العنوان على هامش القمة الفرنسية الألمانية - أوروبا وأمريكا إلى أين؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1981
مشاهدات 57
نشر في العدد 517
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 24-فبراير-1981
ريغان: التفوق الاستراتيجي.
ديستان: الاستقرار بدل الوفاق.
شميت: التوازن الدولي.
كيسنجر: عزل أوروبا.
بريجنيف: استغل الوفاق.
كارتر: العقوبات الاقتصادية.
روح الاستقلالية الأوروبية عن أميركا خبت مع موت ديغول.
إلى الآن والمواقف الأوروبية تتسم بالتبعية والذيلية للسياسة الأميركية.
التبادل التجاري والخوف على الأمن وراء إيمان أوروبا بالتوازن الدولي.
الخلاف الأميركي الأوروبي حول الشرق الأوسط طفيف وغير جوهري.
المحور الفرنسي – الألماني مجرد محاولة والمستقبل مشكوك فيه.
الهيمنة للروس والأمريكان والعالم الإسلامي هو المؤهل للمنافسة لو أراد.
على الرغم من التحالف الأميركي الأوروبي المرتكز إلى طبيعة النظام الرأسمالي من جهة وإلى التحالف العسكري والاستراتيجي من خلال حلف شمال الأطلسي من جهة أخرى إلا أن هذا لا يمنع من تباين في وجهات نظر الطرفين حيال بعض القضايا الدولية وخاصة العلاقات بين الشرق والغرب. فما هي آثار القمة الفرنسية الألمانية التي عقدت مؤخرًا في باريس على العلاقات بين أميركا وأوروبا، وما هو أثرها بالتالي على العلاقات بين الغرب والشرق؟
لا يخفى أن هناك خللًا في العلاقات بين أميركا وحلفائها الأوروبيين بدأت تتضح معالمه في عهد إدارة الرئيس كارتر الذي أجمع المسؤولون الأوروبيون على أنه يتصف بالغموض والتردد. ولعل في قول المستشار الألماني هيلمون شميت في معرض نقده للسياسة الأميركية «أوروبا لا تستطيع أن تسقط ثانية في نفس الحفرة وأن ترتكب نفس الخطأ» دليلًا على ذلك. ولكي يمكن تقييم نتائج القمة الفرنسية الألمانية لا بد من تذكر نقاط الخلاف الأساسية بين الطرفين.
النزعة الاستقلالية
يعود الخلاف في جذوره القريبة إلى العهد الديغولي عندما حاول شارك ديغول بالتعاون مع مستشار ألمانيا آنذاك بناء على سياسة أوروبية تتسم بروح الاستقلالية عن الهيمنة الأميركية، ولكن المحور الفرنسي الألماني الذي بدا يتشكل من جديد لم يكن قادرًا آنذاك على المضي في الخط الاستقلالي لعدم تجاوب الدول الأوروبية الأخرى معه من جهة ولقوة السياسة الأميركية آنذاك من جهة ثانية، ويمكن القول إنه منذ أوائل السبعينيات وبالذات منذ أخذ هنري كيسنجر يلعب دورًا بارزًا في صنع السياسة الخارجية الأميركية لم تكن لمجموعة الدول الأوروبية أي مواقف سياسية فاعلة في السياسة الدولية، وقد اضطرت مجموعة هذه الدول بحكم ضعف اقتصادها وقواتها العسكرية مقارنة بالولايات المتحدة إلى الرضوخ للسياسة الأميركية، وبناء عليه لم تزد المواقف الأوروبية عن كونها مجرد مواقف «ذيلية» تابعة للسياسة الأميركية. وهذه الذيلية لا تزال بالرغم من نشاط المحور الفرنسي الألماني الجديد هي السعة العامة للسياسة الأوروبية وخاصة حيال الوفاق الدولي وأزمة الشرق الأوسط.
ذيلية المواقف الأوروبية
فعلى صعيد العلاقات بين الشرق والغرب تولت الولايات المتحدة إنشاء قوات حلف شمال الأطلسي، وفرضت على أوروبا زرع صواريخ نووية في أراضيها موجهة ضد الاتحاد السوفياتي،وبالنسبة للعقوبات التي فرضتها ضد الاتحاد السوفياتي بسبب غزوه لأفغانستان التزمت بها معظم الدول الأوروبية مع بعض التحفظات البسيطة، إلا أن ما يلفت النظر ويستحق التأمل من دول الشرق الأوسط وبالذات الدول العربية والإسلامية أن الذيلية الأوروبية للولايات المتحدة كانت أشد وضوحًا على مسرح الشرق الأوسط فعندما فرضت الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية ضد إیران بسبب أزمة الرهائن سارعت الدول الأوروبية إلى تضييق تلك العقوبات، وعندما حلت أزمة الرهائن سارعت هذه الدول إلى فك الحصار الاقتصادي عن إيران.
وبالنسبة للمبادرة الأوروبية فإن مجموعة السوق الأوروبية لا تزال حريصة على تعليقها بالموافقة الأميركية إن لم تكن هي اصلًا من وحي الولايات المتحدة فما ذهبت إليه صحيفة كريستيان سينس مونتير الأميركية.
متغيرات جديدة
وفي ذلك السياق ورثت أميركا بريطانيا في العالم الثالث واستخدمت قواعدها العسكرية. كما تقوم القوات الفرنسية بالتعاون التام مع القوات الأميركية في أفريقيا والمحيط الهندي والخليج وسبب الدور الفرنسي العسكري الإيجابي تخطط إدارة ريغان على لسان وزير خارجيتها اليكساندر هيغ لأن تكون فرنسا في الحليف الأوروبي رقم واحد على حد تحليلمجلة ياري ماتش الفرنسية.
ومع ذلك فإن ثمة متغيرات جديدة دعت المجموعة الأوروبية إلى محاولة بناء سياسة حليفة للولايات المتحدة ولكن تتمتع بقدر من الاستقلال.
من هذه المتغيرات مجيء إدارة أميركية جديدة تتسم بالحزم في معالجة القضايا الدولية، وظهور بوادر الحرب الباردة بين الشرق والغرب، وتنامي مصالح أوروبا الاقتصادية في بعض المناطق الحساسة.
العلاقة مع الاتحاد السوفياتي
ولعل الخلاف حول العلاقة مع الاتحاد السوفياتي هي اليوم من أوسع رقاع الخلافبين أوروبا وأميركا حيث ترى دول أوروبا ممثلة في ألمانيا وفرنسا أنه يجب الإبقاء على العلاقات مع الاتحاد السوفياتي وعدم «كسر الجرة» معهم لعدة أسباب تتعلق بخوف الدول الأوروبية على أمنها إذا ما انتشر استعمال السلاح النووي وفرشت الأرض الأوروبية بالصواريخ والرؤوس النووية، وثمة سبب مهم جدًا بالنسبة لأوروبا عمومًا للإبقاء على علاقات مفتوحة على الاتحاد السوفياتي وهو زيادة حجم التبادل التجاري معه وقيام بعض الدول الأوروبية بإنجاز بعض المشاريع الحيوية كمشروع من أنابيب الغاز الكبير من سيبريا للغرب، وهذا المشروع وإن وافقت عليه إدارة كارتر إلا أميركا على حد تصريح ريغان ستبقي على الخطر الصناعي والتكنولوجي على الروس وهذا ما يعترض عليه الأوروبيون بشدة من هذه المنطلقات رفضت معظم الدول الأوروبية خاصة ألمانيا مطالبة الولايات المتحدة لها لزيادة نفقاتها الدفاعية بنسبة 3%، كما نشأت أزمة حادة بين الطرفين بسبب تصريحات كاسبر واينبرغر حول ضرورة العودة إلى إنتاج القنابل النيوترونية وزرعها في أوروبا، الأمر الذي جعل هلموت شميت يعلن أمام البرلمان الألماني أن حكومته ستواصل الدفاع عن مبدأ التوازن في العلاقات بين الشرق والغرب ويقال إنه في لقائه الأخير مع ريغان وضع أمام ريغان مخاوفه من ضياع ۱۷ مليون ألماني في الشرقية إذا ما قبل بالسياسة الأميركية تجاه الاتحاد السوفياتيفي أوروبا.
لقد فهم من تصريحات ريغان ووزير خارجيته هيغ ومستشاره ريتشارد آلن أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة إعادة التفوق الأمريكي الاستراتيجي على الاتحاد السوفياتي. وهذه السياسة وإن كان يرحب بها الأوروبيون إلا أنهم يرون أن سياسة التوازن هي الانسب لأمنهم.
الخلاف حول الشرق الأوسط
إضافة إلى ذلك يختلف الأوروبيون مع حليفتهم الولايات المتحدة حول ضرورة الإسراع في حل أزمة الشرق الأوسط فهم توصلوا إلى ضرورة الاعتراف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وضرورة إشراك الفلسطينيين وربما منظمة التحرير في أي مفاوضات لتسوية أزمة الشرق الأوسط أما الولايات المتحدة وإن اعترفت بفشل اتفاقيات الكامب إلا أنها لا تزال ترفض الإعلان عن الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وترفض بإصرار التحدث أو الاعتراف بمنظمة التحرير، بل يميل ريغان إلى ما يسمى بالخيار الأردني.
ولكن هذا الخلاف ليس جوهريًا كما قد يصوره دعاة المبادرة الأوروبية إذ تبين منخلال محادثات غاستون ثورن وخليفته فان دير كلاو إن الحل الأوروبي والأميركي يلتقيان عند الخيار الأردني أو الخيار الأردني الفلسطيني وتبقى مشكلة التمثيل الفلسطيني هل هي المنظمة أم غيرها فهي مشكلة بسيطة وغير جوهرية طالما أن التسوية وفق التصورين تقضي بالاعتراف بإسرائيل ضمن حدود آمنة وإقامة علاقات اقتصادية وتجارية مفتوحة مع «جيرانها»!
