العنوان عن التصادم بين الثقافتين: الغربية والإسلامية
الكاتب غازي التوبة
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1999
مشاهدات 98
نشر في العدد 1341
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 09-مارس-1999
بين نسبية الحقيقة والنص القطعي الثبوت والدلالة
نسبية الحقيقة إحدى الركائز التي تقوم عليها الثقافة الغربية منذ نهضة أوروبا الحديثة، ويربط المفكرون الغربيون بين تلك الركيزة وتغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المحيطة بالمجتمع، ويعتقدون أن تغير الحقائق الحياتية يقتضي نسبية الحقيقة، غير أن تكوُّن تلك الركيزة في الثقافة الغربية يعود إلى فترة أبعد من العصور الحديثة ويرتبط بالعصور الوسطى.
فمن المعروف أن الكنيسة كانت تنطلق آنذاك في حكمها لأوروبا من نص «الإنجيل المقدس» والذي كان ثابتًا والذي كانت تحتكر الكنيسة تفسيره، وعندما قامت حقائق علمية وكونية متعددة تناقض النص الثابت وتناقض تفسير رجال الكنيسة له وقع التصادم المريع بين الدين والعلم، وكانت النتيجة اضطهاد رجال العلم بحجة مخالفة النص المقدس الثابت، ولكن الكنيسة انهزمت أمام الثورة عليها وأمام حقائق العلم، واعتبرت الثورة رجال الدين عقبة في طريق العلم والتقدم، وصار الربط منذئذ بين النص المقدس وثبات الحقيقة، وكذا بين العلم ونسبية الحقيقة.
ومنذ أن بدأ التفاعل بين الثقافتين الغربية والإسلامية، كان أبرز صور التصادم بين نسبية الحقيقة في الثقافة الغربية وبين النص «القطعي الثبوت القطعي الدلالة» في الثقافة الإسلامية.
من أول صور التصادم ما أثاره طه حسين في كتابه «في الشعر الجاهلي» عام 1926م، فقد تعرض لنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة، تحدثت عن بناء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام للكعبة، وتشكك في تلك الحقيقة، وحتى في وجودهما التاريخي، وفي هجرتهما، ورأى أن قريشًا اختلقت تلك القصة لأسباب سياسية واقتصادية، ورأى فيها نوعًا من الحيلة لإثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية، والقرآن والتوارة من جهة أخرى.
ومن صور التصادم أيضًا حديث الدكتور حسين أحمد أمين في كتابه «حول الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية» عن حد السرقة الذي ورد في نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة في قبوله سبحانه وتعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ (المائدة-38)، فقد ربط الدكتور بين ذلك الحد وبين الوضع الاقتصادي في الجزيرة العربية آنذاك، وبين أن العربي كان ينقل كل متاعه على راحلته، وإن سرقته تعني سلبه كل ما يملك من جهة، وتعني هلاكه من جهة ثانية، لذلك جاء الحكم بتلك الصورة، لأنه مرتبط بالأموال المنقولة، والآن أصبحت الأموال غير المنقولة أثمن وأغلى من الأموال المنقولة، لذلك فهو يقترح تغيير الحكم، انطلاقًا من تغير الوضع الاقتصادي.
أما نصر حامد أبو زيد، فقد تحدث في كتابه «نقد الخطاب الديني» عن النصوص القطعية الثبوت القطعية الدلالة في مجالات عدة منها: صفات الله، وفي الحسد والسحر والجن والشياطين، وقد اعتبر أن الألفاظ الأخيرة مرتبطة بواقع ثقافي معين ويجب أن نفهمها في ضوء واقعها الثقافي، وإن وجودها الذهني السابق لا يعني وجودها العيني، وقد أصبحت الآن ذات دلالة تاريخية، وهذا ينطلق في أحكامه السابقة من أن النصوص الدينية نصوص لغوية تنتمي إلى بنية ثقافية محدودة، تم إنتاجها طبقًا لنواميس تلك الثقافة التي تعد اللغة نظامها الدلالي المركزي، وهو يعتمد على نظرية عالم اللغة «دي سوسير» في التفرقة بين اللغة والكلام، وينتهي أبو زيد إلى ضرورة إخضاع النصوص الدينية للمناهج اللغوية المشار إليها سابقًا.
أما الدكتور محمد شحرور في كتابه «الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة»، فقد اعتبر أن جميع النصوص القطعية الثبوت القطعية الدلالة في مجال الحياة الاجتماعية كالنكاح، والطعام، وفي مجال الحدود: كحد السرقة، والزنى، والحرابة، والقتل العمد... إلخ. وفي مجال الأحكام كتوزيع الميراث، وأخذ الربا... إلخ. جميع تلك النصوص خاضعة لاجتهاد رسم له حدين: أدنى وأعلى، وقد اعتبر أن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم هي اجتهاد محمد صلى الله عليه وسلم لتطبيق حدود الإسلام ضمن بيئة الجزيرة العربية، وبالتالي، فإن تطبيقه لها ليس ملزمًا لنا في شيء.
لا شك في أن نسبية الحقيقة هي النظام الذي يشمل كل تلك الطروحات بدءًا من تشكك طه حسين في الوجود التاريخي لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وفي واقعة بنائهما الكعبة، ومرورًا بربط حسين أحمد أمين لحد السرقة بظاهرة الأملاك المنقولة، وباعتبار نصر حامد أبو زيد السحر والحسد والجن والشياطين ألفاظاً ذات دلالة تاريخية، وانتهاءً باعتبار محمد شحرور جواز تأرجح الحد بين اجتهادين أعلى وأدنى.. ولا أريد أن أكرر الحديث عن الخصوصية التاريخية التي جعلت ثقافة الغرب تقوم على نسبية الحقيقة، ولا أريد أن أفصل مناقشة رأي كل كاتب فيما يتعلق بالنصوص القطعية الثبوت القطعية الدلالة التي تعرض لها، فقد فعلت ذلك في مواضع أخرى، أو فعل غيري ذلك، ولكني أرد موجزًا مختصرًا فأتساءل: هل يجوز لطه حسين أن يرد نصوصًا قطعية الثبوت قطعية الدلالة في شأن وجود إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - وفي شأن بنائهما الكعبة لا لشيء سوى لوجود أساطير مشابهة قبلها الرومان عن بناء روما من قبل بإينياس بن برياء صاحب طرواده اليوناني؟ لماذا يربط حسين أحمد أمين بين حد السرقة والأموال المنقولة ولا يربط ذلك بفعل السرقة الشنيع، وما يشتمل عليه من ترويع وتخويف واعتداء على المسروق، وما يصوره من طمع السارق ودناءته وتطلعه إلى ما في يد الغير بغير حق مشروع؟ لماذا يعتبر نصر حامد أبو زيد الكلمات السحر والحسد والجن والشياطين ألفاظًا ذات دلالات تاريخية؟ فهل نفى العلم بشكل قطعي وجود حقائق عينية لتلك الألفاظ حتى نعفي عليها ونعتبرها ألفاظًا لا حقائق لها وذات دلالات تاريخية؟ لماذا يخضع محمد شحرور الألفاظ القرآنية للتحليل اللغوي المعجمي، مع أن الإسلام أخرج كثيرًا من الألفاظ من معناها اللغوي وجعلها مصطلحات أعطاها معاني أخرى أمثال الصلاة، الزكاة، الإيمان، الكفر، الحد... إلخ، وعليه أن يحترم هذه المصطلحات عند أي بحث علمي؟
والآن أعود إلى نسبية الحقيقة التي تتصادم مع النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة الذي يؤدي إلى ثبات الحقيقة وأتجاوز الظروف التاريخية التي جعلت نسبية الحقيقة جزءًا أساسيًا من ثقافة الغرب، والتي تختلف عن ظروفنا التاريخية وأتساءل: هل حقًا ليس هناك ثبات في الحقيقة؟ ومن أين جاء النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة في ثقافتنا الإسلامية؟ وما سنده الواقعي في صيرورة الكون؟
إن الإجابة عن الأسئلة السابقة تقتضي أن نقرر أن هناك ثباتًا في الحقيقة، وإلا لما سميت حقيقة، وبشكل أدق جاء الثبات في الحقيقة من ثبات بعض النواميس التي تحكم الكون، ومن الفطرة التي قال الله عنها ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (الروم: 30).
ومن مظاهر الفطرة الثابتة على مدار التاريخ: التعبد، وحب التملك، والتجاذب بين الذكر والأنثى، وإعلاء قيم الصدق والأمانة، وإسفال قيم الكذب والخيانة... إلخ، لذلك جاء النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة في الشريعة ليعبر عن تلك الحقائق الثابتة المنغرسة في الفطرة، فكانت أحكام العقيدة وأحكام العبادات ثابتة، لأنها تتعلق بفطرة التعبد، وكانت أحكام فرضية الزكاة وتحريم الربا، وتشريع حد السرقة ثابتة، لأنها تتعلق بفطرة حب التملك، وكانت أحكام الخطبة والزواج والطلاق ثابتة لأنها تتعلق بفطرة التجاذب بين الذكر والأنثى، وكانت أحكام مدح الصادقين وإجزال مثوبتهم لأنها تتعلق ببعض الأخلاق الفطرية.
في النهاية نقول: طالما أن هناك فطرة ثابتة لا تتغير فهناك حقائق ثابتة لا تتغير، وهذا ما قادت الظروف التاريخية أوروبا لإنكاره، وليس بالضرورة أن يكون الصواب مع أوروبا .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل