلى بعض أطراف المعارضة السورية بالرصاص وهو السيد عبد الوهاب البكري الذي قتل على الفور وجرح رفيقه، وقد أشارت مصادر الأمن الأردنية إلى أن الجناة قد اعتقلوا في وقت لاحق للحادث كما أشارت القبس الكويتية صباح يوم 31/7/1980م.

ويبدو أن عواصم العالم العربي والغربي بخاصة تحمل الإدارة السورية مسؤولية ما يحدث أو قد يحدث في المستقبل في أراضيها، وإذا كان بعض المسؤولين العرب الكبار قد همسوا بمثل هذا فإن المسؤولين الغربيين أعلنوا ذلك صراحة على مسمع العالم أجمع.

ولكن، هل حسب رفعت أسد، وغيره من رجال العسكرتاريا السورية حساب ردات الفعل التي لا بد وأن يقوم بها رجال المعارضة الذي تريد مرتزقة العسكر النيل منهم في الخارج؟

لقد أجاب محلل سياسي في الفيفارو الفرنسية جوابًا مفاده أن النظم العسكرية تصاب بالعمى لدى اتخاذ مثل هذه القرارات غير المحسوبة!!

من داخل سوريا

في أوقات الإجازة.. يحسن بالناس أن يقبعوا في بيوتهم... ويحسن بهم أيضًا أن يغلقوا النوافذ أوقات القيلولة... وأوقات النوم الليلية لئلا تدخل رصاصة طائشة تفلت من بارودة أحد رجال الاستخبارات أو سرايا الدفاع أو القوات الخاصة.. هذا يحصل في المدن السورية جمعاء. أما شعور الناس فلا يختلف عن مشاعر من عاش أيام الحرب العالمية الثانية.. أزيز طائرات مستمر.. طلقات استعراض القوة أو عمليات صدامية مع رجال المعارضة... حواجز توقف السيارات وتفتشها.. حتى سيارات الديبلوماسيين العرب والأجانب يجب أن تقف وينزل راكبوها للتفتيش. وكثيرًا ما يسمع هؤلاء كلمات بذيئة من رجال السرايا والاستخبارات والقوات الخاصة، وإذا كان حال المقيمين من رعايا الدول العربية والأجنبية وديبلوماسيها على هذه الشاكلة، فلا يدنو إلى الشك أبدًا أن أوضاع سوريا بجميع جزئياتها وتفاصيلها باتت اليوم معروفة لدى أنظمة العالم العربي بشكل خاص.. وحكومات العالم الآخر بشكل عام.. وهذه القضية بالذات جعلت الديبلوماسي السوري في عواصم العالم يعيش حياته الديبلوماسية على استحياء مما يجري داخل بلده من إيذاء لمواطنيه ومواطني الدول الشقيقة والصديقة على أيدي الثالوث الأمني العسكري «رفعت- حيدر- دوبا -».

سلوك العسكرتاريا:

الأحياء في المدن السورية تغص بالعسكر.. وهؤلاء أنواع ثلاثة فقط «سرايا الدفاع- القوات الخاصة – المخابرات» وبنية هؤلاء وعمودهم الفقري جنود ومواطنون من أبناء الطائفة «النصيرية» كما يقول السيد حمود الشوفي مندوب سوريا الدائم في الأمم المتحدة والذي استقال في العام الماضي احتجاجًا على ممارسات السلطة، ولكي يأمن هؤلاء تحرك أبناء الطائفة السنية والتي تشكل في سوريا نسبة 72% بينما تمثل النصيرية 7% فقط من الشعب عمد رجال العسكرتاريا الحاكمة إلى تسريح واعتقال وإعدام بعض العسكريين الذين قتل بعضهم بسبب الشبهة فقط. 

  • - ففي الشهر الخامس من هذا العام سرح أكثر من «900» ضابط وضابط صف وجندي من صفوف القوات المسلحة، وقد أحيل بعض هؤلاء إلى وظائف مدنية، وكان عدد الطيارين المسرحين حوالي «40» طيارًا وهم من أبناء حلب وحماة. 
  • - وفي اليوم الرابع من شهر مايو تم اعتقال «25» ضابطًا طيارًا من مطار التيفور وسيقوا إلى سجن المخابرات في كفر سوسة قرب دمشق.
  • - وفي يوم 5/6/1980م نفذت السلطات حكم الإعدام رميًا بالرصاص بطائفة أخرى من رجال القوات المسلحة في حقل الرمي في عرطوز هم الضباط «كليم سومطري- عبد العزيز الحدق- عثمان- سعدو».
  • - أما يوم 28/6/1980م تم اعتقال عشرة من ضباط البحرية بينهم من هو في رتبة عقيد مثل العقيد الركن قتيبة الصفدي قائد مجموعة الزوارق الرباعية في القوات البحرية.

وقد علق مراقبون غربيون على الموقف داخل القوات المسلحة فوصف الجيش بأنه اقطاعية تتحكم فيه زمرة قليلة جدًّا.

سلوك غريب:

بعد هذه التصفيات يقال: إن العسكر الأمني وأعوان النظام من مرتزقة المخابرات وغيرهم سلكوا مسلكًا تحدوا به حتى المشاعر الذاتية للإنسان والمسلمين عامه فكتبوا على جدران بعض الأماكن في المدن العبارات التالية التي تدل على الإفلاس: 

يسقط الله 

الأسد ربنا 

لا إله إلا الوطن 

ولا رسول الا البعث 

ولا غرابة في هذا المسلك. فقد روت نشرة النذير التي تصدر في القطر السوري الشقيق قصصًا تشير إلى انحطاط المسلك الأخلاقي لدى رجال الإدارة الحاكمة.

صور مآسي:

وهي كثيرة جدًّا.. يتحدث فيها كل مواطن سوري أو غير ذلك من مواطني الدول العربية الشقيقة وديبلوماسيها.. ولقد ذكر أحد الديبلوماسيين العاملين في إحدى سفارات الدول العربية بدمشق حكايات قال: إنه لم يسمع مثلها حتى فيما رواه التاريخ عن هولاكو. ومن ذلك:

أولًا: مجازر دموية:

  • - وهي كثيرة منها على سبيل المثال المجزرة التي راح فيها ثلاثون مواطنًا يعملون في السكك الحديدية، حيث ذكر مصدر موثوق بأن القوات الخاصة التابعة لعلي حيدر ورجال المخابرات وضعوا الألغام في باص مستعد لنقل موظفي هذه المؤسسة. ولما سار الباص انفجر وقتل جميع من فيه، ولما سئل عن السبب قيل: بأن ذلك وسيلة من وسائل تأديب الشعب.
  • - وفي مدينة حلب نفسها. قتل بأسلوب التشفي الدكتوران: محمد نذير زرنجي، وأدهم سفاف وهما أستاذان في كلية الزراعة، وقد مثل بجسديهما بداعي خلق جو من الذعر.
  • - وفي حماة ما زالت قوات الأمن تمارس القتل الجماعي لدرجة أن أهل المدينة شرعوا بالهجرة منها إلى الأرياف والمدن المجاورة ومن أبرز مجازر حماة «مجزرة باب القبلي- ومجزرة جامع الأحدب- ومجزرة حي البرازية- ومجزرة حي البارودية» وفي كل منها استشهد عدد كبير من المدنيين العزل كبارًا وصغارًا.

ثانيًا: الاعتداء على الأطفال والشيوخ:

  • - في مدينة اللاذقية. وفي صباح يوم 28/6/1980م. ارتكبت قوات الأمن مجزرة غريبة لا إنسانية، فقد ألقي أحد المدفوعين من رجال المخابرات قنبلة على روضة أطفال صيفية، فقتل وجرح أكثر من خمسة أطفال، وعلى أثر الحادث أغلقت المدينة بأكملها، وفي صباح اليوم التالي شيع الناس في اللاذقية أحد الأطفال الشهداء وكانت الوحدات الخاصة وقوات الفرقة الثالثة تحيط بالمدينة لإخماد أية ردة فعل يقوم بها الشعب. إلا أن أفراد الشعب كانوا ينتقمون من رجال السلطة بعد كل حادث سلطوي على الفور وبإتقان وذكاء.
  • - أما قتل كبار السن فأصبح عادة لكثرته وإن ينس أهل مدينة حلب شيئًا فلن ينسوا مقتل المربي الفاضل الأستاذ عبد القادر الخطيب وعمره يزيد على الستين، كذلك لن ينسى أحد في سوريا الطريقة التي قتلت فيها المخابرات الشيخ محمود الشقفة في حماة وعمره يزيد على التسعين وهو من كبار علماء مدينة حماة بوسط سوريا. ومن هذا القبيل ما قامت به القوات الأمنية في مدينة اللاذقية صباح 20/6/1980م حيث قتلت رجلًا عجوزًا يتجاوز عمره الثمانين وهو السيد «محمد علي شريقي» والد أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين.

ثالثًا: الاعتداء على المساجد وقتل العلماء:

  • - في مدينة حماة حاصرت الوحدات الخاصة يوم 21/5/1980م منطقة جامع الأحدب فضربوا باب المسجد وقتلوا المؤذن «رئيف سنو» وأحرقوا بعض المنازل قرب المسجد وأحدثوا مقتلة مأسوية في صفوف الموطنين.
  • - وفي حلب وجهت سيارة مصفحة تابعة للوحدات الخاصة نيرانها إلى مئذنة جامع الصحابة خلال أداء صلاة الجمعة تمامًا مما أصاب المصلين بالذعر الشديد. وفي اليوم نفسه حوصر جامع بدر في حلب واعتقل كل من كان في الجامع، حيث كان بعض رواد المسجد يستمعون بعد صلاة العصر لدرس وعظي. 
  • - وفي يوم 4/6/1980م حاصرت الوحدات الخاصة جامع الأحدب في حماة ثانية وقتلت بعض من في المسجد وقامت بتمزيق المصاحف والسجاجيد واعتقال / 500 / شاب قرب المسجد.

رابعًا: نهب الأموال:

والاموال المنهوبة قسمان. قسم من بنوك الدولة التي يتسلمها النظام من دول الدعم العربي، والقسم الآخر يسرق ويؤخذ عنوة من أفراد الشعب. وفي هذه الفترة أثرى كثير من المسؤولين في الإدارات العسكرية والمدنية المختلفة، ومن أبرز الأمثلة على النهب من خزانة الدولة ما فعله محافظ مدينة حلب الأسبق المدعو حسين بطاح. والذي هرب إلى لندن وبحوزته مبلغ «68» مليون ليرة سورية. 

هذا من الخزانة. ولبطام هذا رفاق كثيرون فعلوا فعله، أما السرقة من المواطنين فتحصل عند حواجز التفتيش ولدى تفتيش البيوت. وقد سطا بعض رجال القوات الخاصة على بعض مجوهرات النساء أثناء عمليات التمشيط على حد ما تواترت روايته بلسان المسافر بن القادمين.

خامسًا: القصف الجوي:

تقصف طائرات الهيليوكبتر التي تدعم دبابات ومدفعية القوات الخاصة بعض المنازل على الشبهة كما حدث لمنزل الحاج مصطفى متلج في حي الصاخور بمدينة حلب، ومنازل عديدة قصفتها الطائرات في مدينتي معرة النعمان وجسر الشفور وسجن تدمر الصحراوي الذي زاد عدد ضحاياه على ألف شهيد. وقد قاد عملية سجن تدمر المأسوية رفعت أسد الذي كان يرمي الضحايا بالرشاش وهو في طائرة هيليوكبتر.

ردات الفعل الشعبية:

الشعب السوري الذي لقي كل ما لقي من صور ذكرناها في هذا التقرير أولم نذكرها.. ما زال يقابل سياسة العنف العسكرية هذه مؤكدًا رفضه لهذه الممارسات... بينما تقوم قوات النظام بالضرب العنيف ربما لشعورها بكراهية الشعب كما قال صلاح الدين البيطار رئيس وزراء سوريا الأسبق الذي يعلل ذلك بقوله: 

«ربما يجد النظام السوري مبررًا لإجراءاته في شعوره أن الشعب كله... في جميع أنحاء ومدن سورية هو متعاطف مع هذه الجماعة «أي جماعة الإخوان المسلمين» فيقوم بإجراءاته البربرية إزاء شعب هاتين المدينتين «حلب وحماة» ليؤدب شعب سورية بأجمعه». 

الأحياء العربي العدد 16- 9/5/1980م.

ويعلل البيطار في الأحياء العربي ردات فعل الشعب نتيجة الممارسات النظام نفسه. 

وبعد هذا التقرير الذي حاولنا أن نذكر فيه الحقائق في سورية لا بد من لفت النظر بأن على الأنظمة الحاكمة في العالم العربي واجبًا أساسيًّا يدعوها ويلزمها بالتدخل وبحث حقيقة ما يجري في سورية أسبابًا وواقعًا وأهدافًا.. وعلى هذه الأنظمة أن تقوم بعملية تقييم السنوات العشر الأخيرة التي عاشتها سوريا.. فالشعب السوري يدعو حكام العرب والمسلمين جميعًا من خلال بياناته ونداءات ممثليه في الهيئات الشعبية والمهنية للوقوف إلى جانبه وتحسس قضيته وإيجاد الحل السليم الذي يعيد لسورية وجهها العربي من الإسلامي الأصيل.

الرابط المختصر :