القمة الفرنسية الألمانية
والآن ماذا تم بحثه في القمة الفرنسية الألمانية وإلى أي شيء توصلت؟ على الرغم من أن الصحافة الألمانية على وجه الخصوص والمراسلين الصحفيين العرب في باريس وبعض العواصم الأوروبية على وجه ما توصل إليه ديستان وشميت على أنه التأكيد على دور أوروبا المستقل في معالجة القضايا والمشكلات الدولية إلى حد الانعتاق والتميز الكامل عن السياسة الأميركية إلا أن البيان الختامي للمحادثات لا تؤيد ذلك.
فقد ركز البيان على ثلاث نقاط رئيسية هي:
١- التوازن في مجال الأمن.
٢- الاعتدال في السلوك السياسي والتأكيد على حل المشكلة البولندية سلميًا ودون تدخل أحد.
٣- المساواة في المسؤولية إزاء المشكلات الكبرى في العالم، مع النص على إدانة «التدخل السوفياتي» في أفغانستان.
وقد أكد الزعيمان على عزمهما لمواصلة الجهود التي تتطلبها عضويتهما في حلف الأطلسي في الوقت الذي سيدعوان فيه لعقد مؤتمر أوروبي لنزع السلاح. وما ذهبت إليه صحيفة التايمز البريطانية من أن أفكار كل من ريغان وديستان وشمیت وإن بدت لأول وهلة متباينة بشأن «ما بعد الوفاق الدولي» إلا أنها متقاربة تحليل صحيح إلى حد ما، خاصة وأن لفظة «الاستقرار» التي دعا إليها الزعيمان مرادفة لعبارة الوفاق القديمة. فقد اعترفا بأن الاتحاد السوفياتي استغل فترة الضعف في الموقف الغربي فسجل تفوقًا على الغرب في مناطق النفوذ في أفريقيا وشرق آسيا وأفغانستان، وإنه استغل الوفاق لتحقيق أهدافه والرئيس الفرنسي في تصوره للعلاقات مع الشرق يماثل تحفظات الرئيس ريغان.
فما يعنيه الوفاق عند دبستان هو «العيش سويًا دون إشعال نار الحرب»، وينبغي «تغيير مواقع النفوذ في العالم التي انتهت لصالح الاتحاد السوفياتي إلى حد كبير».
أما نقطة الخلاف فهي أن ريغان إضافة لذلك يتطلع إلى تحقيق «التفوق العسكري» وهذا ما لا يوافق عليه الأوروبيون.
أما ما وصفته الصحافة الألمانية التي تقسم عادة بالتعصب وبعدم العمق في التحليل من أن العلاقات الألمانية الأميركية والأوروبية الأميركية وصلت إلى حد الافتراق، وروج له بعض المبهورين باستقلالية الموقف الأميركي فليس دقيقًا ولا سليمًا.
وفيما يتعلق بأزمة الشرق الأوسط فقد أكد البيان الختامي على ضرورة الاستمرار بالاتصالات مع أطراف الصراع العربي الإسرائيلي وأكد الزعيمان ثقتهما بالاتصال الذي سيجريه مبعوث دول السوق الأوروبية المشتركة وزير خارجية هولندا خلال جولته القادمة، وبالنسبة لأفغانستان طالبًا بعقد مؤتمر دولي لبحث القضية الأفغانية كما أدانا التدخل السوفياتي.
خريطة التحالف الأوروبي
والقمة الفرنسية – الألمانية على أي حال قد رسمت خطًا ملونًا على خارطة التحالف الأوروبي لا أحد يدري فيما إذا كان سيتضح أكثر في المستقبل أم أنه سيضمر. فالمعروف أن بريطانيا وإيطاليا من أكثر الدول الأوروبية انسجامًا مع السياسة الأمريكية تليهما هولندا ثم بقية دول مجموعة السوق وقد كان المحور الفرنسي الألماني باستمرار هو المحور الأقل انسجامًا مع سياسة الولايات المتحدة.
ولكن بسبب الخلافات داخل السوق الأوروبية خاصة بين فرنسا وألمانيا من جهة وبريطانيا وإيطاليا وهولندا من جهة أخرى حول المنتجات الزراعية والنفقات الاجتماعية بالإضافةإلى الخلاف على الاتفاق العسكري، وما تعانيه ألمانيا من أزمة اقتصادية، من شأنه عرقلة الاستقلالية الأوروبية على الأقل في المدى المتطور.
ومن هنا فإن الخلاصة التي يمكن أن يتوصل إليها المراقب المسلم وينبه إليها هي أن الهيمنة في السياسة الدولية ستقلل للاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، والمنطقة المؤهلة حضاريًا وبشريًا واقتصاديًا لبناء سياسة مستقلة وقوية هي العالم الإسلامي والذي يتغافل عن هذه الحقيقة ويرضى بالذيلية للغرب أو الشرق يكونا خاسرًا وخائنًا للأمة ولله والرسول صلى الله عليه وسلم، فمتى يفيق المسؤولون في العالم الإسلامي؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل