العنوان الحرب العراقية الإيرانية هل أصبحت خطيرة؟
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1982
مشاهدات 68
نشر في العدد 567
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 20-أبريل-1982
• فشلت جميع محاولات الوساطة لوقف الحرب ولكن لا زال هناك أمل.
• الحرب العراقية الإيرانية لم تصل درجة الخطورة في المفهوم الدولي إلا أخيرًا!
• العراق يوافق على شرطين ويبدي مرونة أكثر.
• إيران تصر على الشروط الثلاثة وتضيف لها عودة اللاجئين وترسيم الحدود العراقية- الكويتية!
• ما هو أخطر من الحرب ما قد يترتب عليها من تكتلات سياسية طائفية.
• الخطورة تكمن في تغيير المعادلة السياسية لطرف على حساب طرف آخر.
تساؤلات
لا شك أن التساؤل عن مدى خطورة الحرب العراقية الإيرانية يثير الاستغراب والتعجب، إذ كيف لا تكون خطيرة، وقد دخلت شهرها التاسع عشر وراح ضحيتها عشرات آلاف القتلى والجرحى والأسرى والمشردين بالإضافة إلى عشرات البلايين كمصروفات على الحرب أو خسارة في المعدات والمنشآت النفطية والاقتصادية؟! وكيف لا تكون خطيرة ورحاها تدور بين بلدين مسلمين جارين؟
لكن هذا الاستغراب قد يزول إذا عنينا الخطورة من وجهة النظر الدولية، فبالرغم من أن الحرب طال مداها ولا يعلم مداها إلا الله تعالى وحده إن القوى الدولية، بالرغم من تدخلها فيها عن طريق بعض حلفائها الإقليميين، إلا أنها وخاصة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي ظلت ترقب الوضع من بعيد وكأنها متفرج، فهل تغير هذا الوضع وماذا سيكون مصير المنطقة في ضوء احتمالات نهاية الحرب؟
وقبل محاولة الإجابة على هذه التساؤلات لا بد من الإشارة ابتداء إلى أن منطقة الخليج كامتداد لمنطقة الشرق الأوسط النفوذ الرئيسي فيها للولايات المتحدة الأمريكية بالرغم من بعض الجيوب الحليفة للاتحاد السوفياتي. يشهد لذلك الأنظمة المتعددة المتحالفة مع أميركا، ومحاولة تعزيز الوجود اليهودي المتمثل في إسرائيل عن طريق «تطبيع» علاقتها ببعض تلك الدول، ثم إن المصالح الأميركية في نفط المنطقة واحتياطيها المالي لا يخفى على أحد وقد أعلنت السياسة الأميركية في عهدي كارتر وريغان أن منطقة الخليج منطقة «مصالح حيوية» للولايات المتحدة وقد برهنت أميركا على ذلك عمليًا بإنشاء قوات الانتشار أو التدخل السريع وإرسال القطع البحرية إلى مياه بحر العرب والمحيط الهندي إضافة إلى القواعد والتسهيلات العسكرية التي حصلت عليها من بعض دول المنطقة أو القريبة منها.
معنى الخطورة
من هنا ينطلق بعض المحللين والمراقبين في قولهم إن الولايات المتحدة والغرب عمومًا وحتى الاتحاد السوفياتي، لم يكونوا مهتمين بإيقاف الحرب العراقية الإيرانية لسبب رئيسي هو أن هذه الحرب من وجهة نظرهم لم تصل حد الخطورة الذي فسرته جريدة الأوبزيرفر البريطانية في عددها ليوم 4/4/1982 حيث قالت: «إن تحقيق نصر حسام على يد أي من الجانبين كان أكبر خطرًا من الصراع المستمر»!
فالقوى الدولية لم تكن ترى بأسًا في احتدام الصراع بين البلدين الجارين مهما طال أمده، أما إذا تطور هذا الصراع مما يدع مجالًا لتغيير المعادلة السياسية في المنطقة فإنه يكون قد دخل مرحلة الخطورة.
ولعل هذه الحقيقة هي التي تفسر قول اللورد شالفونت السياسي البريطاني الذي يعتبر من أكثر المتابعين لأزمة الشرق الأوسط وهو يصف الحرب العراقية الإيرانية بأنها «أشد بؤر التوتر الدولية خطورة وحساسية».
