العنوان سوانح.. وخطاب مفتوح إلى إحسان عبدالقدورس
الكاتب عبد القادر طاش التركستاني
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يناير-1975
مشاهدات 62
نشر في العدد 233
نشر في الصفحة 23
الثلاثاء 21-يناير-1975
سوانح
عجبًا لأمر هذه الشجرة الصلبة التي تنبت في الصحراء إنها شجرة «الصبار» تحوي أمورًا تدعو الفكر إلى التأمل وتسوقه إلى التفكر..
شجرة عصامية نسيج وحدها تنبثق في الصحراء المجدبة القاحلة، حيث لا ماء ولا حياة وحيث تنعدم جميع أسباب البقاء والنماء وتسمو مرتفعة في الهواء صاعدة نحو السماء دون أن تحتاج إلى أحد أو تطلب مساعدة وعونًا معتمدة على ما حباها الله سبحانه من مميزات وصفات وأسباب للحياة والبقاء.
وتهب العواصف الهوج وتهدر الرياح العاتية وشجرة الصبار قوية صامدة لا تتزعزع ولا تلين صلبة ثابتة لا تلقى لتلك العواصف والرياح بالًا وتقف مكانها مواصلة مسيرة الحياة والبقاء.
ويأتي الشتاء ببرده الصحراوي القارس وزمهريره اللاذع ثم نهجم الصيف بقيظة المحرق وحرارته الملتهبة ويأتي الخريف ثم يهل الربيع بنسائمه الجميلة ونعمه السابقة وتمر كل تلك الفصول بحلوها ومرها ونعيمها وبؤسها وتتقلب تلك الأحوال وشجرة الصبار كما هي، مواصلة حياتها وبقاءها بقوة وصلابة وصبر واحتمال.
كلما تذكرت شجرة الصبار ارتسمت في خاطري صورة «الداعية المسلم» فما أشبه صورته بصورة الصبار، فهو العصامي الذي ينبت في البيئة الإنسانية التي تبعد عن نور الله ومنهجه- فتشبه الصحراء المجدبة حيث لا ماء ولا حياة ويسمو الداعية المسلم صاعدًا نحو العلاء والمجد والريادة دون حاجة إلى مساعدة ودون التجاء إلى مخلوق يعلم أنه ضعيف فقير محتاج، إنه يعتمد على قوة خالقة وما يمده به من عوامل الحياة والبقاء والنمو.
وتهب عليه عواصف الكفر والطغيان وتهدر في وجهه رياح السوء والقهر وهو قوي صامد لا تزعزعه ضربات الجبروت ولا تسلمه تهديدات الأعداء إلى اليأس والقنوط، إنه لا يلقى لتلك الظروف الصعبة بالًا ولا تهد تلك الأحوال عزيمته، بل يواصل مسيرته الإسلامية بإصرار وعناد وقوة وثبات.
وتمر عليه ظروف بين الحرمان والعطاء والنعيم والبؤس والسعادة والشقاء وتتراوح حياته بين أيام الجراح والأسى وساعات الإشراق والمسرة وهو كما هو لا تغره النعمة فتبطره أو تؤدى به إلى الاستكانة والاطمئنان ولا تيئسه الظروف المرهقة ولا يستسلم لها استسلام الخانع الذليل، بل يقطع طريقه في الدعوة وهو واثق من نصر الله وتأييده وعونه.
ولكن «الداعية المسلم» يمتاز- حين التأمل الدقيق- على شجرة الصبار وصفاتها بصفة ليست في شجرة الصبار، ألا وهي: إن الداعية المسلم حين يظهر في صحراء الحياة المجدبة فإنه يحبو هذه الحياة من روحه وتعاليمه ومبادئه زادًا خيرًا ونماء طيبًا، إنه يهدي إليها مقومات سعادتها وأسباب نمائها وعوامل تقدمها وازدهارها، الداعية المسلم ليس شجرة صامدة قوية في نفسها فقط بل هو فوق ذلك شجرة معطاء يسخو على بني جنسه بثمراته الطيبة وإنتاجه الوفير، وهديه الرباني.
خطاب مفتوح إلى إحسان عبد القدوس
بقلم عطارد
عاد إحسان عبد القدوس إلى الكتابة بعد انقطاع طويل وانتقل بقلمه من الأخبار إلى الأهرام بعد أن انتقل من روز اليوسف إلى الأخبار قبل عشر سنوات وما تزال أثاره هنا وهناك تحتاج إلى مراجعات كثيرة، أما هذه المرة فإنه يبدأ مرحلة جديدة من أخطر مراحل حياته الفكرية والأدبية، إنه كان في الماضي يعايش القصة ويحاول أن يجعل من «الخطيئة» ظاهرة أساسية في مجتمع أبطاله جميعًا منحرفون تدفعهم أهواءهم وشهواتهم وملاذهم، ولم يكن المجتمع في حقيقته كذلك ولكنه كان يريد أن يفرض حالة «خاصة» ليجعلها ظاهرة عامة، وأن يجعل من التجربة والظروف والخلفيات الفردية منطلقًا لصورة عامة، ولم يكن في هذا كله إلا جريئًا على أصول الدراسات الاجتماعية وسنن الأمم منكرًا لأصالة المجتمع الإسلامي، الذي يتميز في مجموعة بالعفة والطهر والخلق والحرص على البكارة والبعد عن الاغتصاب، ما عدا بعض حالات ليست أصيلة وليست من شيم المسلمين وأخلاق العرب وإنما دخلت إليهم من الأمم الأخرى والنحل التي حاولت أن تنصهر في مجتمع الإسلام فحملت معها أو شابها وخطيئاتها وتوارثتها إذ لم يستطع الإسلام بعد أن يطهرها وينقيها ويدفعها إلى البحر الواسع بأمواجه الطاهرة فبقيت على حفافي الجداول.
