العنوان الفتنة الطائفية متى.. وكيف.. ولماذا؟- أسباب التوتر الطائفي
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 26-ديسمبر-2009
مشاهدات 58
نشر في العدد 1882
نشر في الصفحة 40
السبت 26-ديسمبر-2009
هذا بلاغ للناس (2)
- الغواية الاستعمارية لشرائح من الأقليات الدينية من أهم أسباب التوتر الطائفي في مصر
- وصايا «المعلم يعقوب حنا» استهدفت سلخ مصر عن العروبة والإسلام وإخضاعها لنفوذ إنجلترا
- كتابات «د. جورج قرم» شهادة شاهد من أهلها على إنصاف الإسلام للأقليات الدينية
- ليس غريبًا أن يشهد حاضرنا توترات بين مكونات الأمة الدينية والقومية والوطنية
- «الفيلق القبطي » شارك الفرنسيين الغزاة في إبادة ١٠٪ من الشعب المصري (ثلاثمائة ألف) من (ثلاثة ملايين) والنصارى احتفلوا بانتصارات بونابرت على أهل غزة عام ۱۷۹۹م
من سنن الله -سبحانه وتعالى- في الخلق وفي الاجتماع الإنساني، قيام العلاقات.. علاقات الاقتران -بين «النعم» و«الابتلاءات والامتحانات والاختبارات» ففي نعمة الأولاد فتنة واختبار .. وكذلك الحال مع نعمة المال والغنى والثراء. ومع نعمة الجاه والسلطان.. ومع نعمة العافية والقوة في الأبدان.. ومع نعمة إقبال الدنيا وزينتها على الناس- أفرادًا.. وطبقات.. وشعوبًا وأممًا.. وحضارات.. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال:٢٨)، ﴿... وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء:٣٥). وذلك ليتم الابتلاء والاختبار والامتحان للناس، ويتميز الطيب من الخبيث، والصالح من الطالح، والمجاهدون على طريق الخيرات من الذين سقطوا أو يسقطون في الابتلاءات والاختبارات.
ولما كانت التعددية -التي جعلها الله- سبحانه وتعالى قانونا وسنة لا تبديل لها ولا تحويل في كل عوالم الخلق، وفي كل مكونات الاجتماع الإنساني هي من أعظم نعم الله سبحانه وتعالى، لتحقيقها الحرية.. والسَّعة.. واستنفار الطاقات للتسابق في ميادين الإبداع والتنوع الذي يحقق جمال التمايز في الأفكار والأعمال وطرق التنافس في هذه الحياة، كان الاقتران بين نعمة التعددية هذه الابتلاء بها والاختبار فيها، ليتميز الراشدون الذين يوظفونها في التكامل والتوازن والتزامل والبناء من الذين يجعلونها سبيلا للتناحر والتقاتل والتشرذم والتفتيت.
ولأن الشريعة الإسلامية، والحضارة الإسلامية التي أثمرتها وبنتها هذه الشريعة قد وضعت سنة التعدد في الممارسة والـتـطـبـيـق(١).. فـبـنـت أمــة مـتـعـددة في الشرائع والديانات. وفي الألسن واللغات والقوميات.. وفي المذاهب والفلسفات.. وفي الألوان والأجناس، كما أقامت للإسلام دارًا متعددة الأقاليم والأوطان والولايات.. وصنعت لهذه الأمة ثقافة متعددة المناهج والاتجاهات وميادين الإبداع.. كان طبيعيا اقتران نعمة التعدد هذه بألوان من ابتلاءات التوترات بين فرقاء هذه التعددية امتحانا لهؤلاء الفرقاء، حتى يتبين ويمتاز الساعون إلى توظيف التعدد في التكامل والتوازن من الذين سقطوا ويسقطون في مستنقعات التناحر والتنابز والتقاتل والتصارع والتشرذم والتفتيت.
إذن.. فليس غريباً أن يشهد تاريخنا أو حاضرنا توترات بين مكونات الأمة الدينية والقومية والوطنية وإنما الأهم هو البحث عن أسباب هذه التوترات.. والأخذ بطرق العلاج التي تداوي ما ينشأ عنها من آثار. توترات دينية
وفي حدود ما قرأت -حول التوترات الدينية في التاريخ الإسلامي القديم منه والحديث- فإن ما كتبه المفكر المسيحي اللبناني المرموق «د. جورج قرم حول الأقليات المسيحية في التاريخ الإسلامي، كان – ولا يزال – أدق وأعمق ما كتب في هذا الميدان.. وذلك فضلا عن أنه «شهادة شاهد من أهلها».. أهل هذه الأقليات الدينية التي عاشت في إطار أمة الإسلام. لقد رصد الرجل ظاهرة التوتر الديني والطائفي، التي قال إنها كانت محدودة وعابرة فأرجعها إلى عوامل ثلاثة.. وذلك عندما قال: «إن فترات التوتر والاضطهاد لغير المسلمين في الحضارة الإسلامية كانت قصيرة، وكان يحكمها ثلاثة عوامل:
العامل الأول: هو مزاج الخلفاء الشخصي، فأخطر اضطهادين تعرض لهما الذميون وقعا في عهد المتوكل العباسي (٢٠٦ - ٢٤٧هـ / ٨٢١ - ٨٦١م) الخليفة الميال بطبعه إلى التعصب والقسوة، وفي عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (٣٧٥ - ٤١١ه/٩٨٥ - ۱۰۲۱م) الذي غالى في التطرف معهم بشدة (وكلا الحاكمين عم اضطهادهما قطاعات كبرى من المسلمين!!).
العامل الثاني: هو تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لسواد المسلمين، والظلم الذي يمارسه بعض الذميين المعتلين المناصب إدارية عليا فلا يعسر أن ندرك صلتهم المباشرة بالاضطهادات التي وقعت في عدد من الأمصار.
أما العامل الثالث: فهو مرتبط بفترات التدخل الأجنبي في البلاد الإسلامية، وقيام الحكام الأجانب بإغراء واستدراج الأقليات الدينية غير المسلمة إلى التعاون معهم ضد الأغلبية المسلمة.
إن الحكام الأجانب -بمن فيهم الإنجليز- لم يحجموا عن استخدام الأقلية القبطية في أغلب الأحيان ليحكموا الشعب ويستنزفوه بالضرائب، وهذه ظاهرة تلاحظها في سورية أيضا حيث أظهرت أبحاث «جب» و«يوليان» كيف أن هيمنة أبناء الأقليات في المجال الاقتصادي قد أدت إلى إثارة قلاقل دينية خطيرة بين النصارى والمسلمين في «دمشق» سنة ١٨٦٠م، وبين الموارنة والدروز في جبل لبنان سنة ١٨٤٠، ١٨٦٠م. أعمال ثأر وفي نهاية الحملات الصليبية قد أعقبتها، في أماكن عديدة، أعمال ثأر وانتقام ضد الأقليات المسيحية، ولا سيما الأرمن الذين تعاونوا مع الغازي.
«بل إن كثيرًا ما كان موقف أبناء الأقليات أنفسهم من الحكم الإسلامي، حتى عندما كان يعاملهم بأكبر قدر من التسامح، سببا في نشوب قلاقل طائفية، فعلاوة على غلو الموظفين الذميين في الابتزاز وفي مراعاتهم وتحيّزهم إلى حد الصفاقة أحياناً لأبناء دينهم ما كان يندر أن تصدر منهم استفزازات طائفية بكل معنى الكلمة» (٢). تلك شهادة شاهد من أهلها على حجم.. ومدد .. وأسباب التوتر الديني والطائفي في تاريخنا الإسلامي.
«بونابرت».. وسلخ مصر عن العروبة والإسلام
وإذا نحن نظرنا -تحديدًا- إلى عامل «الغواية الاستعمارية لشرائح من أبناء الأقليات الدينية في الشرق الإسلامي بعصرنا الحديث.. فإننا نستطيع أن نشير إلى «محطات» في التوترات التي صنعتها هذه الغواية بعد قرون من مثيلاتها التي صنعتها الغزوة الصليبية (٤٨٩ – ٦٩٠هـ/ ١٠٩٦-١٢٩٢م) في تاريخنا الوسيط (۳).
ف«بونابرت» (١٧٦٩-١٨٢١م) قاد الحملة الفرنسية على مصر والشام (۱۲۱۳هـ / ۱۷۹۸م) .. والذي حلم بإعادة إمبراطورية الإسكندر الأكبر (٣٥٦ – ٣٢٣ق. م) الشرقية.. وتحقيق حلم الملك الصليبي القديس «لويس التاسع» (١٢١٤ – ١٢٧٠م).. قد أعلن -وهو في طريقه من «مرسيليا» إلى «الإسكندرية»- أنه سيجند (۲۰,۰۰۰) من أبناء الأقليات المسيحية في مصر والشرق ليتخذ منهم مواطئ أقدام لغزوته وإمبراطوريته الاستعمارية الفرنسية.
ولقد أثمرت غوايته الاستعمارية هذه ثمرات مُرَّة، عندما سقط في مستنقعها قطاع من الأرثوذكس المصريين – الأقباط(٤) الذين كوَّنوا «فيلقا قبطيا» ضم ألفين من شباب الأقباط – تزيا بزي الجيش الغازي، وحارب معه ضد الشعب المصري تحت قيادة المعلم «يعقوب حنا» (١٧٤٥ – ١٨٠١م) الذي أصبح «جنرالا» في الجيش الفرنسي الغازي -والذي يسميه «الجبرتي» (١١٦٧- ١٢۳۷هـ / ١٧٥٤-١٨٢٢م)- وهو مؤرخ العصر: «يعقوب اللعين»! ولقاء هذه الخيانة التي تركت جراحات عميقة في الصف الإسلامي، وفي الوحدة الوطنية التي بدأت مسيرة السقوط في غواية التبعية للاستعمار الغربي والمراهنة على دعمه لتغيير هوية الأمة وانتمائها الحضاري أعطى «بونابرت» وخلفاؤه للأقلية النصرانية من القبط والشوام بمصر الوزن الأكبر في إدارة شؤون البلاد تحت الاحتلال الفرنسي. كما عهد الجنرال «كليبر» (١٧٥٣ ۱۸۰۰م) الذي خلف «بونابرت» في قيادة الحملة وحكم مصر إلى المعلم «يعقوب حنا»: «...أن يفعل بالمسلمين ما يشاء!.. فتطاولت النصارى من القبط ونصارى الشام على المسلمين بالسب والضرب، ونالوا منهم أغراضهم، وأظهروا حقدهم، ولم يبقوا للصلح مكاناً ، كما صرحوا بانقضاء ملة المسلمين وأيام الموحدين(٥).
وبعد مشاركة «الفيلق القبطي» للفرنسيين الغزاة في إبادة ١٠٪ من الشعب المصري (ثلاثمائة ألف من شعب كان تعداده أقل من ثلاثة ملايين احتفلوا بانتصارات «بونابرت» على أهل «غزة» (۱۲۱۳هـ - ۱۷۹۹م)، وكما يقول الجبرتي: «فأظهر النصارى الفرح والسرور في الأسواق والدور، وأولموا في بيوتهم الولايم، وغيروا الملابس والعمايم وتجمعوا للهو والخلاعة وزادوا في الشناعة» (٦) وفي حماية المستعمر الفرنسي، وفي ظلال سيوفه، أظهروا الكيد للأغلبية المسلمة، وبعبارة الجبرتي «... فترفع أسافل النصارى من القبط والشوام والأروام واليهود، فركبوا الخيول، وتقلدوا السيوف بسبب خدمتهم للفرنسيين، ومشوا بالخيل وتلفظوا بفاحش القول، واستذلوا المسلمين، مع عدم اعتبارهم للدين، إلى غير ذلك مما لا يحيط به الحساب، ولا يسطر في كتاب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» (۷)
خيانة نصرانية
ولم تنته هذه الغواية -وهذا السقوط بهزيمة الحملة الفرنسية على مصر، وجلاء جيشها (١٢١٦هـ / ۱۸۰۱م)... ورحيل المعلم يعقوب حنا» وزمرته مع جيش الاحتلال.. وإنما خلف يعقوب -عقب هلاكه- من سموا أنفسهم «الوفد المصري» (أي اللاعربي واللاإسلامي) الذي ذهب إلى فرنسا بقيادة «نمر أفندي» عارضاً العمالة على الإمبراطورية الفرنسية حتى بعد هزيمتها ومعلنا عن استعداده لتطبيق القانون الفرنسي بمصر، بدلًا من القانون الوطني والفقه الإســلامـي بـل وعارضا تسخير الكنيسة الأرثوذكسية المصرية لتحقيق حلم فرنسا الكاثوليكية في اختراق أفريقيا دينيا وفي هذا الصدد، عرض هذا «الوفد المصري»: «الولاء لبونابرت».. وقالوا له: «إن الوفد المصري الذي فوّضه المصريون الباقون على ولائهم لك، سيشرع لمصر ما ترضاه لها من نظم عندما يعود إليها من فرنسا.. وإن الجمهورية الفرنسية اليوم -إذا أرادت- يمكنها عن طريق الأمة المصرية التي ستكون موالية لها، مد نفوذها نحو أواسط أفريقيا، وبذلك تحقق ما عجزت عن تحقيقه الملكية»(٨).
وفي الوقت الذي كان هذا «الوفد المصري» يراهن على فرنسا المهزومة.. كان المعلم يعقوب -قبيل هلاكه- قد كتب «وصيته» إلى إنجلترا الاستعمارية، لتحل محل فرنسا في ضم مصر إلى السيطرة الغربية، لتغيير هوية مصر، وانتمائها وعلاقاتها الإقليمية الدولية، فطلب في هذه «الوصية» التي بعث بها إلى وزير الحرب الإنجليزي أن ترث إنجلترا مصر من الدولة العثمانية.. وقال: «توشك الإمبراطورية العثمانية على الانهيار، ولذا فهم الإنجليز قبل أن تقع الواقعة، أن يلتمسوا لأنفسهم من الوسائل المؤكدة ما يكفل لهم الإفادة من ذلك الحدث عند وقوعه فيحققوا مصالحهم السياسية.
وإذا كان من المستحيل عليهم أن يستعمروا مصر -كما استحال ذلك من قبل على فرنسا- فيكفي أن تخضع مصر المستقلة لنفوذ بريطانيا صاحبة التفوق في البحار المحيطة بها، إن بريطانيا لها من سيادتها البحرية ما يجعلها تستأثر بتجارة مصر الخارجية، ويضمن لها بالتالي أن يكون لها ما تريد من نفوذ فيها .. إن مصر المستقلة لن تكون إلا موالية لبريطانيا .. ومن ثم فعلى بريطانيا أن تعمل على استقلال مصر، وهذا الاستقلال لن يكون نتيجة وعي الأمة، ولكنه سيكون نتيجة تغيير جبري تفرضه القوة القاهرة على قوم مسالمين جهلاء، وللدفاع عن هذا الاستقلال.. «فإن المصريين يمكنهم أن يعتمدوا على قوة أجنبية تعمل لحسابهم، يتراوح عددها بين ۱۲,۰۰۰ و ١٥,٠٠٠ جندي، يكفون تماما لصد الترك عن الصحراء، ولسحق المماليك داخل مصر...»(٩).
فالوصية اليعقوبية هي باستقلال مصر عن ذاتها الحضارية، وماضيها وحاضرها الإسلامي، ومحيطها القومي والحضاري، أي الانسلاخ عن العروبة والإسلام.. وإخضاعها لنفوذ إنجلترا، لتكون موالية لبريطانيا، التي تستأثر بتجارتها الخارجية .. هذا «الاستقلال» الذي تفرضه الاقتران بين النعم والفتن في المجتمع الإنساني من سنن الله في خلقه في كل الأزمنة القوات الأجنبية على المصريين «المسالمين الجهلاء» ! .. كما قال المعلم «يعقوب اللعين»! هذا عن جبهة الأقلية الأرثوذكسية بمصر، في أولى محطات السقوط في غواية الاستعمار الغربي في عصرنا الحديث.
غواية اليهود
وعلى جبهة الأقليات اليهودية.. رمى «بونابرت حبال هذه الغواية الاستعمارية أيضاً، وذلك عندما أذاع وهو على أسوار عكا (١٢١٣هـ / ١٧٩٩م) نداءه إلى يهود العالم، طالبا منهم التأييد والدعم لطموحاته الاستعمارية في الشرق الإسلامي، لقاء إعادة زرعهم في فلسطين، فقال في هذا النداء: «أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد.. انهضوا بقوة، أيها المشردون في التيه.. لابد من نسيان ذلك العار الذي أوقعكم تحت العبودية، وذلك الخزي الذي شل إرادتكم لألفي سنة، إن فرنسا تقدم لكم يدها الآن، حاملة إرث «إسرائيل».. إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به قد اختار القدس مقرا لقيادته، وخلال بضعة أيام سينتقل إلى دمشق المجاورة التي استهانت طويلا بمدينة داود وأذلتها.. يا ورثة فلسطين الشرعيين إن الأمة الفرنسية تدعوكم إلى إرتكم بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء»(١٠). تلك كانت المحطة الأولى من محطات الغواية الاستعمارية للأقليات الدينية الشرقية في عصرنا الحديث.