العنوان محللون: نصائح "إسرائيلية" وعربية تحذر من خطر البديل الإسلاميِّ.. لماذا تراجعت أمريكا عن المطالبة بإصلاحات فورية فى مصر ؟
الكاتب محمد جمال عرفه
تاريخ النشر السبت 02-يوليو-2005
مشاهدات 58
نشر في العدد 1658
نشر في الصفحة 18
السبت 02-يوليو-2005
زيارة نظيف وعمر سليمان لواشنطن والجدل الطويل داخل الإدارة الأمريكية أفضى إلى صرف النظر عن التغيير السريع.. خوفًا من صعود الإخوان للسلطة
اللعب المتبادل بورقة الإخوان.. النظام المصري يخوف واشنطن بالأخطار على مصالحها.. وأمريكا تبتز بها النظام المصري لتحقيق مزيد من الخضوع!
صحف أمريكية ومصادر صهيونية: بقاء مبارك ضروري للمصالح الأمريكية ولأمن الكيان الصهيوني. والبديل فوضى غير متوقعة
لخص د. مصطفى الفقي رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشعب المصري. في تصريحات أخيرة له. حقيقة العلاقة الملتبسة بين أمريكا وكل من الحكومة المصرية وجماعة الإخوان في الآونة الأخيرة، بقوله إن الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء أحمد نظيف ومن قبله اللواء عمر سليمان (مدير المخابرات)، قد نجحت في إيضاح الصورة الحقيقية للأوضاع في مصر بعيدا عن المبالغات والتشنج، وهو ما أدى إلى توقف الولايات المتحدة الأمريكية عن مغازلة الإخوان المسلمين والعودة إلى دعم النظام وفقًا للأجندة الأمريكية.
فوفقا لتقارير نشرها مركز (راند) التابع لوزارة الدفاع الأمريكية وصحيفة واشنطن بوست ومجلة «ذا نيشن» الأمريكيتين. نقلًا عن هيئة السياسة الدفاعية بوزارة الدفاع الأمريكية (في أغسطس ۲۰۰۲). اعتبرت إزاحة صدام حسين المرتكز التكتيكي والسعودية المرتكز الاستراتيجي، ومصر الجائزة في طريق يبدأ مشواره بحرب العراق.
ووفقًا لهذه التقارير تعتبر مصر -من وجهة نظرهم- دولة محورية بمثابة نقطة وثوب للتحكم في المنطقة، وضمنها كانت خطوات الضغط المتكررة على مصر كي يضمنوا سير القاهرة في ركابهم وضرب دورها القيادي في المنطقة العربية ضمن هدف إعادة رسم الخريطة الإقليمية وتغيير هويتها والنظام الإقليمي للمنطقة العربية بإقامة نظام بديل تكون «إسرائيل» هي مركزه ويجري بالمقابل فيه تقليص حجم ودور الدول المحورية وخاصة مصر والسعودية، وتفعيل دور دول أخرى غير محورية.
الدولة النموذج
ولأن الأجندة الأمريكية ترى أن مصر تعد الدولة النموذج في المنطقة ومحور نقطة الوثوب للتحكم في المنطقة ومن ثم من غير المنطقي تسليم قيادها للتيار الإسلامي المعادي لها، فقد كان من الطبيعي أن تنتصر وجهة نظر المطالبين بالحذر في التعامل مع الإسلاميين في إدارة بوش، ويحدث تراجع واضح عن التغيير وتوسيع الديمقراطية في مصر وفق الأجندة الأمريكية.
وهذا التحول في الموقف الأمريكي من نصرة التغيير في مصر التي يعتبرون الفوز بها جائزة كما قالوا، والعودة لمساندة النظام القديم ضد التغيير وضد سياسة التحول الديمقراطي الأمريكية والقبول بالتدرج الإصلاحي الذي لا يسمح بفوز الإسلاميين هذا التحول جاء في الوقت الذي كشفت فيه دراسات مهمة- وضعها لوبي المحافظون الجدد في إدارة بوش- عن أن هناك رغبة في الوجود بقوة في مصر.
ويبدو أنه عندما سعت واشنطن للضغط على الحكم في مصر بالتلويح لمساندة المعارضة ومظاهراتها وسحب تأييدها من النظام تأجيل زيارة رايس لمصر وعدم سفر مبارك لواشنطن كما اعتاد في صيف كل عام تقريبًا كانت تتصور أن الغلبة ستكون للمعارضة المصرية العلمانية على غرار أوكرانيا وأخواتها، ولكنها سرعان ما تراجعت حينما شعرت أن التحرك الأكبر هو للإسلاميين في الشارع المصري. وأنهم سيكونون هم الفائزين في حال إجراء أي انتخابات حرة أو السماح لهم بحزب سياسي رسمي.
ولهذا جاءت زيارة كل من مدير المخابرات المصرية ورئيس وزراء مصر لأمريكا لتضرب على هذا الوتر الحساس وتنبه الأمريكان إلى أخطار ظهور الأمريكان رسميًا بمظهر الوقوف خلف المعارضة الإسلامية، مما أعطاها ضوءًا أخضر لتصعيد مظاهراتها في غالبية المحافظات المصرية (نصف عدد المحافظات تقريبًا شهدت مظاهرات للإخوان، وسرعان ما جاءت النتائج إيجابية باستعادة الطابع الروتيني السابق للعلاقة بين القاهرة وواشنطن.
لماذا تراجعوا؟!
وفقًا لتقرير مهم نشرته وكالة رويتر يوم ٨ يونيو الماضي ٢٠٠٥ أكّد دبلوماسيون ومحللون أن الموقف الأمريكي من التحولات السياسية في مصر بدأ يميل لصالح أنصار التدرج في الإصلاحات والحذر في التعامل للإبقاء على الإسلاميين خارج السلطة حتى يوضعوا أو يعدلوا سياساتهم، وأن أنصار مدرسة التغيير السريع. بصرف النظر عن النتائج. التي صعدت بشدة مؤخرًا تراجعوا، والسبب هو الخشية من صعود الإسلاميين للسلطة.
فوزيرة الخارجية كونداليزا رايس. إحدى أنصار هذا التغيير السريع. شددت في مارس الماضي ٢٠٠٥ على سرعة التغيير، حتى لو أدى هذا التغيير السياسي لاضطرابات. وقالت (ردًا على سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة قلقة من أن التحول للديمقراطية قد يقود إلى فوز الإسلاميين الأصوليين، في الانتخابات): إن المنطقة غير مستقرة على أي حال وإن واشنطن يجب أن تدافع عن الحرية دون أن تقدم نموذجًا أو تعرف النتيجة التي سيسفر عنها ذلك.
وطرح أنصار هذا التغيير السريع فكرة الفوضى الخلافة كنموذج للتغيير أو الفوضى بمعنى أنه، حتى لو حدثت فوضى كما جرى في دول مثل (أوكرانيا وقيرغيزيا) فالهدف النهائي سيكون هدفًا خلاقًا مهمًا هو الديمقراطية.
ولكنهم سرعان ما اكتشفوا. وفق نصائح قدمت لهم من أجهزة بحثية وأصدقائهم الصهاينة. أن هناك مخاوف من صعود الإسلاميين للسلطة لأنهم القوة الأكبر على الساحة. كما بدا من مظاهرات أوزبكستان ومصر. ولهذا يقول د. محمد السيد سعيد نائب رئيس مركز دراسات الأهرام إن إدارة بوش سرعان ما بدأت في إعادة النظر في هذه السياسة بناءً على نصيحة شخصيات من الشرق الأوسط منهم إسرائيليون وأنصارهم في واشنطن.. وبدلًا من المطالبة بتغيير كبير اقتنعوا بالرضا بإصلاح محدود. وقال محمد السيد سعيد: إن التحول في الموقف الأمريكي حدث قبل أن يرسل مبارك رئيس وزرائه أحمد نظيف الواشنطن الشهر الماضي لتبرير بطء إيقاع الإصلاحات.
وقد شرح طارق حجي. وهو رجل أعمال ليبرالي وكاتب مطلع يقال إن لديه صلات غير رسمية مع إدارة بوش. تفاصيل الجدل الذي يدور داخل إدارة بوش حول هذا الأمر، مشيرًا إلى وجود جهتين تستمع منهما إدارة بوش وصناع القرار الولايات المتحدة الذين مازالوا منقسمين بين نفاد الصبر وبين الحذر:
الجماعة الأولى: التي تسمع منها واشنطن هي جماعة د. سعد الدين إبراهيم رئيس مركز ابن خلدون الذي يقول للأمريكان إن جماعة الإخوان المسلمين يجب أن تقوم بدور في النظام السياسي المصري ويقول لهم: افتحوا الأبواب على الفور، حتى لو وصل الإخوان المسلمون إلى السلطة.
والجماعة الثانية: هي جماعة (حجي) الذي يختلف مع هذا الرأي وينادي بالعكس. ويبدو أن واشنطن بانت أكثر قناعة برأي الثاني بعدما اقتنعت لفترة برأي إبراهيم فوفقًا لما قاله حجي لرويتر: قال لي أحدهم من مجلس الأمن القومي (التابع للبيت الأبيض) أمس.. كنا جميعًا من المعجبين بسعد الدين قبل ستة أشهر لكننا الآن نقتنع بموقفك أنت.