أما اليوم فإن الأمر يختلف ويختلف كثيرًا، يختلف إلى مزيد من الإصرار على الشر والحقد وتعميق أساليب المكر بالأمة الإسلامية وأخلاقها وقيمها.
إنه الآن يحاول أن ينقل من الحياة صورًا حية للخطيئة، فهي لم تعد عنده قصة في مجال الخيال والبناء الفني، وإنما هي واقع منتزع من الحياة نفسها فكل الذين يكتب عنهم يدعي أنه قابلهم فعلًا وتحدث إليهم سواء تلك الطبيبة الإنجليزية التي قدمت جسدها للأسود الأفريقي أو تلك المهاجرة من بورسعيد إلى القاهرة أو تلك الفتاة البدوية التي كانت طالبة داخلية في إحدى معاهد تلك العاصمة العربية.
كل هؤلاء نماذج جديدة حية في الرجال والنساء يلفون في الخطيئة، تلك الظاهرة التي يراها إحسان عبد القدوس طبيعية في المجتمع العربي وفي كل المجتمعات البشرية، ويعجب كيف يدرسونها أو يكتمونها، إن ظاهرة المرأة الخاطئة وظاهرة الخمر، وظاهرة تقديم الجسد عن رضا لأي رجل، لم تعد في تقدير إحسان عبد القدوس بالأمر الذي يستلفت النظر وكأنه يريد أن يقرر ظاهرة جديدة في المجتمع العربي:
هو انتهاء طابع الغيرة من هذا المجتمع الإسلامي الأصيل وهذا من الأمور المستحيلة الحدوث وأن كانت هناك حالة أو حالات فردية فإنما هي نماذج في بيئات معينة لا يمكن أن تنسحب على المجتمع كله، ولم تحدث إلا في المحيط المختلط الدخيل الذي يلتقطه بعض من يحلو لهم أن يصوروا المجتمع كله وكأنه صورة من حياتهم الخاصة أو كأن هذه الدعوة انتقام لأهليهم وأنفسهم. وكأنما لم يكن انحرافهم إلا ظاهرة عمت المجتمع کله.
وإذا كانت هناك نماذج من هذا النوع قليلة نادرة بجوار الكثرة الكاثرة من أصحاب الغيرة على الأعراض من نساء يستسلمن للقتل ولا يسلمن العرض فإنما ترجع هذه القلة إلى ذلك الفكر المسموم الذي ظل يبثه أهل الإباحية ودعاتها في الصحافة والثقافة والمجتمع، ومن أمثال هؤلاء إحسان عبد القدوس نفسه، خلال ثلاثين عامًا في بنات المسلمين حيث يحاولون أن يضعوا هذه الدعارة وهذا الاغتصاب وهذا الاستسلام في طابع فلسفي زائف يسمى حرية المرأة.
ونحن نعرف كيف حاولت جهات كثيرة أن تحمل مثل هذا الفكر في قصص إحسان عبد القدوس وغيره إلى مختلف البلاد وطبع الألوف المؤلفة وإغراء الناس به قصصًا ومسرحيات وأفلامًا في نفس الوقت الذي لم تجد فيه الكلمة المؤمنة من يحملها إلى الناس، بل وجدت المصادرة والامتهان وكأنها هي السموم والآثام.
إنما يحاول إحسان عبد القدوس وطائفة من الكتاب اليوم في إصرار عجيب على تقديم صور الجنس وقصصه وأحاديث «لويس عوض ونجيب محفوظ ومصطفى أمين أخيرًا» في نفس الوقت الذي أخذت فيه ظاهرة المرأة المسلمة المتحشمة تستجيش في كل مكان وتثبت أنها الواقع الأصيل وأن ما عداها هو الزيف الدخيل، وكأنها تصفع هؤلاء الدعاة إلى الشهوات والآثام وحيث نرى المرأة المسلمة اليوم وقد اتجهت إلى الله حين ترتفع الدعوات في صباحها الجديد كل يوم.
«اللهم نقني من الخطايا كما تنقي الثوب الأبيض من الدنس»
«اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد».
ذلك هو النشيد الجديد الذي يملأ قلوب دعاة الخطايا حقدًا وعنفًا ويدفعهم إلى حشد كل ما يكتب عن الجنس ولكن دورهم قد انتهى وخداعهم قد حقق الفشل الذريع.
الرابط المختصر :