فهل تطورت الحرب إلى هذه الدرجة وأصبحت تجتذب الاهتمام الأميركي؟
اهتمام أميركي
في أعقاب المعارك الأخيرة في شوش وديزفول وما ترتب على ذلك من اتصالات عربية ودولية صرح الرئيس الأميركي بنفسه قائلًا: «إن بلاده لا يمكن أن تسمح بتوسيع الحرب، كما صدرت تصريحات أخرى متتالية عن الناطق الرسمي الأميركي أو وكيل وزارة الخارجية كلها تصب في قناة اهتمام الولايات المتحدة بالحرب وربما بضرورة وقفها أو على الأقل حصرها في إطار ثنائي ضمن معادلة لا غالب ولا مغلوب.
وفي ضوء هذه المؤشرات، وفي ضوء الفراغ المتوقع حصوله في أزمة الشرق الأوسط بعد انسحاب «إسرائيل» من سيناء نهائيًا في 25 أبريل الجاري، يذهب بعض المحللين السياسيين إلى أن درجة الاهتمام الأميركي بالحرب سترتفع تحت هاجس أن تنقل إيران الحرب خارج حدودها.
وبهذا يمكن تفسير استعادة نشاطات لجان الوساطة والمساعي الحميدة لوقف الحرب بين البلدين، ولعل أكبر دليل على ذلك، وكما لاحظ راديو لندن أن اجتماع مكتب التنسيق لدول عدم الانحياز الذي انعقد مؤخرًا في الكويت، وإن كان مكرسًا لبحث القضية الفلسطينية، إلا أنه أولى موضوع الحرب بالقدر نفسه!
ويضيف مراقبون، إنه إضافة لما سبق من أسباب توجه الاهتمام الأميركي بالحرب العراقية الإيرانية، فإن الولايات المتحدة ومن خلال إثارة غبار تطور الحرب واختلال ميزان القوى لصالح الاتحاد السوفياتي، استطاعت أن تؤمن الحصول على القواعد والتسهيلات العسكرية، كما أوحت لدول المنطقة بأنها الحليف الطبيعي القوي الذي يمكنه إسعافها عند تعرضها للخطر!
وبالنسبة لدول الخليج العربية التي تعتبر أكثر حساسية تجاه تطور الحرب العراقية- الإيرانية فإنها استطاعت من خلال إنشائها مجلس التعاون الخليجي ومن خلال الاتفاقيات الأمنية الثنائية التي شهدتها المنطقة، أن تحتاط لما قد ينجم عن الحرب من أوضاع.
وبما أن هذه المنطقة تمثل «مصالح حيوية» لأميركا والغرب عمومًا فإنه -في نظرهم- وفي ضوء ما سبق قد آن الأوان لوضع نهاية للحرب.
على أن وضع نهاية للحرب خوفًا من تغير ميزان القوى وإن كان رغبة دولية، إلا أنه ويقدر أكبر مطلب ملح فهل تقف الحرب وتضمد الجراحات؟!
هل تتوقف الحرب؟
لا شك أن معظم الأطراف تتمنى ذلك، لكن الفيصل الحاسم في الأمر طرفا الحرب، والمتتبع لمحاولات الوساطة بدأ بمهمة ياسر عرفات مرورًا بمهمة أولف بالمه المبعوث الخاص للسكرتير العام للأمم المتحدة التي بدأت في 21 نوفمبر 1980، وتحركات حركة عدم الانحياز منذ 4 نوفمبر 1980، ولجنة المساعي الحمية أو بعثة النوايا الحميدة التي انبعثت عن اجتماعي ممثلي أربعين دولة إسلامية في الأمم المتحدة وانتهاء باللجنة التي تشكلت بتكليف اجتماع مكتب التنسيق لدول حركة عدم الانحياز يجد أن جميع هذه المحاولات قد باءت بالفشل بسبب إصرار كل طرف على شروطه.
لكن قول سعدون حمادي وزير خارجية العراق في مؤتمر صحفي عقده في الكويت في أعقاب انتهاء اجتماع مكتب التنسيق لدول عدم الانحياز يوم 8/4/82 «إننا نعتقد أن المفاوضات ستنهيها» يبعث على الأمل، كما أن إيران أبدت موافقتها على استئناف الوساطة الإسلامية المنبثقة عن المؤتمر الإسلامي المنعقد في الطائف في يناير 1981.
وبغض النظر عن تحركات لجان الوساطة الأخيرة وعدم توافر الأنباء الكافية عما طرحته من حلول. إلا أن نقاط الخلاف بين الطرفين تكمن في ما يلي:
تصر إيران كما صرح الرئيس علي خامئني وهاشمي رافسنجاني وغيرهما وفيما نشرته الغارديان البريطانية يوم 10/4/82 على الشروط التالية:
1- الانسحاب العراقي الكامل من الأراضي الإيرانية.
2- اللجوء إلى محكمة دولية أو إسلامية لتحديد الجانب المعتدي.
3- أن تقوم العراق بالتعويض عن خسائر الحرب التي لحقت بإيران.
وتضيف مصادر إيرانية مطلعة أن هناك شروطًا أخرى هي عودة اللاجئين العراقيين إلى بلادهم أو التعويض على من يرغب منهم في الإقامة في إيران، وترسيم الحدود بين العراق والدول التي لها حدود مع العراق وإيران.
وقد وافق العراق على مبدأ الانسحاب لكنه اشترط بدء المفاوضات أولًا كما وافق على مبدأ تحديد من المعتدي وما يترتب عليه من دفع التعويضات، لكن نقطة الخلاف ستظل كما قال وزير الخارجية العراقي في مؤتمره الصحفي المذكور: «إن العراق يرفض العودة لاتفاقية الجزائر» الموقعة عام 1975 بين البلدين والتي قسمت الإشراف على شط العرب بينهما.
لكن المراقبين يعتقدون أن العراق استنادًا لتصريحات للرئيس صدام حسين وغيره من المسؤولين العراقيين، ورغبة منه في إنهاء حالة الحرب ربما كان مستعدًا لإبداء مرونة أكثر بشأن الانسحاب من الأراضي الإيرانية، لكن المشكلة تبقى حول إصرار إيران على تشكيل «محكمة» تصدر قرارًا بإدانة العراق فيما وافق العراق على تشكيل «لجنة» لدراسة الأمر.
خطر عظيم
وإذا كانت الظروف الدولية والإقليمية كلها تشجع وتدعو إلى الإسراع في وقف الحرب ووضع نهاية لفرصة تفجر الصراع في المنطقة كلها، فإن الأمل في أن تدرك كل من العراق وإيران خطورة استمرار هذه الحرب على شعبيهما الجارين وما لاقاهما من ويلات الحرب وشرورها بالإضافة للخراب والدمار الذي لحق اقتصادهما.
على أن ما هو أكثر خطورة من ذلك أن يترتب على هذه الحرب تكتلات سياسية على أساس عرقي أو طائفي تدفع المنطقة لمزيد من التمزق والصراع والحروب التي تخدم القوى الكبرى الطامعة أولًا وأخيرًا.
وثمة حقيقة سبق أن نبهنا إليها في المجتمع، وهي أن الحروب بين الصغار تخدم الكبار بشكل مباشر على حساب الشعوب المغلوبة على أمرها، فلقد بات واضحًا للجميع أن الدول الغربية والشركات الرأسمالية جنت أرباحًا هائلة من تجارة السلاح، كما أنها تستعد لابتزاز البلدين الجارين بعد أن تضع الحرب أوزارها، لإصلاح ما هدم من المنشآت الاقتصادية والبترولية.
والشعوب الإسلامية عمومًا تعتقد أنه يجب ألا يشكل البحث في مسببات الحرب وظروف اندلاعها عائقًا أمام وقفها وتسوية الأمور سلميًا، وهي تتمنى على المسؤولين في إيران ألا تظهر إيران كدولة طائفية همها تصدير الثورة، لأن ذلك يخالف مبادئ الدين الحنيف من جهة، ولأنه يشكل تربة خصبة لإثارة الفتن والقلائل وعدم الاستقرار الذي لا يخدم أحدًا اللهم إلا أعداء المسلمين من غرب وشرق.
تلك هي الآمال... لكن هل يا ترى ستتحقق... ذلك ما ستجيب عنه الأيام القادمات.