ويبدو أن هذا التغير في الموقف الأمريكي أو التردد في الدعوة لتوسيع إطار الديمقراطية في مصر خشية وصول إسلاميين كان. وفق مصادر أمريكية- يسبب عدم بلورة سياسة للولايات المتحدة تجاه جماعة الإخوان المسلمين وبسبب آخر أهم قالته المصادر الأمريكية نفسها هو الخشية من جماعة الإخوان المناهضة للسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط ولإسرائيل.
وهذا التناقض والتردد في المواقف الأمريكية هو ما دعا المرشد العام للإخوان محمد مهدي عاكف للقول لرويترز إن: «الأمريكان يدعون إلى شيء، ولكن لا يطبقونه.. يدعون إلى الديمقراطية لكن لا يطبقونها.. لهم ميزانان.. يطبقون الديمقراطية في مكان ولا يطبقونها في مكان آخر.. لا نعول كثيرًا على تدخل بوش.. نعول على الشعب المصري إذ يقوم بواجبه لنيل حقوقه».
التخوف من صعود الإخوان حسم الجدل
ويبدو أن أهداف زيارة رئيس الوزراء المصري أحمد نظيف. الذي سافر بدلًا من الرئيس مبارك للتباحث حول نقاط الخلاف مع واشنطن- تحققت بسهولة؛ لأن وجهة النظر المرجحة للتدرج الإصلاحي في مصر داخل إدارة بوش- لضمان عدم صعود أسهم الإسلاميين- قد بدأت تعلو.
فنظيف ذهب إلى واشنطن لعدة أهداف تتلخص في:
الأول: تبريد العلاقات المصرية الأمريكية التي اعترف نظيف بأنها ملتهبة وشرح الرؤية المصرية في جميع القضايا، وتأكيد قدرة مصر على قيادة المنطقة نحو المزيد من الديمقراطية والإصلاح والاستقرار، وفقًا لرؤية القاهرة وأجندتها الخاصة، عن الضغوط والرؤى الخارجية والأهم إقناع واشنطن بنموذج ديمقراطي مصري «بطيء» ولكن مستقر.
الثاني: إعادة تأكيد ما سبق أن أكده مدير المخابرات المصرية عمر سليمان للمسؤولين الأمريكان في زيارة سابقة في إبريل الماضي كشف عنها نظيف بشأن الوضع في مصر. وموقف القاهرة مما يثار عن اعتزام واشنطن فتح حوار مع القوى الإسلامية ومنها جماعة الإخوان في مصر، وملخصه أن ما وصل للأمريكان عن قوة هؤلاء الإسلاميين في الشهور الماضية خطأ ي ولهذا وصف نظيف، تصعيد الإخوان المسلمين الأخير بالمظاهرات بأنه ربما ن يكون قد استند إلى إشارات غربية غير دقيقة، بينما اتضح الموقفان الأمريكي ل والأوروبي من التيارات الإسلامية في المنطقة بصفة عامة خلال الأسبوعين الأخيرين (يقصد بعد زيارة عمر سليمان) وربما يعود سبب سوء الفهم إلى معلومات غير دقيقة وصلت الإدارة الأمريكية عن حجم وتأثير الإسلاميين في المجتمع، غير أن الأمر تم تصحيحه وفهمه جيدًا بشكل سريع.
الثالث: شرح الموقف المصري من مسألة استقدام مراقبين أجانب لمراقبة الانتخابات المصرية، وأنه لا يمثل مشكلة لمصر، ولكن يبقى الأمر في نطاق النصيحة مع إدراك أن حساسية فكرة الأجانب بالنسبة للشعب المصري الذي عانى من الاحتلال آلاف السنين تجعله خيارًا صعبًا، ومن ثم الانتهاء إلى اعتبار الطلب الأمريكي الذي جاء على لسان الرئيس بوش بمثابة نصيحة، وليس أمرًا.. ولا يجب الانصياع له، مع توفير ضمانات لنزاهة الانتخابات، أو بحث فكرة وجود ملاحظين للانتخابات.
الرابع: السعي لإعادة الروح لمفاوضات إبرام اتفاقية للتجارة الحرة مع أمريكا بعدما فشل الرئيس مبارك في زيارته الأخيرة (أبريل ٢٠٠٤) على حمل بوش على توقيعها بسبب المطالب الأمريكية المتعسفة والشروط الموضوعة لتنفيذ هذا المطلب، والتي تجمع بين الشروط الاقتصادية والسياسية: حيث ربطت واشنطن هذه الشراكة الاقتصادية بتحسن العلاقات المصرية الإسرائيلية، كما سعت العقاب مبارك أيضًا لوقوف بلاده مع الاتحاد الأوروبي ضد الشكوى الأمريكية في منظمة التجارة العالمية وهذه المرة ذهب نظيف وهو يتسلح باتفاقية الكويز، التي حسنت العلاقات بين القاهرة وتل أبيب.
وقد نشرت صحف أمريكية أن واشنطن أصبحت مقتنعة أن بقاء الرئيس مبارك في الحكم الفترة المقبلة مهم ومفيد وضروري للمصالح الأمريكية: أولًا لأن البديل هو عدم استقرار وفوضى غير متوقعة تضر بمصالح أمريكا في المنطقة ومنها الحفاظ على أمن الدولة الصهيونية وهو نفس ما قالته مصادر صهيونية لواشنطن عن مصر، معتبرة أن استقرار حكم مبارك وعدم ضغط أمريكا بالإصلاحات هو لصالح أمن الدولة العبرية والعكس صحيح، لأن نمو نفوذ الإخوان في مصر معناه زيادة قوة حماس في الأرض المحتلة وتهديد أمن تل أبيب واتفاقات السلام وقد أشار إلى هذا نظيف قبل سفره لواشنطن حين قال: من وجهة نظر الولايات المتحدة.. الرئيس مبارك هو أفضل من يتولى الفترة الرئاسية القادمة.. ليشرف بنفسه بسرعة مناسبة على الإجراءات المكملة للإصلاح الديمقراطي.. ليس هناك بديل آخر. البديل الآخر مخيف.. سيء جِدًّا...".
كما أيدت ماريا اتاوي، Marina Ottaway خبيرة شئون الديمقراطية بمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي الذي القى نظيف محاضرة أمامه هذا الطرح أيضًا: حيث قالت له تقرير واشنطن Taqrir Washingtonالذي يستعرض أهم القضايا الأمريكية التي تهم العالم العربي أي بديل للنظام المصري الحالي لا يزال يمثل معضلة حقيقية للولايات المتحدة التي ترى في النظام المصري حليفًا جيدًا في القضايا الإستراتيجية المهمة مثل الحرب على الإرهاب وصراع الشرق الأوسط. وأضافت أتاوي الرئيس بوش ما زال يحتاج مبارك، وهو يخشى (أي بوش) الإسلاميين على أي حال.
وهذه النقطة الأخيرة تحديدًا كانت. على ما يبدو. وفق صحف وآراء أمريكية- هي مفتاح قناعة واشنطن بالموقف المصري الذي عرضه نظيف ومن قبله مدير المخابرات المصرية وعدم قيامها بضغط كبير على مصر خلال زيارة نظيف. خصوصًا أن مصر عرضت بالتفصيل خطة للتغيير الديمقراطي البطيء الذي يضمن استقرار مصر في التعاون الإقليمي مع المصالح الأمريكية في المنطقة. وأبرزها الدور المصري في توفير تهدئة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
ومن هنا يمكن فهم التجاهل التام لقضية الاعتقالات لمعارضين خصوصًا من جماعة الإخوان المسلمين في مفاوضات نظيف في أمريكا، حيث لم تتكلم أمريكا إلا عندما جرت اعتداءات على الصحفيات وأنصار كفاية في مظاهرات ٢٥ مايو ٢٠٠٥.
وهو نفس ما قالته خبيرة الديمقراطية (تمارا ويتز) Tamara Wittes من معهد بروكينجز بواشنطن التي ذكرت أن قضية الإخوان لم تشغل الإدارة الأمريكية كثيرًا، ولم يظهر أي تعليق رسمي على وجود أي مناقشات بين الجانبين المصري والأمريكي حول حملة الاعتقالات الأخيرة في صفوف أعضاء جماعة الإخوان، أو بخصوص قرار الجماعة مقاطعة الاستفتاء حول التعديلات الدستورية المقترحة.
القضية بالتالي لا تعدو أن تكون معاكسات أو ضغوطًا أمريكية على مصر ولعب بملف الإخوان لضمان المزيد من الخضوع المصري للمطالب الأمريكية وزيارة المسؤولين المصريين الأخيرة لواشنطن استهدفت شرح أخطار اللعب بهذه الورقة الحمراء لأنه خطر على مصالح واشنطن وتل أبيب وتضر استقرار الحكم في مصر، ورد الفعل الأمريكي المتجاوب بسرعة مع مطالب الإصلاح المصرية البطيئة يؤكد أن الإسلاميين بمثابة خط أحمر في سياسات واشنطن حتى لو كانت المطالبة بالحريات أو الديمقراطية!